مقالات

مبدأ ترامب: حروب اقتصادية بنبرة سياسية عالية في سبيل المصلحة الوطنية

كتب د. جميل علي حمّود

//خاص المدارنت//… رفعت ايران منسوب المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، باعلانها استئناف تخصيب اليورانيوم، بدرجة تزيد عن ٣،٦٧ %، المسموح بها بموجب الاتفاق النووي. علما ان ايران كانت قد اعلنت تجاوز تخزينها لكميات اليورانيوم السقف المتفق عليه، ايضا في الاتفاق النووي، الذي انسحبت منه ادارة ترامب (الرئيس الاميركي دونالد) وتضغط باتجاه اعادة التفاوض فيه.

وتأتي هذه الخطوات الإيرانية في سياق المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، التي انطلقت مع عودة الإدارة الأميركية الى فرض عقوبات اقتصادية على ايران، لاجبارها على العودة الى طاولة التفاوض. علما ان الولايات المتحده الأميركية، توجه ٣ اتهامات رئيسية الى طهران، وهي السعي الى تطوير اسلحة نووية، والعمل على تطوير الصواريخ البالستية، وزعزعة الاستقرار الاقليمي عبر دعم منظمات “ارهابية” كحزب الله اللبناني، وحركة انصار الله الحوثية اليمنية، وحركة حماس الفلسطينية، وعدد من التنظيمات المسلحة العراقية.

هذا، ويأتي اعلان تخصيب اليورانيوم على اثر إسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة استطلاع أميركية من دون طيار، قيل انها دخلت المجال الحوي الإيراني. ولم تردّ ادارة ترامب حتى اليوم بالمعلن والمباشر على تلك الحادثة، التي رغبها ترامب ان تكون وقعت بالخطأ، فاصرّت ايران انها كانت مقصودة. كما ان ايران وبحسب المنظور الاميركي، كانت قد تورطت بالاعتداء على ٤ ناقلات نفطية في ميناء الفجيرة الإماراتي. وتلا ذلك اعتداء آخر على ناقلتي نفط في بحر عمان.

وعلى الرغم من كل خطوات المواجهة الإيرانية هذه وجديتها، لم تحيد ادارة ترامب حتى اليوم عن مسار رفع منسوب الخطاب التهديدي، مع متابعة الضغط على الدول الأخرى للتقيد بتنفيذ العقوبات المفروضة على ايران. فهل سينفجر التوتر المتصاعد في الخليج العربي ويتحول حرب فعلية تغرق المنطقة باكملها؟

إن محاولة الاجابة على السؤال الأنف الذكر، لا تنفصل عن المسار العام والخط البياني الاوسع للسياسة الخارجية الاميركية، منذ تولي ترامب سدة الرئاسة. علما ان ولاية ترامب الاولى شارفت على نهايتها، وها هو يستعد لخوض غمار معركة التجديد لولايته في ٢٠٢٠. وهذا ما يجعل مسألة فهم مبدأ ترامب في السياسة الخارجية ملحاً في هذا الوقت بالذات. فما هو المقصود بمبدأ ترامب في السياسة الخارجية؟ وماذا نستطيع ان نقرأ في تجربته المرشحة للتمديد لفترة ٤ سنوات أخرى؟

تتمحور السياسات الخارجية الاميركية تاريخيا، حول توجه استراتيجي محدد يطلقه الرئيس المنتخب، ويعمل على تشكيل فريق عمل متعدد الرؤوس والصلاحيات لتنفيذه. وغالبا ما تطلق ادبيات السياسة الأميركية مصطلح “المبدأ”، على التوجه الرئاسي في السياسة الخارجية (doctrine). فمبدأ ترومان بعد الحرب العالمية الثانية، كان احتواء الخطر السوفياتي (containment). وشكلت الحرب الاستباقية مبدأ جورج بوش الإبن. وأتى مفهوم القيادة من الخلف ليُهيمن على سياسات اوباما الخارجية. فما هو مبدأ ترامب؟

لقد ظهر المؤشر الاول لمبدأ ترامب واضحا وجليا، أثناء حملته الانتخابية، عندما اعتبر ان الولايات المتحده الأميركية متورطة في عدة حروب عبثية في العالم، ترتب تكاليف باهظة على الأمة بشريا وماديا، من دون ان يكون لها دافع واضح في المصلحة الوطنية الاميركية. فوعد بالانسحاب من العراق ومن أفغانستان، واعلن انه سيطالب العراق بمقابل لتضحيات بلاده هناك. وها هي الولايات المتحدة تتفاوض اليوم مع طالبان، التي طالما صُنفت رأس الارهاب في العالم.

لم يكن ترامب، رجل الاعمال البسيط التعليم، مثقفا ونخبويا، ليترجم ما ورد اعلاه الى خطاب سياسي تقليدي، بمصطلحات متعارف عليها وكلمات كبيرة. لكنه فعليا اعلن ان ادارته لن تتورط في حروب مباشرة، الا في حال حصول تهديد مباشر وواضح للمصلحة الوطنية الأميركية.

كما ظهر المؤشر الثاني لمبدأ ترامب ايضا، في حملته الإنتخابية، عندما دأب على السخرية المبطّنة من مفهوم القوة الناعمة في خطاباته، التي امتلأت بمصطلحات وشعارات اعادة القوة الحقيقية الى الامة الاميركية، عبر عرض العضلات، واظهار الإمكانيات التدميرية للقوى الأميركية المسلحة. وتمثل هذا الجانب من مبدأ ترامب فيما بعد، بخطاب سياسي عالي النبرة، يغلب عليه طابع التهديد واظهار القوة والوعيد باستعمالها.

وفي مؤشر ثالث على توجّه سياساته الخارجية، انتقد ترامب حلفاءه الأوروبيين بكل صراحة، وطالبهم ولا يزال بالمساهمة بشكل اكبر في تحمل تكاليف الدفاع عن اوروبا والغرب عموما. واعلن عن تشكيكه في فعالية حلف الناتو، وتوجهه الى اعادة النظر في بنيته واهدافه في هذا المضمار.

وفي مكان اخر من العالم، أقرب إلينا جفرافيا ومعنويا، افهم ترامب منظومة الحكم السعودية خصوصا، والخليجية عموما، أن لا ديمومة لها من دون الحماية الأميركية. ويالتالي، يتوجب على هذه المنظومة دفع الثمن.

هنا ايضا، يعبر ترامب بلغته التجارية الاقتصادية، عن مقاربة عميقة مختلفة لمفهوم تقليدي وتاريخي في السياسة الخارجية الأمريكية، يتمثل بشمول تعريف المصلحة الوطنية لدور قيادي وريادي لاميركا في العالم. ففعليا، يفصل ترامب بين المصلحة الوطنية المباشرة والدور الريادي الاميركي، مركزا على المصلحة الوطنية، ومتجاهلا الدور الريادي. وقد يسارع البعض الى اعتبار هذا افضل سابقة اقدم عليها ترامب. لكن جرأة ترامب وثقته بنفسه في الاعلان الصريح، لا يجب ان تغطي ميل منظومة الحكم الاميركية منذ سنوات، الى التخفيف من الدور الريادي الاميركي، عبر اللجوء الى سياسات القيادة من الخلف، والضغط بالقوة الناعمة.

وفي مؤشر رابع على مبدأ ترامب، شنّ الرئيس الاميركي منذ توليه زمام السلطة، حملة صريحة على مؤسسات الامم المتحدة، توّجها حتى الان بوقف تمويل مجلس حقوق الانسان، ومنظمة اليونسكو ومنظمة الأونروا. وفي هذه الخطوات ايضا دلالات على معارضة الرئيس الاميركي لمفهوم تقليدي وتاريخي اخر، لطالما طبع السياسة الخارجية الاميركية، يتمثل بإحساس النخب الاميركية بمسؤولية اخلاقية في دعم قيم الديموقراطية والمشاركة وحقوق الانسان، بغض النظر عن المواقف والممارسات العملية.

دونالد ترامب، رجل مال واعمال، يأتي من خلفية متواضعة بعيدة عن النخب وطبقات السلطة والسياسة. خلفيته هذه اكسبته فهم مُبسط لهموم الاميركي العادي. نجح في المال والاعمال، وجمع ثروة طائلة اكسبته ثقة بالنفس تتجاوز الحدود، لتصبح نرجسية فاقعة. لم يتدرج في مراتب ومواقع النخب والسياسة، ولا تعني له شيئا كلماتها الكبيرة. لكنه يفهم لغة المال والتجارة، وبالتالي، يقدّر اهمية الاقتصاد وفعالية اسلحته التي تستعمل للوصول الى صفقة، تتسم ببراغماتية ومنفعة ملموسة.

في ازمة كوريا الشمالية، اوصل الخطاب التهديدي الى حافة الهاوية، ليلتقي بالرئيس الكوري، وتبدأ مفاوضات الصفقة. وفي النزاع مع الصين ايضا، رفع سقف الخطاب السياسي واستعمل سلاح فرض الرسوم الجمركية، وهدد شركة “هواوي” الصينية بالمقاطعة، ليفاوض وينتزع مكاسب تجارية. ولم يرَ في الصراع العربي ـ الصهيوني الا صفقة القرن، التي اولاها الى صهره، الذي رسم خطوط عملية استثمار ضخمة تصل الى ٥٠ مليار دولار.

لن يكون نزاع ترامب مع ايران مختلفا. لا يريد حربا ولن يجرّه اليها لا اسقاط طائرة ولا تخصيب يورانيوم. سيتابع الخطاب السياسي التهديدي، فيما إدارته تشدد العقوبات الاقتصادية حتى تأتي ايران الى طاولة التفاوض.
مبدأ ترامب في السياسة الخارجية يقوم على الاسس التالية:
١. اظهار واستعراض القوة.
٢. إستعمال الأسلحة الاقتصادية.
٣. تهيئة الارضية المناسبة لعقد صفقة ذات منفعة ملموسة.
٤. التركيز على المصلحة الوطنية المباشرة.
٥. الانسحاب من الدور الريادي لأميركا في العالم.
٦. الابتعاد عن مسؤولية دعم قيم حقوق الانسان.
هذا ما يمكن ان نتوقعه من ادارة ترامب، اذا ما تمّ التجديد له السنة القادمة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى