مقالات

ماذا تعني موجة الاعترافات بفلسطين؟

“المدارنت”
بالتزامن مع عقد الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلنت أربع دول غربية، هي المملكة المتحدة وأستراليا وكندا والبرتغال، أمس الأحد، اعترافها بالدولة الفلسطينية وذلك ضمن موجة اعترافات ستشمل دولا غربية أخرى هي فرنسا، وبلجيكا، ولوكسمبورغ، ومالطا، وسان مارينو وأندورا، التي ستعترف بفلسطين اليوم، كما يُتوقع أن تعلن نيوزيلندا الاعتراف بفلسطين قريبا، وتجيء هذه الاعترافات بعد موجة اعترافات أخرى جرت العام الماضي، وشملت اسبانيا وأيرلندا والنرويج وسلوفينيا وأرمينيا والبهاماس وترينيداد وتوباغو وجامايكا وباربادوس.

أظهر التصويت الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة، صورة عن الهزال الشديد في الدعم الدبلوماسي العالمي لإسرائيل، فإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، هناك دولة واحدة في أوروبا، هي المجر، التي تديرها حكومة يمينية متطرّفة، ودولتان في أمريكا اللاتينية، هما الأرجنتين والباراغواي.
تعامل قادة الحكومة الإسرائيلية مع موجة الاعترافات الأخيرة بطريقتين. استبق بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة إسرائيل، الواقعة بطلبه لمواطنيه، قبل أيام، بـ«الاعتياد على اقتصاد يحمل علامات الانغلاق» وتشبيه دولة الاحتلال بنموذج «اسبرطة العظمى» الدولة الإغريقية التي كانت نموذجا لمجتمع عسكري متقشّف يخصص سياساته واقتصاده لخدمة الحروب المستمرة؛ أما حليفه، وزير الأمن ايتمار بن غفير، فرد على إعلانات الاعتراف بالحديث عن «سحق حماس» وضم الضفة الغربية «فورا» وتصفية السلطة الفلسطينية «بشكل كامل» وهو ما أكده أيضا حليفه الآخر، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، مقترحا «فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية».
اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت أن تصريح نتنياهو يعني أن إسرائيل ستصبح «دولة مصابة بالجذام» وقال أحد أعضاء الكنيست، والذي كان نائبا لرئيس الموساد «نحن في طريقنا إلى كوريا الشمالية» واعتبر رئيس أسبق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن «خطاب اسبرطة يعزز شعور إسرائيل بالتفكك والعزلة الدولية» أما إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، فقال «لقد مُحيت اسبرطة الأصلية، والتبشير بها يعني نهاية الدولة: اقتصاديا وسياسيا وعسكريا».
تواجه إسرائيل وراعيها الأمريكي، تنامي الدعم الدولي لقضية فلسطين، والعزلة المتصاعدة التي تعاني منها دولة الاحتلال بخطط استراتيجية لمحو فلسطين عن الخريطة السياسية للعالم، والانتقال إلى مرحلة إرهاب العالم العربي، كما جسدها العدوان على العاصمة القطرية الدوحة، والهجمات على اليمن وسوريا ولبنان.
تعتمد الاستراتيجية الإسرائيلية على تغيير الوقائع على الأرض بأشكال تتحدى بغطرسة مهولة قوانين العالم والأمم المتحدة وشرعيات الدول وسياداتها، فيما تعتمد الاستراتيجية المضادة، على تزايد الدعم الدولي، واللجوء إلى القوانين الدولية والمحاكم الأممية، ويشكل «مؤتمر حل الدولتين» في نيويورك، الذي تمثّل الاعترافات الأخيرة بدولة فلسطين، إحدى نتائجه، مبادرة عربية ـ دولية كبرى لمجابهة خطط إسرائيل.
أدت الأحداث التي تتابعت بعد 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023 إلى كارثة فلسطينية مستمرة في قطاع غزة، مع تصاعد احتمال قرار إسرائيل بضم الضفة الغربية، مما يهدّد أيضا بتداعيات كارثية عربية وعالمية، لكنّ هذه الأحداث التي أطلقت موجة من التغوّل الإسرائيلي الهائل رسّخت رؤية عالمية لإسرائيل كدولة فصل عنصري تمارس البطش القاتل والتهجير القسريّ لأصحاب الأرض.
تتقابل هنا، بالشكل الأكثر جلاء في التاريخ الحديث للعالم، صورة القوة الغاشمة لإسرائيل التي تشكّل خطرا جسيما، ليس على الفلسطينيين، ودول الجوار العربية، بل على العالم برمّته، مع صورة الفلسطينيين، باعتبارهم آخر الضحايا لأبشع أنواع الاستعمار الاستئصالي والوحشيّة التي لا نظير لها.

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى