مقالات

مرجعية القرآن من النصّ الحاكم إلى الميزان المُحرِّر.. الجزء (1)

د. حسين ديب/ لبنان

خاص “المدارنت”

نحو فهمٍ قيميّ للحكم والتشريع والتطبيق الاجتماعي

تقديم
لم تكن أزمة المرجعية في الوعي الإسلامي الحديث أزمة نقصٍ في النص، ولا غيابٍ للتشريع، بل كانت – في جوهرها – أزمة فهم لوظيفة القرآن ذاتها. قد جرى التعامل مع القرآن، عبر قرون طويلة، إمّا بوصفه مُدوّنةً قانونيةً مغلقة تُنزَّل حرفيًا، أو نصًا رمزيًا يُستدعى لتبرير سلطاتٍ واصطفافاتٍ وقراءاتٍ جاهزة. وفي الحالتين، غاب السؤال الأهم: كيف أراد القرآن أن يكون مرجعًا؟ لا: ما الذي قاله فقط؟ وهو سؤال منهجي يسبق الخلاف الفقهي، ويتقدّم على الجدل السياسي، ويمسّ وظيفة النص قبل مضمون الأحكام.
لقد بيّنت النقاشات السابقة أن القرآن لم يقدّم نفسه يومًا بوصفه دولةً، ولا نظامَ حكمٍ، ولا لائحةً إجرائية تفصيلية، بل قدّم نفسه ميزانًا قيميًا يُحتكم إليه عند الاختلاف، ويُقاس به العدل والظلم، ويُوزن به السلوك الإنساني فرديًا وجماعيًا. فالحكم في القرآن ليس سلطة سياسية، بل حكمًا أخلاقيًا، والتشريع ليس فرضًا قسريًا، بل توجيهًا ضابطًا يمنع الإضرار ويحفظ الكرامة.
ومن خلال تفكيك قضايا شديدة الحساسية – مثل الدولة، والقانون، والزواج، والميراث، وتعدد الزوجات – تبيّن أن الخلل لم يكن في النص القرآني، بل في نقله من مقام المرجعية إلى مقام الوصاية، ومن كونه ميزانًا يُحتكم إليه إلى كونه سلطة تُفرض باسم الله. فاختُزلت المرجعية في أحكام مجتزأة، وفُصلت الآيات عن سياقها، وحُمِّلت النصوص ما لا تحتمله، حتى صارت القيم القرآنية نفسها تُستعمل أحيانًا لتبرير نقيضها.
إن هذا الفصل لا يسعى إلى نفي المرجعية القرآنية، بل إلى إعادتها إلى معناها الأصلي: مرجعية تُحرِّر الإنسان من الظلم، لا تُخضعه لتأويلٍ مغلق؛ مرجعية تُقوِّم الفعل الإنساني بآثاره، لا بانتماءاته؛ مرجعية تخاطب الناس لا الطوائف، وتحتكم إلى العدل لا إلى الهوية. ومن هنا، فإن السؤال المركزي الذي سيقود هذا الفصل ليس: هل القرآن مرجع؟ بل: ما طبيعة هذه المرجعية؟ وما حدودها التطبيقية؟ وكيف تُفعَّل دون أن تتحول إلى أداة قهر أو استبداد؟
بهذا المعنى، يصبح القرآن مرجعًا صالحًا لكل زمان ومكان، لا لأنه يقدّم إجابات جاهزة لكل التفاصيل، بل لأنه يضع ميزانًا أخلاقيًا ثابتًا يُحتكم إليه كلما تغيّرت التفاصيل. وهذه هي المرجعية التي لا تتصادم مع العقل، ولا مع التعدّد، ولا مع الدولة المدنية، بل تُقوِّمها جميعًا من الداخل.

تمهيد
تُعدّ مسألة المرجعية من أكثر القضايا التباسًا في الفكر الديني المعاصر، لا بسبب غموض النص القرآني، بل بسبب تراكم القراءات التي نقلت القرآن من موقع الميزان إلى موقع السلطة، ومن كونه مرجعًا يُحتكم إليه إلى كونه أداة يُحتكم بها على الناس. وقد نتج عن هذا التحوّل خلطٌ عميق بين ما هو إلهي من حيث المنطلق، وما هو بشري من حيث الفهم والتطبيق، حتى غدا الاعتراض على بعض الممارسات المنسوبة إلى الدين اعتراضًا على القرآن نفسه، لا على تأويله أو توظيفه.
لقد أظهر النقاش السابق أن كثيرًا من الصراعات التي نُسبت إلى “الخلاف الديني” لم تكن في حقيقتها خلافًا على المبادئ الكبرى التي تحفظ حياة الإنسان، كالعدل والحق والكرامة، بل كانت خلافاتٍ حول قضايا رمزية أو تاريخية أو لاهوتية، لا يترتّب عليها أثر مباشر في الواقع الإنساني. وفي هذا السياق، برز سؤال المرجعية بوصفه السؤال الفاصل: هل القرآن مرجع تشريعي مغلق يُنزَّل حرفيًا، أم ميزان قيمي يُحتكم إليه عند الاختلاف؟
إن هذا الفصل ينطلق من فرضية منهجية مفادها أن القرآن قد حدّد بوضوح منطلق الحكم والتشريع، لكنه لم يصادر دور العقل الإنساني في التطبيق والتنزيل. فهو لم يأتِ ليقيم دولة باسم السماء، ولا ليقدّم منظومة قانونية تفصيلية تتجاوز الزمان والمكان، بل ليضع المبادئ العليا التي يقوم عليها الحكم العادل، ويترك للإنسان مسؤولية تفعيلها في الواقع المتغيّر. ومن هنا، فإن الإشكال لا يكمن في القول بمرجعية القرآن، بل في كيفية فهم هذه المرجعية وحدودها ووظيفتها.
وعليه، لا يسعى هذا الفصل إلى مناقشة مشروعية المرجعية القرآنية من حيث الإيمان بها، بل إلى تفكيك مفهومها تطبيقيًا: كيف يكون القرآن مرجعًا دون أن يتحوّل إلى وصاية؟ وكيف يُحتكم إليه في الحكم والتشريع دون أن يُلغى التعدّد الإنساني أو يُصادر الاجتهاد؟ وما الفرق بين الاحتكام إلى القرآن بوصفه ميزانًا، وادّعاء تمثيله بوصفه سلطة؟
بهذا المعنى، يمهّد هذا الفصل للانتقال من الجدل حول “من يحكم باسم القرآن” إلى السؤال الأعمق: كيف يُقوِّم القرآن الحكم نفسه؟ ومن هنا يبدأ البحث في المرجعية القرآنية لا بوصفها شعارًا دينيًا، بل بوصفها إطارًا أخلاقيًا كونيًا يُنقذ الدين من التسييس، ويُنقذ السياسة من القداسة.

القرآن مرجع الحكم والتشريع: التأسيس النصّي
يُقرّر القرآن، بنصوصٍ محكمة ومتكرّرة، أنّ الحكم والتشريع، من حيث المنطلق والمرجعية، حقٌّ إلهيٌّ خالص، لا يُنازع فيه بشر ولا جماعة، ولا يُفَوَّض إلى أهواء تاريخية أو سلطات مذهبية. وهذا التقرير لا يُقدَّم بوصفه موقفًا إيمانيًا مجرّدًا، بل باعتباره بنيةً نصيّةً صريحة تؤسّس لمنطق الاحتكام ذاته. يقول تعالى:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (يوسف: 40)، ويؤكّد هذا المعنى بصيغة السؤال الاستنكاري الذي ينفي كل بديل:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ (الأنعام: 114).
ولا يُفهم الحكم هنا بوصفه سلطةً سياسية أو جهازًا إداريًا، بل بوصفه مرجعيةً معياريةً عليا يُحتكم إليها في تمييز العدل من الظلم، والحق من الباطل. وقد حسم القرآن مصدر هذه المرجعية حين وصف نفسه بأنّه الكتاب المفصَّل؛ أي الكتاب الكافي في بيان الأصول الكلّية التي يقوم عليها الحكم الرشيد، دون حاجة إلى مرجع تشريعي موازٍ أو لاحق. ومن هذا المنطلق جاء الأمر القرآني العام بصيغة قاطعة: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (الأعراف: 3)، حيث لا يُترك مجالٌ لاستدعاء مرجعية أخرى في مقام التشريع والاحتكام.
ولم يكن هذا الخطاب موجَّهًا إلى عموم الناس فحسب، بل شمل النبي نفسه بوصفه مبلِّغًا لا مشرِّعًا مستقلًا. فالرسول مأمور باتّباع الوحي لا بتجاوزه، وبالاحتكام إلى ما أُنزل لا إلى ما يُستحسن أو يُتعارف عليه. يقول تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (الأنعام: 106)، ويقول في سياق الحكم بين الناس: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة: 49).
ويُفهم من ذلك بوضوح أنّ وظيفة النبي، ومن بعده أي سلطة بشرية، ليست إنشاء المرجعية، بل الاحتكام إليها.
يُعزّز القرآن هذا المعنى حين يربط الحقّ ذاته بالفعل الإلهي المباشر، لا بالتاريخ ولا بالموروث، فيقول:
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (الجاثية: 6). فالحقّ هنا ليس نتيجةً لاحقة لتراكم التأويلات أو صراع المرجعيات، بل ما يُتلى ابتداءً بوصفه أساسًا نهائيًا للاحتكام. ومن هذا المنطلق، لا يكتفي النصّ بتقرير صدقيّة الآيات، بل ينفي صراحةً أي مشروعية لمرجعٍ تشريعيٍّ لاحق، حين يجعل الإيمان والاحتكام بعد الله وآياته بلا معنى نصّي ولا مبرّر.
ويذهب القرآن أبعد من مجرد تقرير المرجعية، فيفكّك آلية التحليل والتحريم حين تُمارَس خارج الإذن الإلهي، فيسأل سؤالًا كاشفًا لا عن مضمون الحكم بل عن مصدره: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَلَالًا وَحَرَامًا ۚ قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: 59). ثم يُسمّي هذا المسلك باسمه الصريح، حين ينهى عن تحويل القول البشري إلى حكم إلهي: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (النحل: 116). وبذلك لا يكتفي القرآن بإعلان مرجعيته، بل ينزع الشرعية عن كل تشريع يُنشأ خارج نصّه، ويجعل التحليل والتحريم بغير إذن إلهي فعلَ افتراء، لا اجتهادًا مشروعًا.
ومن هذا المنطلق، يقطع القرآن الطريق على كل ادّعاء بأن المرجعية تحتاج إلى اكتمال خارجي أو سند موازٍ، حين يقول: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ (العنكبوت: 51). فالاستفهام هنا لا يتعلّق بالكفاية المعرفية فحسب، بل بـ الكفاية المرجعية ذاتها.
وانطلاقًا من هذا التأسيس، ينفي القرآن صراحةً أي مشروعية لتشريعٍ دينيٍّ لم يأذن به الله، ويعتبر ذلك ضربًا من الشراكة في الحكم، لا مجرّد اختلافٍ في الفهم أو الاجتهاد. يقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: 21). وهو نفيٌ قاطع لا يميّز بين شريكٍ سياسي أو ديني، ما دام الفعل هو إنشاء تشريع في مقام الإذن الإلهي.
وعليه، فإن القول بأن القرآن هو المرجع الصالح والوحيد، من حيث المنطلق الإلهي، لمبادئ الحكم والتشريع لا يعني أنّه يقدّم منظومة قوانين تفصيلية مغلقة، أو مدوّنة قانونية جاهزة للتنزيل الحرفي، بل يعني أنّه يضع الميزان القيمي الأعلى الذي تُقاس به جميع القوانين والسياسات والتشريعات البشرية. أمّا الإنسان، فردًا وجماعةً ودولةً، فدوره لا يتمثّل في إنشاء الحكم من فراغ، ولا في ادّعاء تمثيل الإرادة الإلهية، بل في تنزيل هذه المبادئ في الواقع المتغيّر بما يحقّق العدل، ويمنع الظلم، ويحفظ كرامة الإنسان.
وبهذا المعنى، تكون مرجعية القرآن مرجعية تقويمٍ وتحرير، لا مرجعية وصايةٍ وإكراه؛ مرجعية تُحاسِب الفعل بآثاره، لا الأشخاص بانتماءاتهم؛ وتضع حدًّا فاصلًا بين ما هو إلهيٌّ في المبدأ، وما هو بشريٌّ في الفهم والتطبيق…

(يتبع)
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى