عربي ودولي

مـشــاهـــدات مــن أميركا اللاتينية.. المركادو غواهيرو.. أبناء كامد اللوز (4)..

زوّار في “المركادو غواهيرو”
عبد الناصر طه/ فنزويلا

فنزويلا/ فالنسيا/ خاص “المدارنت”..
بدأت الهجرة “الكامدِيّة الأولى إلى الأميركيّتين، مع الهجرة العربية الأولى، أواخر القرن التاسع عشر، إلى الولايات المتحدة الأميركية، وكندا، وإلى أميركا اللاتينية، بدءًا بالأرجنتين والبرازيل وكوبا؛ ثم بدأ تدفق المهاجرين بأعداد أكبر بعد الحرب العالمية الأولى عام 1914 م، وبعد الحرب العالمية الثانية، التي كرست اميركا اللاتينية وطناً ثانياً، ما لبث ان تحوّل عند الكثيرين إلى وطن أول ووحيد. وتوزع المهاجرون في دول جديدة أضيفت إلى دول الهجرة الاولى، فكان التوافد الى كولومبيا، ثم الى بنما وإلى فنزويلا، التي تسقطب اليوم آخر دفعة من المهاجرين الكامديين من عنصر الشباب النابض بالحياة.
من جزيرة “مارغريتا” شرقاً إلى مدينة “ماراكيبو” غرباً، مرورا بالعاصمة كاراكس، ومدن الوسط فالنسيا وباركيسيمتو وبونتوفيهو، نلتقي أبناء كامد اللوز، الذين لمع صيتهم من خلال خصالهم الكريمة، من نخوة وكرم ومساعدة المحتاجين، ناهيك عن اطيب العلاقات مع أهل هذه البلاد على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم.

السيد زياد فاضل واكد
 زياد فاضل واكد
كما وعدنا في الحلقة الأولى من سلسلة: مشاهدات في أميركا اللاتينية، عدنا الى “المركادو غواهيرو” في مدينة فالنسيا/ فنزويلا لاستكمال المشهد مع أبناء بلدة كامد اللوز، الذين يشكلون أكثرية تجار هذا السوق الشهير؛ وكان لقاؤنا الأول مع المغترب زياد فاضل واكد، أحد أبناء عائلة واكد التي امتدت جذورها في كولومبيا وفنزويلا والبرازيل، ثم بنما التي وصلت نجاحاتهم إلى قياسات فاقت كل التوقعات، وصاروا في عداد رجال الأعمال الأوائل على مستوى القارة.
حدثنا السيد زياد عن تجربته الاغترابية الحياتية، وقال: “ولدت في البرازيل في مدينة ساو باولو، وذهبت صغيرا إلى لبنان، وما ان اكملت خمسة عشر عاما من عمري حتى عدت اليها عام 1986 م. انتقلت إلى مدينة مايكاو الكولومبية عام 2004 م، حيث عملت في التجارة لمدة سنتين، انتقلت بعدها الى مدينة فالنسيا الفنزويلية، واستقريت تجاريا في هذا السوق، علماً انني كنت من أوائل أبناء كامد اللوز الذين جاءوا اليها. آنذاك، كان السوق التجاري المعروف بالمركادو غواهيرو، يضمّ حوالي مائة محل تجاري مملوكة لأبناء الجالية العربية، ومعظمهم من أبناء البقاع الغربي، من كامد اللوز والقرعون وبعلول ولالا، ومن مرج الزهور التابعة لمحافظة الجنوب”.
ثم انتقلنا الى الحديث عن الحياة الإجتماعية لأبناء البلدة، فأخبرنا أنهم “شكلوا مجموعة على “الفيسبوك” في البدايات، ما لبثت أن توقفت بعد ازدياد أعداد الوافدين إلى فالنسيا، الذين يتجاوز عددهم اليوم 250 شخصاً، يتوزعون بين عائلات: الحاج، واكد، ساطي، طه، أبو علي، حمّود، نصر الدين، عنقا، الخطيب، معروف، عون، غندور، ثابت، فارس، بكري، أبو زعني، عثمان، وأفراد من عائلات أخرى، علماً أن العديد من أبناء البلدة غادروا فنزويلا في السنوات الأخيرة”.
وتابع: “معظم المغتربين من أهل بلدتنا، يشاركون في نشاطات النادي الفلسطيني في المدينة، ويرتادون مسجديّ المدينة، إضافة إلى المصلّى الذي أنشأناه في المركادو لإقامة الصلوات نهارًا، وصلاة الجمعة، ونسعى إلى توسعته وتطويره. ومن خلال صحافتكم الكريمة، أشد على أيادي أبناء كامد اللوز، وباقي أبناء الجالية المسلمة هنا، الذين تجدهم يداً واحدة خلال الأزمات”.
السيد أحمد محمد الحاج
أحمد محمد الحاج
.. المحلات في المركادو متلاصقة، وأبناء البلدة متجاورون في أكثر من شارع، ويتزاورون بين الحين والآخر؛ وعلى مسافة ليست ببعيدة، التقينا بالمغترب أحمد محمد الحاج، ابن العائلة التي تضمّ اكبر عدد من مغتربي فالنسيا هذه الأيام، وذات النجاحات الزاهرة في ميدان التجارة، ليحدثنا عن تجربته الغنية وتنقله في دنيا الإغتراب ووصوله إلى مدينة فالنسيا؛ فأخبرنا أن “أول من جاء إلى المركادو غواهيرو من العائلة، هما الأخوان عبودي حسين الحاج وهايل حسين الحاج، قدما من كولومبيا”، وبعد ذلك، كان دوره في إقناع أبناء عمته في البرازيل بالمجيء إلى فنزويلا؛ ووقع الاختيار على مدينة فالنسيا، لأنها أسهل للحياة الإجتماعية والعائلية أكثر من العاصمة ومن المدن الكبرى تحديدا، وأبناء العائلة متجاورون سكنيا واللقاءات بينهم دائمة وقريبة.
وفي سرد سريع ومختصر عن تلك الهجرة، قال السيد أحمد: “كنت من أوائل مغتربي كامد اللوز، الذين تحولوا من كولومبيا إلى فنزويلا عام 1997 م، وكان مجيء شقيقي حسين إلى فالنسيا عام 2004 م، سببا في انتقالي إليها قادما من كاراكس،إلى أن تمّ الاستقرار العائلي عام 2010 م، لتكتمل الصورة في تدفق أبناء البلدة حتى وصل عددنا إلى ما نحن عليه اليوم”.
وعن أحوال المغتربين ونشاطاتهم غير التجارية، قال: “كنت وما زلت أشارك في الخطوات والاجتماعات التي تهدف إلى جمع شمل الجالية وتوحيد صفوفها، وكنا قد سعينا سابقا إلى إنشاء “مركز ثقافي اجتماعي رياضي”، لكن المشروع تعثّر بسبب الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها فنزويلا منذ عام 2016 م”.
وأكد أن “أبناء بلدتنا هنا، هم مدعاة فخر واعتزاز، وتراهم يقفون صفا واحدا عند أيّ استحقاق، وإسهاماتهم كبيرة ودائمة في أعمال الخير، على مستوى الاغتراب وفي دعمهم مشاريع البلدة ومساعدة أهلها”.
وختم: “ما أدعو له اليوم، هو أن تتضافر جهودنا لتأسيس لجنة، تتابع امورنا الداخلية والخارجية على السواء، ويكون في طليعة اهتمامها، التواصل مع السلطات المحلية وتلبية الحاجات الملحة لأخوتنا المغتربين”.
السيد عبودي أبو علي
عبودي أبو علي
ثم انتقلنا بعد ذلك إلى المنطقة الصناعية، برفقة المغترب عبودي أبو علي، إلى مكتبه هناك، حيث استمعت منه إلى شرح وافٍ عن هجرة العائلة، وما رافق ذلك من إخفاقات ونجاحات، ما يصلح أن يكون رواية كاملة عن كفاح المغتربين في اميركا اللاتينية.
السيد عبودي أبو علي، ابن عائلة مكافحة، ذات مواهب متعددة، ظهر فيها الأدباء والشعراء والفنانون، وذهب آخرون إلى عالم التجارة؛ وعن ذلك قال: “ولدنا في بيت كادح،روكنا نسمو إلى نجاحات في الحياة العملية، وكانت أمامنا تجربة ابن عمّي فيصل أبو علي الرائدة في البرازيل، حافزا لإثبات جدارتنا في مجال التجارة، كما أثبتناها على الصعيد الوطني عبر أشقائي: العقيد جهاد والشاعر الأديب حسين والنقيب الشهيد علي”.
وتابع: “اليوم أقول لكم بكل فخر، أن سبعة تجار في المركادو غواهيرو، يصنفون في مقدمة التجار ورجال الأعمال، خمسة منهم من بلدتنا كامد اللوز”.
ولعل تجربة السيد عبودي الاجتماعية، لا تقل اهمية عن تجربته التجارية، في إسهاماته التي توزعت بين إنشاء المصلّى في المركادو، وتأسيس “جمعية خيرية إسلامية” هدفها تأسيس “مركز ثقافي إسلامي”، وأهمها إنشاء “مدرسة إسلامية” في مدينة فالنسيا، هي مدرسة: “الماء الحيّ”، agua viva، مع رفاق من أهل الخير يشكلون مجلس إدارتها، وهم السادة: هايل حسين الحاج (كامد اللوز)، أنور عبد الكريم (فلسطيني)، ناصر المحمد (فلسطيني)، والشيخ فتيان الشرقاوي (مصري).
جانب من مدينة فالنسيا

وأكد أن “هذه المدرسة تعتبر حلم الآباء ومشروع الأبناء، وتضمّ في جنباتها مائة وخمسة تلاميذ من الإبتدائي حتى الثانوي، وتتبع النظام التعليمي الرسمي الفنزويلي، مع إضافة مواد اللغة العربية، والدين الإسلامي والتربية الاسلامية، ونتائج تلاميذها متميزة وباهرة على مستوى المحافظة.
وذلك ما دفعني للاستماع أكثر عن تلك المدرسة، لضرورة تعميم التجارب التربوية التعليمية الناجحة في عالم الاغتراب، ومناشدة أهل الاختصاص وأهل الخير دعمها وتوفير السبل الكفيلة برفع شأنها.

مدرسة “الماء الحيّ”
داخل إحدى قاعات الدراسة في المدرسة

وكان ختام اللقاء مع السيد عبودي عن التطلعات والآمال المستقبلية، فقال: “نسعى جاهدين الى إقامة “المركز الثقافي الإسلامي” في فالنسيا، وهدفنا هو تخريج أجيال مسلمة تتقن اللغة العربية، وتعرف دينها وقرآنها؛ كما نسعى إلى استقدام أساتذة اختصاص في اللغة العربية، وخبراء في علم النفس التربوي، ومتمرسين في الادارة المدرسية، ساعين لتصبح مدرستنا محط أنظار اهلنا في فالنسيا والجوار”.

كوكبة من شباب كامد اللوز في باحة “مسجد القدس”

هكذا اكتمل معنا جزء من الصورة، وأطرافٌ من المشاهدات، آملين أن نكمل المشاهدات في حلقة أخرى، في أمكنة أخرى من اميركا اللاتينية، حيث غابت شمس الحكومات والأنظمة عن هؤلاء المغتربين المكافحين. ونناشد المهتمين والمتابعين أمور الإغتراب، أن يعطوا اهمية كبرى لموضوع المدارس والمراكز الثقافية العربية الاسلامية في هذه البقعة من العالم.

جانب من “المركادو غواهيرو”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى