عربي ودولي

مـشــاهـــدات مــن بـارّانـكـــــيا/ كــولــومـبـيــــــا.. (2)*

تحقيق وحوار عبد الناصر طه/ كولومبيا

خاص “المدارنت”..
بين العرب ومدينة بارانكيا، حكايات حبّ قديمة متجددة، حضنتهم يوم جاؤوها مهجّرين من بلادهم، كما تحتضن الأمّ أبناءها، يوم ودعوا أهلهم وأحبتهم وقصدوا مرفأها (بويرتو كولومبيا) محملين على ظهر سفن، مخرت عباب المحيط الأطلسي، فكانت لهم أملا حين انقطعت بهم السبل.
موعدنا معها يتجدد بين حين وآخر، منذ جائحة كورونا إلى اليوم، تبدلت اشكال الحياة على البسيطة، فما الذي تبدل فيها؟
ها هي اليوم تعطينا فرصة جديدة في رحاب شهر رمضان المبارك، في لقاءات وأحاديث وسهرات، عامة وخاصة، مع أعلام مميزين كان لهم الأثر في حياة الجالية العربية المسلمة، وهي الحلقة الثانية من سلسلة مشاهدات التي بدأناها من مدينة فالنسيا- فنزويلا.

السيد شادي طوبر

كان اللقاء الأول مع رئيس “الجمعية الخيرية الإسلامية” في المدينة، السيد شادي الطوير، أحد مغتربي البقاع الذي نذر نفسه لخدمة أبناء الجالية المسلمة منذ وطئت قدماه مدينة بارانكيا، مكافحا حتى حصل على الترخيص القانوني للجمعية الخيرية الإسلامية التي كان لها فضل بناء مسجد المدينة. وذلك في لقاء مفصّل تناول فيه شؤون المغتربين وشجونهم.
حدثنا رئيس الجمعية، عن قدوم المهاجرين اللبنانيين من “مايكاو”، بعد تفاقم أزمتها الاقتصادية وعن صعوبات البدايات، بقوله: كانت البداية في اجتماع اول عشرة أشخاص للصلاة في مستودع يخص أحد مغتربي بلدة بعلول البقاعية، ثم إقامة أول صلاة جمعة، وإقامة صلوات العشاء جماعة؛ حتى عام 2005 م. حين اتخذنا قرارا باستئجار بيت نتخذه مصلى، وكنا آنذاك نتبع رسميا للجمعية الخيرية الإسلامية في مدينة مايكاو، إلى أن حصلت جمعيتنا على ترخيص رسمي في شهر أكتوبر 2021 م، وكنا قد اشترينا هذا البيت عام 2009 م. وحوّلناه إلى مسجد، يومها كان المرحوم الحاج خالد دباجة رئيسًا للجمعية.
وكانت جمعية مايكاو تمدنا بالأئمة والمشايخ في بدايتنا ثم قامت وزارة الأوقاف المصرية بذلك، ترسل إماما لمدة ثلاث سنوات، وترسل قارئا للقرآن كل شهر رمضان من كل عام.
وعن أحوال المسلمين وانتماءاتهم، أضاف السيد شادي: معظم الجالية من أبناء الهجرة الرابعة أمثالي، ومن بلدات كامد اللوز والقرعون وبعلول ولالا وجب جنين، علما أنّ أقدم المهاجرين المسلمين إلى بارانكيا من أبناء البقاع الغربي كانوا من آل شرانق وآل الدسوقي.
أما عن الحضور الشيعي في المدينة، فقال: قلائل هم الأخوة الشيعة وهم يشاركوننا في كل المناسبات الدينية، ويشارك بعض الشباب منهم في مسجدنا خلال شهر رمضان المبارك تأدية فرائض الصلاة؛ ونحن كجالية مسلمة لا نتعاطى السياسة أبدا، لا محلية ولا اقليمية ولا عربية، وعملنا ينحصر في الدعوة إلى الإسلام الوسطي السمح، دين السلام والرحمة؛ ومعظمنا يتعاطى التجارة، بينما دخل أبناؤنا في مجالات العلوم المعاصرة وصار منهم الأطباء والمحامون والمهندسون.
أما عن علاقة الجمعية بالسلك الديبلوماسي العربي والإسلامي، فتوجه بالشكر إلى سفارتيّ الإمارات العربية المتحدة وتركيا على اهتمامهما بالمسلمين في كولومبيا، وعلى حسن تعاملهما مع الجمعية الخيرية الإسلامية في بارانكيا؛ ثم وافر الشكر إلى وزارة الاوقاف المصرية على ابتعاث الأئمة والقراء الى مسجدنا، مسجد عثمان بن عفان.
وبعد ذلك شكى السيد شادي الطوير من الإهمال المتعمد لأبناء الجالية من قبل السفارة اللبنانية في كولومبيا، وعدم التواصل مع جمعية رسمية مرخصة موكلة باجراءات توثيق شهادات زواج وطلاق ووفاة وما شابه، علما ان ذلك العمل يساعد السفارة في توثيق اوراق المغتربين اللبنانيين. وما يزيد الطين بلة، هو تعامل القنصل الفخري اللبناني في بارانكيا، السيد “إدمون فارس”، الذي يتعاطى مع اهلنا وأبنائنا كالغرباء ويتعالى عليهم بفوقية مشينة؛ ومن الواجب ان تهتم وزارة الخارجية اللبنانية في هذا الموضوع، ولا تتركه لمزاجية شخصية.

الشيخ د. وليد كامل الفقي

في باحة المسجد، التقينا بالشيخين الجليلين، الشيخ الدكتور وليد كامل الفقي، مبتعث وزارة الاوقاف المصرية منذ فبراير 2020 م، وتمت الموافقة على تجديد عقده لمدة شهر إضافي ليكمل شهر رمضان المبارك مع أبناء الجالية؛ وفضيلة الشيخ أحمد عبد الحليم محمود بدران، المبتعث الأزهري الجديد لمدة ثلاث سنوات تنتهي في فبراير 2026 م.
حيث أجاب الشيخ وليد على أسئلتنا، وأطلعنا على توصيات الأزهر في ضرورة الدعوة إلى الإسلام الوسطي المعتدل، والابتعاد عن الشطط والتطرف والمغالاة التي تتناقض مع فطرة الإسلام؛ وأضاف ان وزارة الأوقاف المصرية تنفق على الشيوخ المبتعثين إلى كافة أنحاء العالم، دون أي تكليف للجاليات المسلمة.

الشيخ أحمد عبد الحليم محمود بدران

ثم أعرب الشيخ عن شكواه من تصرفات بعض أبناء الجالية من ذوي المواقف المتشددة التي تكفّر بعض الحكومات العربية، وعلى ذلك يبنون مواقفا من إمام المسجد، فلا يصلّون وراءه بذريعة انه يقبض راتبه من حكومة خارجة عن دين الإسلام!
ومع ذلك، فأؤلئك يمثلون أنفسهم ولا يستطيعون تأثيرا على نهج الجمعية الإسلامية او على الخط المعتدل الذي يمثله أئمة المساجد.
أما عن صعوبة تأقلم الشيوخ والدعاة مع مجتمع لا يتكلمون لغة أهله، فلا مشكلة في ظل حضور الشيخ “عيسى غارسيا” الأرجنتيني الأصل، الحائز على شهادة دراسات عليا من جامعات المملكة العربية السعودية، ويتقن اللغتين العربية والإسبانية، ويعتبر حلقة وصل بين الإمام والكولومبيين معتنقي الإسلام.

الداعية الإسلامي الشيخ عيسى غاريسيا

كان التنويه بدور الشيخ الداعية “عيسى غارسيا” دافعا لنا للقائه، وكانت أسئلتنا محددة وأجوبته كذلك، عن الدعوة الإسلامية في كولومبيا، بوصفه أحد اهم الدعاة الناشطين في اميركا اللاتينية وفي إسبانيا وعن أحوال المسلمين وما يلاقون من صعوبات، وما ينتظرون من مشاريع طموحة.
فقال: أنا هنا منذ 14 سنة، والمجتمع الإسلامي ينمو بوتيرة تصاعدية، لأن أبواب الدعوة مشرعة لجميع المواطنين، من خلال نشاطات ومؤتمرات واجتماعات متنوعة، هدفنا منها هو توضيح الصورة الحقيقية للإسلام دون تشويه وشوائب يحاول بعض الإعلام لصقها به؛ ونحن في جهوزية واستعداد لاستقبال واستيعاب المسلمين الداخلين حديثا في الإسلام.
أما عن عدد المسلمين في كولومبيا فقال: عددهم يتجاوز سبعين ألفاً، أكثرهم في مدينة مايكاو على الحدود مع فنزويلا،ومنهم جزء في العاصمة بوغوتا، وفي بعض المدن الداخلية مثل كالي ومديين وبوكارامنغا.
أما في الساحل الكولومبي، يوجد أكثر من الف شخص مسلم، فيهم حوالي ثلاثمائة مسلم من أبناء كولومبيا ممن اعتنقوا الإسلام حديثا؛ والمسلمون عامة هم من أبناء جيل المهاجرين الثالث، أما الهجرة القديمة فلم يعد لها أثر.
وعن أحوال المسلمين قال: إننا في حوار دائم مع كل المذاهب والطوائف، نبتغي تقريب وجهات النظر بعيدا عن المناكفات السياسية ومتاهاتها؛ ونحن نشارك في طاولة حوار الأديان التي انشأتها الدولة الكولومبية وهي تضم ممثلين لكل الاديان ، وممثلنا أمام الحكومة هو الشيخ “عامر نبيل” إمام مدينة (كالي). وأضاف: نحن بحاجة إلى مراكز اسلامية تحتوي على مدارس ونوادٍ ومساجد لتقرب الاجيال الجديدة من العادات والتقاليد الإسلامية بعيدا عن تأثيرات الإعلام.

مسجد عثمان بن عفان

في رحاب مسجد عثمان بن عفان، التقينا بالحاج محمد طربين من بلدة لالا في البقاع الغربي، أبرز رواد العمل الإسلامي في منطقتي الساحل الكولومبي ومايكاو، والشاعر المعروف في اوساط الجالية العربية؛ وقد اختصر لنا تجربته الغنية في تأسيس الهيئات الاسلامية والمشاركة في إدارتها، وكانت اجاباته شاملة لكل ما كنا نبغي معرفته، على الشكل التالي:
مع بداية القرن الحالي، تعطلت الحركة التجارية في مدينة مايكاو الحدودية، ما دفع معظم المغتربين إلى الرحيل عنها، فمنهم كثيرون من غادروا إلى فنزويلا، وآخرون قدموا إلى مدينة بارانكيا عام 2004 م، وكنت واحدا منهم؛ بعد مرحلة بنينا فيها مسجدا ومدرستين في مايكاو التي كانت وما تزال تضم أكبر تجمع إسلامي في دولة كولومبيا، وكنت أمين سر الجمعية الخيرية الإسلامية فيها.
مع وصولنا إلى بارانكيا، كان الاخوة يقيمون الصلوات في محلاتهم التجارية، وبدأنا بإقامة صلاة الجمعة في مكتب فوق محل الأخ حسان مناع من مغتربي بلدة بعلول، ثم بدأ توافد الاخوة للصلاة مع قدوم شهر رمضان المبارك، ما دفعني إلى تحفيز الأخوة إلى ضرورة شراء بيت نتخذه مسجدا، وذلك ما تيسر لنا بعد اربع سنوات بعد حملة تبرعات قمنا بها في بنما وفنزويلا وكولومبيا، وها هو مسجد عثمان بن عفان الذي نصلي فيه اليوم ثمرة جهود أبنائنا المغتربين.
وكم كنت أقوم بدور إمام المسجد أثناء غياب الشيخ المكلف بذلك، وكان سهلا عليّ توزيع وقتي بين لبنان وكولومبيا آنذاك، نصف هنا ونصف هناك، ولكن السلطات اللبنانية سرقت منا مجهود عمرنا ومدخراتنا، ما اضطرنا للعودة إلى كولومبيا من جديد.
ما ساعدنا على نجاحنا هنا، تواصلنا مع وزارة الأوقاف المصرية التي ارسلت لنا حتى الآن ستة من الدعاة خلال خمسة عشر عاما، ثم مجيء الأخ الشيخ عيسى غارسيا الذي شكل دافعا قويا لاعتناق الكثيرين من الاخوة الكولومبيين الإسلام. أما عن الرؤية المستقبلية فلا يمكن لأحد تصورها بدقة.

الحاج محمد طربين

أما عن الشعر وتذوقه ونظمه، وحكايته معه بعد أن كان مغرما بالزجل لفترة محدودة، ليكتشف نفسه في الشعر العربي الفصيح، عازفاً ألحانه على أوتار الخليل بن أحمد الفراهيدي. فيقول:
“بدأت احفظ الشعر الفصيح فذقت العشق القاتل،وأعجب من ذلك كله أني عرفت لغتي في بلد لا يتكلمها، وعرفت ديني في بلد لا يدين به، وحفظت شعر العرب عند العجم؛ أليس ذلك عجيبا”. والزجل ليس كالشعر فهذا كبئر الجمع، وذاك كبئر جوفية لا تكدرها الدلاء، كما قال حسان بن ثابت:
لساني صارم لا عيب فيهِ        وبحري لا تكدره الدلاءُ
بدأت تجربتي في إصدار مؤلفاتي الشعرية عبر ديوان “سبيل”، ثم تلاه ديوان “طرابين” الذي صدره د. محمد توفيق أبو علي، مشكورا، ثم نشرت ديوان “بين الطين والنار”، وبعده “دوحة في الصحراء” من الدار العربية للعلوم. ثم توالت أعمالي الشعرية “ديوان جليلة ويمنى” على لسان الحيوان، ثم “ديوان الأحبة” الذي يضمّ قصيدة مديح نبوي وسيراً لمائة صحابي، كما أصدرت معه ديوان مديح نبوي بعنوان “رؤوس الطرابين في مدح الأمين”.
وختم الحاج محمد طربين بقوله: “لن نرتقي حتى يرقى بنا الشعر، ولن يرقى بنا الشعر حتى ترتقي بنا اللغة، ولن ترتقي اللغة حتى يكون الانتماء. والشعر وسيلة راقية لتبليغ رسالة باقية”.
الحاج محمد طربين حالة فريدة في عالم الأدب والشعر في دولة كولومبيا وفي عموم دول اميركا اللاتينية، حالة من العطاء الشعري في زخم يذكر القارىء بالشعر العربي القديم في متانته على مستوى اللفظ والمعنى؛ وهو حالة زاخرة بالعطاء الديني والاجتماعي.
أبناء الجنوب
أنّى اتجهت في دول أميركا اللاتينية، تجد جنوب لبنان، يجاور بقاعه، كما هو الحال في لبنان؛ وهنا التقينا بالشاب حسين الرضا، ابن بلدة يارون الجنوبية، ليحدثنا عن تجربة أبناء الجنوب اللبناني في مدينة بارانكيا، فقال: انا من أبناء جيل الهجرة الثالثة، غادر المرحوم الوالد (أبو زاهر) في بداية الحرب الأهلية إلى أميركا ومنها إلى مايكاو، تلك المدينة الجميلة التي ولدت فيها عام 1985 م. وغادرتها رغما عني بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربتها، واستقبلني في بارانكيا اصحاب جنوبيون من بلدة عيناثا، أمثالنا من مغتربي مايكاو؛ وما لبثت أن تزايدت أعداد القادمين، ومعظمهم جاء من فنزويلا المجاورة، وهؤلاء لم يستطيعوا التكيف هنا، فعادوا أدراجهم.
عدد الجنوبيين في بارانكيا حوالي 35 شخصا، نجتمع في مناسباتنا الدينية في أحد المنازل؛ وعملنا ينحصر في التجارة العامة والاستيراد من الصين ومن بنما؛ ولعلّ أوائل مغتربي الجنوب اللبناني إلى بارانكيا،في خمسينات القرن الماضي، كانوا ثلاثة اشخاص، اثنان من آل صعب وثالث من آل غشّام،

الشاب حسين الرضا

أما عن النشاطات الإسلامية في شهر رمضان المبارك، فقال: “يتميز الشهر الفضيل عادة بالأجواء العائلية والافطارات المشتركة والسهرات، ومن ايجابياته الكبيرة تأدية صلوات العشاء والتراويح في مسجد عثمان بن عفان”.
وعن الوضع التجاري اخبرنا السيد حسين الرضا أن مستقبل الجالية مرتبط بالاقتصاد، ذلك أن التأثير السلبي ينعكس على الجميع. وإذا توفر البديل سترى معظم المغتربين هنا يغادرون إلى الوجهة الأفضل.
نحن عانينا من مضايقات منذ أواخر القرن الماضي، منذ اعلان لائحة كلينتون واتهام افراد من الجالية من منطقتي الجنوب والبقاع في قضايا مخدرات وغسيل أموال وتجارة أسلحة وارهاب وما شابه، والزج بأسماء نعرفها وأخرى لا نعرفها ولا علاقة لأصحابها بالاتهامات المذكورة، ما دفع الكثيرين إلى الرحيل من مايكاو باتجاه لبنان او فنزويلا؛ وما حصل مؤخرا من وضع اليد على محلات tierra santa، سوى استهداف مبرمج للشخصيات العربية المسلمة الناجحة.
بالرغم من ذلك، فإن وضعنا في بارانكيا فهو مختلف عما كان في مايكاو من ضغوطات ومضايقات واتهامات، ولا بد لنا أن نعبّر عن امتناننا للشعب الكولومبي، لأنه شعب طيب ومسالم ويحترم الديانة الإسلامية وشعائرها، ويقبل كثيرون من اهل هذا البلد على اعتناق الدين الإسلامي دون عقبات تذكر، وذلك ما يدعونا للطمأنينة، فلا تمييز ديني على الإطلاق.
تلك حصيلة مشاهدات في شهر رمضان المبارك، من مدينة بارانكيا الساحلية، على أمل العودة اليها للكتابة عن الجالية العربية عموما.
* نشر بالتزامن مع موقع “الشراع”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى