مجزرة “حيّ” التضامن في دمشق عار على الإنسانية

خاص “المدارنت”..
شاهدت فيديو المجزرة التي ارتكبها الرائد أمجد يوسف وعناصره في حي التضامن بدمشق، وشاهد الفيديو معظم الشعب السوري في الوطن والشتات. الفيديو نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، يوضح بشكل لا لبس فيه كيف يدفع ضابط المخابرات بأشخاص مقيدين ومعصوبي الأعين باتجاه حفرة ثم يطلق الرصاص عليهم، خاتماً جريمته بصب البنزين على الجثث ثم حرقها.
ومع أنه ليس الفيديو الأول من نوعه، وإنما توجد فيديوهات كثيرة تحمل حجم الإجرام نفسه شاهدناها في السنوات العشر الماضيه، فقد وقفت حائراً وعاجزاً قبل أن أمسك القلم لأكتب لكم أيها السوريون عن حقيقة مؤلمة تتمثل في إن ما شاهدته وشاهدتموه من فيديوهات تنضح حقداً وإجراماً في السنوات الماضية لا تقع في دائرة الأعمال الفردية والسلوكيات الشاذة كما يرى بعضهم، وإنما تنطلق من عوامل كثيرة دفعت هؤلاء المجرمين إلى ممارسة هذا الاجرام، منها ما هو ثقافي، ومنها ما هو ديني واجتماعي، وفوق هذا وذاك تربية أسرية هيأت هؤلاء المجرمين لممارسة جرائمهم بهذه الطريقة التي لم نكن نتصورها في حياتنا من قبل.
أجل إنها تربية خلقت لدى هؤلاء المجرمين اتجاهات سلبية نحو الآخر المختلف، وغرست في نفوسهم استعدادات كافية لكي يُمارسوا الإجرام في أبشع صوره.. أقول هذا وأنا في غاية الحزن، ولكن هذه هي الحقيقة التي يعرفها كل من لديه فكرة عن دراسات تحليل المضمون.. فقد وردت في هذا الفيديو والفيديوهات التي سبقته عبارات وكلمات تحمل دلالات خطيرة ضد الآخر المختلف عنهم مذهبياً وثقافياً واجتماعياً..
كما أبرزت تلك الفيديوهات حجم العنف الذي تربى عليه هؤلاء القتلة، وهو عنف لم تعهده البشرية خلال تاريخها الطويل، فما تضمنته مقاطع الفيديو هو إعلان صريح عن هوية طائفية قاتلة. وفي تقديري أنه لو جُمعت هذه الفيديوهات وتم تحليل مضامينها (كماً وكيفاً) لظهرت هذه الحقيقة جلية واضحة.. كنت سابقا لا أظن أن حب السلطة يؤهب للقتل وسفك الدماء، ولم أتوقع يوماً أن يقوم طيار سوري بتفريغ حمولته من القنابل والبراميل المتفجرة على القرى والمدن السورية، ولكن يكفي أن نراجع أحداث السنوات الماضية من عمر الثورة، لنكتشف أن مغتصبي السلطة عندما تعرضوا للخطر أصبحوا يرتكبون أسوأ المجازر والفظاعات، لأنهم مقتنعون أن السلطة حق إلهي يجب ألا يُنازعهم عليه أحد، هذا فضلا عن سعيهم لإقامة مشاريعهم الطائفية في المنطقة.
والسؤال: كيف سنعيش مع هؤلاء في المستقبل؟ كيف سنعيش مع مجرمين استباحوا دماءنا وحرماتنا وأعراضنا؟ على المستوى الشخصي لا أستطع مشاهدة خاروف يُذبح أمامي.. من هم هؤلاء الذين يذبحون البشر ويحرقونهم ويقطعون أعضاءهم التناسلية؟ ما هي أحاسيسهم ومشاعرهم وعواطفهم إن كانوا بشراً؟ لا يمكن أن يكونوا حاقدين فقط.. هؤلاء وحوش بشرية لا تمتلك ذرة واحدة من دين أو أخلاق أو ضمير.. هؤلاء أقل ما يقال فيهم أنهم همج أتوا إلينا من العصور الحجرية، مع أنني أشك أن يكون في تلك العصور أناس تشبههم.
في هذا الفيض المزدحم من الجرائم والطغيان يُصبح السؤال الآتي مشروعاً ومبرراً: هل نحن بحاجة إلى تربية من أجل الغضب؟ بكل تأكيد أقول: نعم إننا بحاجة ماسة إلى هذا النوع من التربية من أجل تكوين الأطفال السوريين تكويناً يدفعهم إلى الغضب والثورة على الظلم والقهر والطغيان، بعد أن تبين بأدلة قاطعة أننا نتعامل مع وحوش بشرية لا تفهم معنى التسامح مع الآخر المختلف والحوار معه..
نحن بحاجة أيها السوريون إلى نسف كل المنظومة التربوية القائمة، واستبدالها بمنظومة تربوية ثورية تسعى إلى بناء جيل جديد يرفض القهر والاستلاب أياً كان مصدره، سواء أكان هذا المصدر مدرسة أو جامعة أو حزباً سياسياً أو مسجداً أو كنيسة، أو حاكماً مستبداً.. علينا جميعا إعادة النظر في تربية أطفالنا من جديد، وتكوينهم تكويناً ثورياً لكي يستطيعوا مواجهة الحيوانات المفترسة التي تعيش معنا على الجغرافيا السورية.. تربية تُعزز ثقافة الثورة في فضاءات المجتمع السوري كافة، تلك الثقافة التي يجب أن تستند إلى منظومة قيمية تحتل فيها قيم الحرية والعدالة والكرامة وحقوق الإنسان موقعاً متقدماً.. تربية الغضب التي نريدها أيها السوريون هي تربية ترفض الانتقام والثأر.. تربية تحارب الكراهية والعنصرية بأشكالها كافة.. تربية الغضب هي تربية تحث الإنسان للدفاع عن كرامته عندما تُمتهن، وتدفعه إلى الثورة عندما تُنتهك حقوقه وحرياته الأساسية.. تربية تفضح كل الديكتاتوريات الصغيرة منها والكبيرة.. تربية تؤسس لمفاهيم الوحدة الوطنية، وتأخذ على عاتقها مواجهة كل المشاريع الطائفية المقيتة التي تسعى إليها جمهورية العمائم القذرة ربيبة الجهل والتعصب مع أنظمة الفساد في كل من سوريا والعراق واليمن، وأبواقهم الأسافل في جنوب لبنان.



