معجزة الثورة السورية بعد تسع سنوات.. الضحية أقوى من قاتليها.. “3/2”

خاص “المدارنت”..
… ثالثا – أوروبا/ اتسم موقف المفوضية الاوروبية من الازمة السورية منذ البداية بالسلبية بسبب انقسام الدول الاعضاء. وحتى مواقف الدول الرئيسية كفرنسا وبريطانيا, وايطاليا, والمانيا, تباينت وظلت غير فعالة، رغم أنها اعلنت مواقف مؤيدة للمعارضة, ورافضة للنظام وجرائمه، ولكن لم تتطور الى سياسة فعالة، وظلت تسير خلف الولايات المتحدة لتعفي نفسها من المسؤولية، وتتحمل مخاطر المبادرة.
وعلى مستوى آخر حافظت على علاقاتها مع نظام الاسد ، وخاصة المانيا والسويد وايطاليا. ولم تمر هذه السياسة الجبانة بسهولة، بل دفعت أوروبا ثمنا فادحا امنيا واقتصاديا وبشريا ، تمثل بعمليات ارهابية، وذهاب الاف الاوروبيين للقتال مع داعش والقاعدة في سورية والعراق. وشكل هؤلاء في حال عودتهم تهديدا حقيقيا لدولهم. كما أن اوروبا تعرضت لموجات نزوح كثيفة للاجئين السوريين, سببت لها أزمات متعددة امنية وبشرية واقتصادية فاضطرت للتفاوض مع تركيا لغلق أبواب اللجوء امام السوريين مقابل مليارات الدولارات، وأدركت أوروبا متأخرة أنها خسرت الكثير، وارهقت جراء عدم تعاملها بالشكل المطلوب مع ازمة لا تبعد كثيرا عن حدودها واراضيها.
والأهم من ذلك، أن أوروبا انكشف هزالها كقوة عالمية، يمكن اختراقها وضربها في العمق بدون أن يكون لها قدرة على التاثير، وسياسة دفاعية استراتيجية مستقلة في مواجهة الارهاب ، وقد سببت السياسات المتناقضة لدولها تباينات حادة في المواقف هددت وحدة المشروع الاوروبي، وساعدت الرأي العام البريطاني على تأييد الخروج من الاتحاد, وشجعت شعوبا واحزابا اخرى لتأييد الانسحاب أيضا، وقد يتحول ذلك حقيقة واقعة في المستقبل القريب، أي أن نتائج السياسة الهشة والضعيفة حيال الأزمة السورية ما زالت تفعل فعلها في اساسات الاتحاد الأوروبي. وهو ثمن فادح لموقف خاطىء بدا في حينها موقفا مناسبا!
رابعا – الولايات المتحدة اتبعت ادارة (الرئيس الاميركي السابق باراك) اوباما السابقة، سياسة عائمة وغائمة في سوريا. ففي البداية أوحت سياستها للمراقبين بأنها تدرك أهمية الأزمة السورية، وتتخذ مواقف مسؤولة تجاه ما يقترفه نظام الاسد من جرائم بحق شعبه، وعززت تصريحات أوباما هذا، الايحاء بحديثه عن فقدان الاسد لشرعيته ومطالبته بالتنحي, وتكليف سفيره روبرت فورد بالعمل مع المعارضة، واخيرا وضعه استعمال الاسلحة الكيماوية خطا أحمر على الأسد ألا يتجاوزه. واستمرت هذه السياسة حتى مجزرة الكيماوي في الغوطة اغسطس 2013، وتردد اوباما عن محاسبة الجزار السوري، فظهر عجز الادارة وترددها، وأعطى رسالة سلبية له ليواصل جرائمه بلا حساب، بمساعدة حلفائه الايرانيين والروس.
تعززت هذه السياسة الخرقاء، مع تغيير اوباما لثلاثة من اركان ادارته، الذين كانوا يؤيدون التدخل ومحاسبة الاسد, وزيرا الخارجية والدفاع ومدير المخابرات الاميركية, ما فضح نوايا اوباما، التي ركزت على استمالة نظام طهران، لابرام صفقة البرنامج النووي، مقابل التسليم لها بما حققته من مصالح في العراق وسورية ولبنان واليمن.
مع الوقت، تخلت واشنطن عن دورها ومسؤولياتها في المنطقة لروسيا، فاجتاحتها هذه عسكريا، وتضعضعت هيبة اميركا في الشرق الاوسط, وسمحت لروسيا بالبروز كقوة عالمية، قادرة على اتخاذ مبادرات سريعة لسد الفراغ، وحماية الحلفاء، وردع الخصوم، فأكسبها نقاطا كثيرة في العالم لا في المنطقة وحسب، على حساب الشعب السوري.
ومن المؤكد أن اميركا خسرت الكثير جراء سياستها العاجزة في سوريا, بما في ذلك تعريض أمنها لخطر الارهاب مثلها كمثل أوروبا.
لقد بنت ادارة اوباما سياستها على الاعتقاد أنه في حال أزمة معقدة كالازمة السورية يكفي تجنب التورط فيها لاتقاء عقابيلها السلبية, نتيجة عدم وجود مصالح اقتصادية في هذا البلد الذي يدور في فلك روسيا، ولكن مع الوقت تبين أن عدم التدخل سيخلف نتائج بالغة الخطورة على أمن أمريكا، ومصالحها، وهيبتها في العالم، ومصالح وأمن الدول الحليفة في الخليج وتركيا وأوروبا . وكل هذه الدول عانت من آثار اللامبالاة الاميركية واتخاذها سياسة (إدارة الازمة) بدل معالجتها بجدية. ويكفينا اخيرا الاستشهاد بتقييمات الرئيس الحالي ترامب لسياسة سلفه في الشرق الاوسط عموما, وخاصة في سوريا، لنرى حجم الاضرار التي الحقها أوباما ببلاده نتيجة تخاذله وضعفه وسوء مواقفه من الأزمة السورية ومن جرائم الاسد وايران. ونحن نضم صوتنا الى ترامب في قوله إن سياسة اوباما كانت الأسوأ, وقد أضعفت مكانة اميركا في الشرق الاوسط، وأضرت بعلاقاتها مع حلفائها العرب, وسهلت لايران توسيع نفوذها في اربع دول عربية, وأحدثت تصدعات جيوبوليتيكية في الشرق الاوسط, دفع العالم كله الثمن جراء اختيارات اوباما المنافقة والقصيرة النظر.
خامسا – العرب
رغم ما احتوته القضية السورية من جوانب انسانية مؤثرة, وأبعاد استراتيجية قومية تؤثر على العالم العربي فإن (العرب) لم يقفوا مع الشعب السوري الشقيق بالمستوى الذي تفترضه العلاقات والمصالح والأمن القومي. وينطبق هذا على الدول والشعوب معا, لأنها قسمت العرب وتياراتهم السياسية, ومكوناتهم الدينية والجهوية والعرقية, وتحمل الشعب السوري آثار فشل (ثورات الربيع العربي), وأصبح بعض الانظمة, وخاصة المصري، يعاقب الثورة السورية بتاثير عدائه للاخوان في بلده, وامتد الموقف الى رفض المظلومية السورية وتحميل مسؤوليتها للاسلاميين لتبرير حربه عليهم في كل مكان. ووصلت المواقف الى دعم الأسد الذي قتل شعبه وهجره ودمر بلاده. وأحدثت انقسامات وصراعات عربية – عربية.
في بداية الثورة، أيدت الجامعة العربية الشعب السوري ضدّ نظامه، متأثرة بمناخ (الربيع العربي)، وانتشار الثورات، فطرحت مبادرة وسطية في سوريا لوقف القمع واجراء اصلاحات مرضية للحراك الثوري ولا تهدد النظام, وارسلت مراقبين في اطارها, ولكن النظام أفشلها ففرضت عقوبات صارمة عليه وجمدت عضويته, وقدمت مساعدات عينية وسياسية للمعارضة. ومع تفاقم القمع واستعانة النظام بقوى خارجية معادية للعرب, وبخاصة ايران وجماعاتها تشكلت مجموعة (اصدقاء الشعب السوري) الدولية التي ضمت عشرات الدول على رأسها اميركا، اخذت بعض الدول العربية بتسليح فصائل المعارضة في اطار المجموعة, ولكنه ظل قاصرا لا يحقق الحسم, ولا يحمي من جرائم النظام وايران، فطالت المأساة, وتهيأت الفرصة لايران وجماعاتها للاستقواء اكثر في سوريا وعموم دول المنطقة.. بل وصلت الى فلسطين وغزة. واستباحت الامن العربي كما لم يحدث منذ تأسيس الجامعة العربية ونشوء اسرائيل .
إن الدول الدول العربية تدفع اليوم من امنها ومصالحها نتائج ترددها في سوريا, فالتهديد الارهابي الذي تمثله داعش والقاعدة امتد الى جنوب مصر وليبيا, وامتد النفوذ الايراني للبحر الاحمر وبلدان المغرب وافريقيا, ونشرت فيروسات المذهبية والصراعات الطائفية في كل مكان.
ولا يصعب على المحلل إدراك أن التخاذل العربي أمام الغزو الايراني في سورية هو الذي شجع الايرانيين والترك، بل والروس بالتوسع والغزو ايضا, ولا سيما في الخليج والبحر الاحمر, وأخيرا ليبيا وشرق المتوسط.
سادسا: الموقف التركي
اتسمت السياسة التركية تجاه الثورة السورية وملفاتها بالتقلب المستمر منذ بدايتها وحتى اليوم, ففي البداية عملت بجد على التوصل لحل وسط بين النظام والمعارضة, وتوسطت بين الاخوان المسلمين وبشار الأسد, ومع تفاقم الأزمة وتوغل ايران ورفض الاسد أي حل, انقلبت سياسة انقرا لصالح المعارضة, واطلقت خطابا عنيفا ضد الاسد, واضطرت لفتح حدودها أما تدفق اللاجئين ثم استضافت مؤسسات الثورة والمعارضة العسكرية والسياسية بكل اصنافها واطيافها, العسكرية والسياسية, وراهنت كما راهن العرب على تدخل اميركي حاسم لاسقاط الاسد ودعم مطالب الشعب السوري والمعارضة.
ولكن، مع خيبة الرهان السابق, وتورط ايران في مشروعها الطائفي وزيادة المعاناة الانسانية وحجم اللاجئين, ضاعفت تركيا دورها في دعم الفصائل الاسلامية الحليفة لها وخاصة الاخوان ثم القاعدة وداعش، وعملت بشكل منهجي لفرض وصايتها على المعارضة والحاقها بها وهو ما نجحت به نتيجة حاجة السوريين لحليف أو ظهير قوي وقريب من الحدود السورية, وليس هناك سوى تركيا يمكنها تلبية هذه الحاجات. إلا أن المشكلة بدأت بعد التدخل الروسي 2015, فقد تصادمت تركيا وروسيا فورا ثم تغلبت المصالح على المبادىء, ووجدت القيادة التركية من مصلحتها التعاون مع روسيا لتثبيت دورها في سوريا، وقطع الطريق على الفصائل الكردية من التحالف مع روسيا, فضلا عن تحالفها مع اميركا، اضافة لعلاقاتها الضمنية مع الاسد, فذهب اردوغان الى بوتين في 10 اغسطس 2016
وقدم له الولاء, وساعده على السيطرة على حلب, ثم ساعده على استعادة الغوطة, ودعمه في فرض مسار آستانا الذي افضى لتجريد الثورة السورية من سلاحها واخرجها من مدنها وجمعها في ادلب, وفرض خيار الحل الروسي في سوريا، بدلا من مسار جنيف الاممي, واستمر هذا التعاون حتى انتج ما يسمى اللجنة الدستورية. وعلى الارض عملت تركيا على تحويل كل الفصائل المعارضة المسلحة الى جنود ملحقين بالاستخبارات التركية يتقاضون مرتباتهم واسلحتهم منها ، مقابل أن يأتمروا بأوامرها. وهكذا انتهت عمليا الثورة السورية, وانتهى الجيش الحر, وافرغت مؤسسات المعارضة الوطنية المستقلة من محتواها الوطني. وعلى مسار مواز وثق الزعيم التركي اردوغان تحالفه غير المبدئي مع الايرانيين, لا على مستوى سوريا فقط، بل على مستوى المنطقة والوطن العربي, وتبادل الطرفان العمل على تفتيت الدول العربية وغزوها بين اليمن وليبيا وبين سوريا الى الخليج.
وتعاونت الدول الثلاث روسيا وايران وتركيا على حظر أي دور للعرب في مساعدة الشعب السوري أو حفظ حقوقه وهويته وارضه. ولم يكن صدفة أن تعتمد تركيا على تنظيم القاعدة في سوريا كحليف استراتيجي ثابت, وأن تسمح له بإدارة محافظة ادلب وحمايته من المجتمع الدولي الذي قرر منذ 2016 تصفيته أو حله, ولكن تركيا رفضت ذلك وحمته حتى اليوم بل ودعمته ليبتلع كل الفصائل الوطنية.
تركيا التي ضحت بسوريا وثورتها ومعارضتها وشعبها من اجل مصالحها القومية مع الروس والايرانيين, اكتشفت أخيرا سراب أوهامها, وفهمت أن حلف الضرورة مع الروس والايرانيين مجرد خدعة وأن الطرفين لن يسمحا لها بفرض سيطرتها الدائمة تحت عنوان المنطقة الآمنة في الشمال السوري. والأخطر أن هذه السياسة المتقلبة والمضطربة وغير الاخلاقية كشفت للعرب والمسلمين وللعالم زيف اجندة اردوغان وحزبه, وزيف خطاباته, وسعيه لفرض الوصاية قدر ما يمكنه على البلدان العربية, ومتاجرته باللاجئين السوريين مع الأوروبيين, قد بدأت ترتد على مكانة اردوغان وحزبه في الداخل التركي.
فأردوغان خسر الكثير من قاعدته, وتفكك حزبه, وخسر مكانة تركيا عند الاوروبيين والغرب, وعند العرب. بل إن جيشه الذي يعد من أفضل جيوش العالم تورط في معارك الداخل السوري, وقتل منه عشرات الجنود في ادلب, وهناك توقعات بأن تتحول المعركة بينه وبين أطراف استانة الى معركة عسكرية تمتد للداخل التركية, وهذه النتيجة في المحصلة الاخيرة هي جزاء التقلب والمتاجرة بالثورة السورية وخيانة العهود التي قطعها قادة تركيا للشعب السوري منذ 2012. لقد انهزمت تركيا عسكريا وافلست سياستها, وفقدت صديقتها مع الشعب السوري ومع العالم, وهذا جزء من لعنة الشعب السوري التي لاحقت كل من غدر بها أو تاجر بها.



