معجزة الثورة السورية بعد 9 سنوات.. الضحية أقوى من قاتليها!.. (3/1)

خاص “المدارنت”..
عبرت الثورة السورية عامها التاسع، من دون أن تلوح لها نهاية قريبة، بل تبدو مفتوحة على احتمالات مختلفة عما مرت به، نتيجة متغيرات دولية واقليمية اهمها:
أولها – استفراد روسيا الكلي تقريبا بالملف السوري عسكريا وسياسيا.
ثانيها – تغير موازين القوى المحلي بين النظام والمعارضة لصالح الاول نسبيا.
ثالثها – توتر العلاقات الروسية – التركية.
رابعها – تراجع قوة ايران وجماعاتها اقليميا.
خامسها – تعاظم الدور الاسرائيلي العسكري.
وأيا كانت مسارات الازمة القادمة, فهناك نتيجة مطلقة تلخص تجربة السنوات السابقة، تستحق الدرس، تتمثل في أن الشعب السوري الذي كان ضحية الجميع: روسيا وايران والعرب والغرب ما يزال قويا وثابتا بينما كل الذين شاركوا في قتله وتهجيره أصابهم الإرهاق ودفعوا أكلافا باهظة مرشحة للارتفاع لما شبه لهم انه انتصار.
بعبارة أخرى: الضحية التي تعرضت لجريمة دولية على مدى ست سنوات تبدو أكثر مناعة من الذين اشتركوا في قتلها, وتبدوا جريمتهم قد استنزفتهم كما استنزفت الضحية/ الشعب السوري.
لاثبات هذه الحقيقة يجب اعادة تقويم ما حدث, ورصد نتائجه، وما انتهى له الآخرون:
أولا – ايران.
هي الأكثر تورطا في المقتلة وغوصا في مستنقعها الدموي. وهي التي وقفت وراء أسوأ الخيارات وأخطرها، إذ دفعت الاسد لرفض أي حل سياسي مع الشعب، ومع المعارضة، وراهنت على اخماد الحراك الشعبي بالقوة، واحتواء المعارضة سبيلا لحماية النظام الذي هيمنت عليه في عهد بشار، شاركت فعليا في قتل السوريين مباشرة, بحجة أن ما يجري ليس ثورة بل مؤامرة غربية واسرائيلية وعربية على (محور المقاومة) هدفها الوصول اليها (الجمهورية الاسلامية) لاسقاط نظامها!
وبناء عليه، لم تكتف بالتحريض على وأد الحلول العقلانية, ناهيكم عن الانحياز لثورة المظلومين السوريين ضد نظام متوحش، وهي التي استمدت شرعيتها من ثورتها على الشاه الذي ثبت انه أقل دموية من نظام آل الأسد، بل ذهبت مدى أبعد فعبأت القوى الموالية لها في لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان، وزجت بها في الصراع الداخلي بين الشعب ونظامه.
وتبين وقائع السنوات التسع السابقة أن ايران لم يكن هدفها مساندة الاسد بقدر ما كان هدفها تحطيم سورية شعبا ودولة وتعزيز سيطرتها عليها، بدليل سعيها المنهجي لتحطيم الجيش واختراقه, وبناء منظمات موازية وبديلة، خاضعة لها، بما فيها باسيج وحرس ثوري، ورهن الثروات الاقتصادية ضمانا لاستثماراتها وديونها, ومحاولات نشر التشيع واحتواء الطائفة العلوية، وتغيير هوية المدن الرئيسية، كدمشق وحلب واللاذقية وحمص ودير الزور، بحجة وجود مراقد ومزارات شيعية، وسعيها لانشاء نظام محاصصة طائفية، يكرر ما فعلته في العراق, وهي سياسات تستفز السوريين، وتحرضهم على نظامهم، لأنه مسؤول عن فتح الأبواب لايران. ولو كانت حريصة على الأسد لما عملت على اضعافه وتدمير البلد بأيديها بهذه الطريقة.
ومع سقوط حلب والغوطة ودرعا، تهيأ لايران وجماعاتها أنها انتصرت وأصبحت الطرف الاقوى، وبدأت تخطط لتوسيع وتعزيز هيمنتها، إلا أن هذا الوهم سرعان ما بدأ يتبدد، وينقشع، بتأثير مجموعة عوامل مستجدة:
1- رفض روسيا ادعاء ايران بأنها صانعة النصر.
2 – استمرار المقاومة السورية في العديد من المدن والمناطق كقوة قادرة على المواجهة وتحقيق انتصارات.
3 – تمرد الطائفة العلوية على الوصاية الايرانية، وطلبها الحماية من الروس.
4 – ظهور مؤشرات على رفض جيش الأسد محاولات الايرانيين تهميشه وفرض الوصاية عليه.
5 – ظهور استياء متزايد في اوساط الجماعات الشيعية اللبنانية والعراقية من الهيمنة الفارسية.
6 – اتجاه روسيا لتبنى خيارات سياسية تتناقض مع خطط ايران والاسد، استجابة لتفاهمات مع اسرائيل وأمريكا ودول أخرى.
7 – توجهات ادارة ترامب المعادية لوجود ايران في سوريا.
8 – تنامي المعارضة الايرانية الداخلية للتورط في سوريا .
هذه العوامل ترسم مقدمات فشل ذريع للدور الايراني في سوريا.
وتركز سياسة ايران حاليا على افشال الحلول السياسية الممكنة، والعمل على إبقاء الصراع، ومتابعة مخططاتها لفرض تغيير ديمغرافي يحقق مصالحها قبل أي انتقال سياسي، ولكن عجلة التطورات بدأت تدور على مسار مختلف. وهناك تقديرات بأن التوسع الايراني بلغ اقصاه وبدأ الانحسار، تحت ضغط العوامل الدولية وتأثير العقوبات الاميركية وضغوط الشارع الايراني.
ثانيا – روسيا
تدخلت روسيا في الازمة السورية على مرحلتين: في الأولى اكتفت بدعم النظام وتزويده بالسلاح بلا شروط على استعماله، والتزمت بحمايته في مجلس الأمن ومنظمات الامم المتحدة كمجلس حقوق الانسان، أو منظمة حظر الاسلحة الكيميائية، ووضعت ثقلها وراء انقاذه من ضرب أميركا له، بعد استعماله للسلاح الكيماوي ضد الغوطة في آب/ اغسطس 2013, وتوسطت لابرام صفقة تسليم مخزونه الكيماوي مقابل عدم ضربه.
وثمة مؤشرات على أن الدعم الروسي تضمن منذ بداية الثورة ارسال مستشارين عسكريين واستخبارات لتقديم الخبرة في قمع التمرد الشعبي والمسلح.
وفي المرحلة الثانية تدخلت روسيا بأقصى طاقتها الحربية، لحماية الأسد من سقوطه الوشيك نهاية سبتمبر 2015. وقيامها بحرب ابادة على المعارضة المسلحة، وحاضنتها الشعبية، وبخاصة في حلب والغوطة وادلب ودرعا. واستطاعت بعد سنة من القصف الوحشي ارضاخ ثوار حلب والغوطة ودرعا على تسليم مناطقهم، فزادت نسبة الاراضي التي يسيطر عليها النظام وتقلصت مساحة الاراضي المحررة . وعدلت موازين القوى، ولم يعد النظام مهددا بالسقوط , كما كان قبل دخولها.
كل هذا صحيح، ولكن هذه “الانجازات” كلفت الدولة الطامحة لاستعادة مكانتها على المسرح الدولي، الكثير من هيبتها واحترامها كدولة مسؤولة، وتلقت ادانات كثيرة في العالم، والأمم المتحدة بسبب تعطيلها القانون الدولي، وحماية نظام ارهابي. كما فقدت روسيا من جنودها وأسلحتها، أكثر بكثير مما اعترفت به، وقد استعانت بقوات غير نظامية لاخفاء دورها وخسائرها الحقيقية، كما تحملت خسائر مادية كبيرة في وقت يعاني اقتصادها من أزمات حادة، مما أجبرها على مراجعة استراتيجيتها الحربية، واكتشفت أن جيش الاسد الذي يتبع عقيدتها ،ويستخدم سلاحها منذ 70 سنة، هو جيش مفكك لا تمكن المراهنة عليه, وعليه أدركت بالملموس أنه لا حل للازمة بلا تغيير سياسي، يلبي بعض مطالب الشعب, وخاصة ازاحة الاسد.
لقد فشلت روسيا في تحويل “انتصارها” العسكري انتصارا سياسيا يلبي شروطها على المعارضة السورية. ومع فشل رهاناتها ورفض الغرب المساومة على اوكرانيا مقابل سوريا, ورفض الدول الخليجية التسليم لها ببقاء الأسد اضطر الكرملين لتغيير سياسته والبحث عن مخرج. واكتشفت أن ايران تعرقل خططها، وقد تكلفها خسارة جهودها واستثماراتها في سوريا. فأصبح هدفها تقليص الخسائر، وتحسين صورتها كدولة عدوانية ارتكبت جرائم حرب وابادة، فوثقت علاقاتها بتركيا, وتقربت من بعض أطياف المعارضة العسكرية والسياسية، ومغازلة ادارة (الرئيس الاميركي دونالد) ترامب، بحثا عن تسوية تلبي بعض مطالب الشعب السوري دون أن تضحي بالأسد ونظامه الموالي لها، ولكنها على المدى البعيد تعطي اشارات للغرب باستعدادها للتخلي عن الاسد في الوقت المناسب وإذا حصلت على الثمن الذي تريده.
وفي المحصلة، تعرف روسيا أنها خسرت ولم تربح الكثير، وارهقت بسرعة، وباتت تخشى الاسوأ، ولعلها تبحث عن مخرج، قبل أن تتحول ورطتها “افغانستاناً” ثانية أي كارثة كبرى.
الجزء التالي: الموقف الاوروبي من الأزمة السورية



