مقالات

ما يُكتب عن سوريا وفسيفسائها وهويتها..

د. مخلص الصيادي/ الشارقة
خاص “المدارنت”..
بعض العبارات خداعة، صيغت بحرفية حتى تحقق الهدف منها. ومن هذه العبارات القول بأن سوريا فسيفساء من العقائد والقوميات والعرقيات.
وحين يكون التنوع على هذه الشاكلة، يكون هو الهوية، فلا تعود سوريا عربية، ولا تعود دولة مسلمة، وإنما هي ذلك الخليط الفسيفسائي.
أي أن الحديث عن الفسيفساء هو مدخل الى نفي الهوية. وليس مدخلا لإظهار الغنى والتنوع في المجتمع السوري، وهو غنى وتنوع حقيقي، يظهر أثره، وتتجلى معانيه حين يكون المجتمع في حالة تعافي ونهوض.
والذي يظن أن عبارة الفسيفساء عند أهلها دلالة تنوع وغنى، لا ينتبه إلى حقيقة الأمر، ولا إلى المبتغى الأصيل له.
مجتمع 80% على الأقل من سكانه مسلمين، و90% من سكانه عرب، وأكثر من الف وأربعمائة سنة ميلادية على الأقل، تجمع بين أهله حياة مشتركة، القيم، الابداع، الانتاج الثقافي والعلمي، العادات والتقاليد، بنية الأسرة.. الخ.
ويتم ذلك كله في ظل سلطة واحدة، دولة تظل الجميع بظلها، وتطبق قوانين واحدة، من الدولة الراشدة، ثم الأموية والعباسية والعثمانية، وحتى في ظل الدول الوسيطة (الزنكية. الأيوبية، المملوكية…الخ)، فقد بقيت جميعها تحت الدولة الكبرى دولة الخلافة.
ولا يظنن أحد، أننا حينما نتحدث عن عروبة سوريا، أننا نقصد العرق العربي، فالفكر القومي القائم على نظرية العرق فكر عنصري قائم على غير أساس علمي، وقد أبطلته رسالة الاسلام ومنهج رسوله الكريم (مُحمّد بن عبد الله)، الذي ربط العروبة والانتماء العربي باللسان والثقافة والانتماء، وكان تنوع أصول أبناء الاسلام الأوائل، بدءا من عصر الصحابة، وانتماؤهم الراسخ للعروبة والعربية، يحمل أبلغ التعبير عن مفهوم الإسلام الحضاري الثقافي لقضية العروبة.
وهذا المفهوم، هو الذي جعل أولئك الرجال من أصحاب رسول الله، يعتزّون بعروبتهم وانتمائهم وولائهم لهذه الأمة.
ولا يعتبرن أحد أن القول بإسلامية المجتمع السوري، يعني أنه لا يوجد في هذا المجتمع أحد غير المسلمين، ولا يخضع أحد في هذا المجتمع لغير قوانين المسلمين، فهذا فهم خاطئ، الأصول الإسلامية تخطئه، وكذلك تاريخ الدولة الإسلامية، وأيضا مكانة اليهود والنصاري في الدول الاسلامية المتعاقبة.
ومع إقراري بقصور معرفتي بأحوال كثير من الأمم الراهنة، لكني لم أعرف ولم يصل إلى علمي، ولم أسمع أن مجتمعا ما، أو دولة ما في عصرنا هذا، فيها عناصر تماسك اجتماعي ديني وقومي، كما في المجتمع والدولة السورية.
لينظر من يريد إلى المانيا فرنسا، اسبانيا، المملكة المتحدة، السويد، الدنمارك، روسيا، بولندا، رومانيا… الخ، هذا في أوروبا، وليبحث بأمثالها في القارتين الأمريكيتين، وفيما شاء من دول آسيا. وليقدم لنا مثالا لدولة ومجتمع أقل “فسيفساء” من الدولة والمجتمع السوري، ثم ليقدم لنا نموذجا لدولة أو مجتمع، يجعل من هذه الفسيفساء تعريفا لهويته، فلا تكون اللغة، ولا الدين، ولا الحضارة والتاريخ المشترك، هي مكونات هويته.
إن كل ما يجري في سوريا من هذه الزاوية، هو محاولة لتفتيت هذا الوطن، مستغلين وجود سلطة ساقطة قاتلة، دمرت المجتمع والوطن والشعب، وثار عليها شعبها. ووجود معارضة، ما تزال عاجزة عن وقف هذا الانهيار والتدمير، إن لم نقل إن بعضها مشارك في هذا الانهيار والتدمير.
سوريا دولة عربية اسلامية، وهي قلب العروبة النابض، بكل مكوّناتها العرقية، وغير العرقية، وبكل عقائدها الدينية وتنوعها المذهبي الاسلامي والمسيحي، وكذلك اليهودي، لولا أن الحركة الصهيونية استطاعت أن تخطف المكنون اليهودي من مجتمعنا وغير الاسلامي.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى