مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة “21”..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
- المحور الثاني: سويّة حال الإسلام وأهله: إعادة نظر.
الفصل الخامس: الإنسان هو السّيد في عالم الشهادة.
- تعريف بالعنوان:
إن مفهوم الإنسان ينسحب على الناس جميعًا، أو يشمل البشريّة جمعاء، أو ينطبق على كل من انتمى إلى ذريّة آدم وحواء، أبي البشرية وأمها، أو تحدّر من نسلهما؛ إنه الجنس البشري. والمعنى المراد أساسًا هو سيادة البشر على غيرهم من جماد ونبات وحيوان في الأرض، بالإضافة إلى كل ما يكون لهم أثر فيه، أو له أثر فيهم من خارج الأرض. فالأرض والمشار إليه من خارجها هما ما يمكن وصفهما بمملكة البشر، ومسرح نشاطهم في هيمنتهم وسيطرتهم وفاعليتهم ومفعوليتهم، وهما يندرجان في عالم الشهادة، الكون الفيزيائي، الذي يمتلئ به الوجود بكل من وما فيه. وهذا العالم الكون هو نقيض لعالم الغيب، ذي الوجود المغاير تمامًا والذي ينظر إليه على أنه مفارق متعالٍ لافيزيائي يتجاوز دائرة معقوليّات الإنسان.
ولعلّه من نافل القول إن هذه السيادة ليست مطلقة، بل هي نسبية، إلاّ أنها متحرّكة تتزايد بتزايد سيطرة الإنسان وتمكّنه وفعله في عالمه الذي يحيا فيه ويعقله، وهي لا تنحصر في هيمنة البشر وسيطرتهم على غيرهم من الكائنات والموجودات، بل تشمل حكمهم لأنفسهم وهم ينتشرون اليوم في سائر أرجاء المعمورة، ويتوزّعون بالشكل الغالب الساحق جماعات وقبائل وشعوبًا وتجمعات في كيانات سياسية (دول) يتكوّن كل منها في جزء من الكرة الأرضية ذي حدود معيّنة، ومن جزء من البشرية يشكّل مجتمعًا بشريًّا أو شعبًا يسكن ويعيش في ذاك الجزء من الأرض الذي يسمى وطنًا له؛ ويكتمل هذان الجزءان كيانًا سياسيًّا بحكم يمارس سلطة سياسية على كامل التراب الوطني، ويخضع له هذا الشعب، قاطن هذا الوطن. فالسيادة في دائرة البشر تترجم مفرداتها وتعبيراتها عبر هذا الحكم من خلال شكل السلطة السياسية التي يتبناها ويمارسها على الناس حاكم بواسطة مؤسسات وأجهزة وقوانين وآليات تتحدّد طبائعها ووظائفها وفقًا لشكل الحكم نفسه الذي ارتضاه الشعب وقبله أو فرض عليه وخضع له بالقوّة والغلبة…
وفي الوقت الذي يكون فيه غير البشر أو ما دونهم، في نطاق التبعيّة لهم، حتى في حالات التقديس لبعضه سواء أكان حيوانًا أم نباتًا أم جمادًا، تكون السيادة داخل دائرة البشر موضوعًا لكثير من التنافس والتنازع والتخاصم وحتى التحارب في حالات ليست قليلة في تاريخ حكم البشر لبعضهم، وتتوقّف في نهاية المطاف على ما يسمّى “ميزان القوى” في كيان سياسي معين أو دولة معيّنة، بل على ما يرجّح إحدى القوى فيه، فيكون الحكم وتكون السيادة طبيعةً وشكلاً ونظامًا وآلياتٍ ومؤسساتٍ وأجهزة وما إلى ذلك من مستلزمات الحكم… ونحن إذ نكتفي بهذا التعريف الموجز، نسارع إلى طرح الأسئلة ذات العلاقة التالية: ما مصدر أو مرجع هذه السيادة؟ وما هي مستلزمات السيادة حتى تأخذ مداها؟ وكيف حالها على الأرض وضعيًّا ودينيًّا؟ وأين هي مما أوحت به السماء؟
لعلّ معالجة هذه الأسئلة تفضي بنا إلى ما قصدنا إليه في عنوان هذا الفصل ممهّدين به إلى إعادة نظر ممكنة وضرورية لعظم أهميتها في تحديّات المحور الأول بحيث نحدّد ما نقبله وما نرفضه منها.
- السيادة من حيث المصدر:
بادئ ذي بدء، لا نرى أنفسنا بحاجة إلى الغوص في تاريخ البشر لمواكبة ما تمتّعوا به من إمكانات جعلتهم يسودون بها الأرض وما عليها بالرجوع إلى ما قدروا عليه بذواتهم وإلى “قوى خارقة” لا طاقة لهم بها، خضعوا لها في ما عجزوا عنه وإن كان السائد لدى ذوي الحكم والسلطة والنفوذ، تأليه تلك القوى، وأحيانًا تجسيدها، وأحيانًا أخرى تلبّسها، باعتبار أن موضوعنا قد بدأ مع ظهور الإسلام ونشأته في شبه الجزيرة العربية على يد النبيّ محمّد في بدايات القرن السابع الميلادي. فالسيادة التي يمارسها البشر على الأرض نراها ترجع إلى مصدرين اثنين متغايرين تمامًا: أحدهما ديني، نقصر الكلام فيه على الإسلام، والآخر وضعي من صنع عقول البشر أنفسهم. فماذا عن كلّ منهما؟
2-1 – المصدر السّماوي للسيادة: لقد قضت مشيئة رب العالمين أن كرّم البشر وفضّلهم على غيرهم في عالم الشهادة، وخلق لهم ما في الأرض، وسخّر لهم ما فيها، وآتاهم كل ما سألوه منه، وفقًا لآيات كثيرة من القرآن الكريم. وكان ذلك من خلال جعله عزّ وجلّ آدم أباهم، خليفة له في الأرض، على الرغم من تساؤل الملائكة واستكبار إبليس، لعلمه تعالى ما لا يعلمون…
ففي هذا السياق، كانت الأرض، ولم يكن البشر حتى كان آدم خليفة الله فيها، فأصبحت في عهدته، باسطًا عليها سيادته، ساعيًا لاستعمارها. إن الخلافة في الأرض إمارة، والخليفة فيها أمير، وللأمير حق الإمرة. فهو إذًا، سيّد له حق التصريف والتدبير والحكم كما يريد ويستطيع في ما استخلف فيه بأمر من السماء. وقد دانت لسيادته الأرض إلى حد كبير، وانصاعت له الطبيعة في كثير من ظواهرها، استجابة لأمر السماء نفسه بشأنها، وفقًا للمصدر الديني الإسلامي لها.
2-2- المصدر الأرضي للسيادة: وضعيًا، إن نظرة سريعة في تاريخ عالم الشهادة، تؤدّي بنا إلى رؤية الجنس البشري وقد تفوّق على الأجناس الأخرى من الحيوانات والنباتات فضلًا عن الجمادات، وواجه ظواهر الطبيعة كلّها من رياح وأعاصير وبراكين وزلازل وأنهار وبحار ومحيطات وجبال وما إلى هذا وذاك؛ ونظرة تعليليّة في ذلك تفضي إلى أن الإنسان، بعقله وسعة حيلته ومرونته، قد هيمن في الأرض، وسيطر على الطبيعة بقدر كبير ومتزايد. وليس من أحد أو شيء آخر يمكن أن ينافسه في هذه السيادة، لأن هذا الشيء أو هذا الأحد يفتقر إلى ما يتّمتع به الإنسان من عناصر التفوّق وآليات المواجهة وعوامل الاستطاعة، ما جعله يعرف ويخبر ويجرّب، ومن ثم، يقدر على استعمال هذه الموارد من معارف وخبرات وتجارب في التحكّم بالأرض دون غيره من الكائنات والموجودات. بيد أن سيادة الإنسان، سماويًا كان مصدرها أو أرضيًا، تحتاج أو تستلزم شروطًا أو مقتضيات أو متطلّبات حتى تكون ممكنة ومتاحًا لها أن تمارس. فماذا عن هذه المتطلّبات؟
3- متطلّبات سيادة الإنسان:
في واقع الأمر، إن الإنسان بما هو إنسان، لا يختلف جنسًا أو انتماءً أو جدارة باختلاف مصدر سياسته في نسبتها إلى الإنسان نفسه على الأرض، أو إلى رب العالمين في السماء من دون أي اعتبار للحيّز أو المكان أو الزمان أو الحدّ أو الجهة لله المطلق، خالق كل شيء. بيد أننا نسارع إلى القول بأن لهذه النسبة تأثيرًا ملحوظًا في أداء الإنسان ونشاطه في الحياة وفقًا لفهمه لها، كما سيتضّح لنا هذا من خلال متابعة معالجتنا للأسئلة أو التحدّيات التي طرحتها علينا نتائج فصول المحور الأول. كذلك فإننا لا نرى، بالرجوع إلى النسبة نفسها، إشكالات خطيرة من قبيل الصراع حول السلطة والتنازع والتخاصم بشأن الحكم بالنظر إلى سيادة الإنسان في الأرض وعمرانها كجنس إزاء الأجناس الأخرى حيث تخلو الساحة ممّن ينافسه أو يزاحمه في ما يتمتّع به من تفرّد وأهليّة وتميّز من غيره، وتفوّق عليه بجهاز معرفي عقلاني، سواء أنسب إلى رب العالمين كنعمة أنعم بها عليه أو هبة وهبها إياه من وجهة النظر الدينية، أم إلى الإنسان نفسه كجزء من طبيعته أو معطى ملازم لها وضعيًّا.
أضف إلى ذلك أن الإنسان قد نجح بفضل ما قام به من جهد وكدح وكفاح ونضال وجهاد وعمل وفعل في الأرض، واطرد نجاحه فيها عبر تاريخه مع تزايد تمكّنه منها، وقدرته عليها إلى درجة أفسد فيها في بعض نجاحه كتهديد أنواع من الكائنات الحيّة بالانقراض، وشرور التلوّث، وتشويه الطبيعة في ما ذهب إليه في استعمارها وأنسنتها زراعة وعمرانًا وطرقات وجسورًا وأنفاقًا وثروات ومعادن واستثمارات وسواها، الأمر الذي دفعه إلى أن ينشئ جمعيات ومنظّمات دوليّة تعنى بحماية الأنواع من عبث الانقراض، والحفاظ على الطبيعة وجمالها، والسعي لتجنّب نتائج التلوّث، وشرور ما صنعت يداه من سلاح مدمّر يهدّد سلامة الكوكب بأسره، فضلاً عن السعي الحثيث لإزالة أسباب التلوّث والتخلّص من أسلحة الدمار الشامل كيميائية كانت أو بيولوجية أو نووية، والضغط للتخفيف من الانبعاثات الحرارية الناتجة عن كثير من أنواع الصناعة التي تؤدّي فيما لو استمرّت وتفاقمت، إلى ارتفاع درجة الحرارة على الأرض، فذوبان الجليد في القطبين، فارتفاع منسوب مياه المحيطات، فغمر وإخفاء الكثير من الأرض اليابسة بما ومن عليها.
ولعلّه من الوضوح بمكان أن النجاح المشار إليه في سيادة الإنسان في الأرض، وما عليها من حيوان ونبات وجماد، يعبّر عن فاعلية البشر في دائرتهم وفي غيرها في آن معًا… هذه السيادة لا بدّ من أن يكون لها متطلّبات بمثابة الشروط الضرورية لها لتكون ممكنة في كل دوائر عالم الشهادة المتاحة لتلك الفاعليّة البشرية، سواء أكان مصدر السيادة السماء أم الأرض. وسيكون الكلام مقتصرًا على السيادة بين البشر، بين الحاكم والمحكوم، وفي الإطار السياسي حصرًا… فإلى متطلّبات السيادة:
3-1- الدّولة: من المعروف والسائد الشائع اليوم أن الدّولة هي النطاق والإطار والمدى لممارسة السيادة سلطتها وإمرتها؛ والدولة كيان سياسي يتشكل من ثلاثي متلازم: أرض ذات حدود معروفة ومعترف بها دوليًا، وشعب يسكن هذه الأرض ويعيش على ترابها ويخضع للسلطة الممارسة على مساحتها، وحكم يمارس هذه السلطة على ذاك الشعب عبر سيّد هو الحاكم، ويعبّر عن السيادة حصريًّا على الأرض المسماة وطنًا، وعلى من عليها باستثناء مساحات صغيرة مقتطعة ومملوكة لسفارات الدّول الأخرى التي تقيم علاقات دبلوماسيّة مع الدولة المعنيّة. فالسيادة لا تكون بغير من يضطلع بها وهو السّيد الحاكم يحكم الشعب وهو منه، ومن يخضع له ولحكمه وهو المحكوم أي الشعب، ووطن يكون مسرحًا لنشاط الحاكم والمحكومين… ولكن هذا الثلاثي، ومع أهميّته وضرورته للسيادة، فإنه لا يكفيها وحده لتأخذ مداها. فماذا بعد؟
3-2- الاستقلالية: إنّ السّيادة، إن لم تكن مستقلّة، تفقد طبيعتها ويصبح المضطلع بها مسودًا تابعًا خاضعًا لسيادة آخر؛ ذلك ان الاستقلالية للسيادة في الدولة تعني أن يكون للسيّد الحاكم أو للحكم حق وقدرة اتخاذ القرارات التي يراها مناسبة ويريدها بشأن كل ما تغطّيه سيادته إزاء الرعيّة أو الشعب في الداخل لجهة القيادة والإدارة والتصريف والتدبير وما إلى ذلك، وفي الخارج لجهة إقامة علاقات متكافئة بشأن مصالح متبادلة مع الدول الأخرى. فالسيادة من دون استقلالية تتحوّل إلى تبعيّة للآخر. لذا كانت هي الأخرى ضرورية للسيادة لتأخذ مداها في كيانها السياسي… بقي أن نؤكّد على متطلّب ثالث وإن أشير إليه في مفهوم الاستقلالية، ألا وهو:
3-3- الحرّيّة: أمّا الحرّيّة، وإن لحظ شيء من معناها في “حق وقدرة اتخاذ القرارات”، فانها تستحق أن تبرز في عنوان يشعّ بها عزّة وجدارة ما فوقه وما تحته؛ إنها تستلزم ممن تصفه أن يجعل فعله الحرّ في نطاق جهازه المعرفي عقلاً ووعيًا؛ وأن يكون، بعد تحليل وتعليل وموازنة ومعايرة وتروّ، في إطار دافعيّته وغائيّته، مختارًا له ترجيحًا بإرادته، وأن يأتي بما لديه من وسائل ومهارات وخبرات وكفايات وإمكانات، في نطاق قدرته؛ وأن يكون مستعدًا لتحمّل تبعاته أو المسؤولية عنه أمام السلطة القانونية العائدة إلى الحكم الذي تنتهجه السّيادة، فضلاً عن أي سلطة معنوية، أخلاقية كانت أو عرفية اجتماعية أو دينية. أضف إلى ذلك أن ما تقتضيه الحريّة من المعرفة والإرادة والقدرة والمسؤولية ينبغي بل يجب أن يكون في إطار السّويّة الراشدة، لأن المختلّ عقليًّا، والعبد المملوك، والطفل لا يعتبر ما يصدر عنهم من عمل فعلًا حرًّا مسؤولًا. وفي إطار المسؤولية، لا يعتبر المكره أو المجبر على عمل ما مسؤولاً عن تبعاته لانه قام به غصبًا عنه ورغمًا عن إرادته…
لعلّه من الوضوح بمكان أنّ الحريّة شرط لا بدّ منه للسيادة ولكل ما تتطلّبه. فمن دونها، تصبح السيادة خضوعًا وإذعانًا ومفعولية، والاستقلالية تبعيّة واعتماديّة، والحكم شللًا وجمودًا وتفلّتًا وفوضى، والشعب مستلبًا ومظلومًا في الحقوق والحريّات والمصالح؛ أما الأرض المفتقدة لحرية من يستعمرها فتحوّل سيادته إلى ما يشبه السّراب. فالحريّة والسيادة صنوان، بل الحرية عنوان السيادة(1)؛ إنها تؤهّل الإنسان للتكليف وقد كلّف بالسيادة؛ والتكليف يبدو ابتلاء بشكل أو بآخر؛ والابتلاء محك سيادة الإنسان… والآن ماذا عن السيادة في تكليف الإنسان بها؟
4- السيادة بين تكليف السّماء وواقع الحال على الأرض:
إن واقع حال سيادة الإنسان في الأرض متعدّد ومتنوّع ومتداخل في أصوله، بقدر أو بآخر، نتيجة لتفاعل البشر في الآراء والاعتقادات والقيم الأخلاقية والعلوم والتقنيات والفنون والأديان، سواء أكان هذا التفاعل بالرضا واللين والقبول أم بالقهر والشّدّة والعنف. ولكن، ومن دون الغوص في أبعاد مثل هذا التفاعل لخروجه عن دائرة الاهتمام بموضوعنا، يمكن لنا النظر إلى واقع حال سيادة الإنسان في دائرة البشر من إطارين اثنين هما:
الإطار الديني الذي اقتصرنا الاهتمام به على الإسلام، والإطار الوضعي الذي يرجع إليه الناس باعتباره من صنعهم أنفسهم، دون أن يعني هذا أن المضطلع بالسيادة في الإطار الديني والخاضعين لها فيه لا يقيمون شأنًا للوضعيّة والعاملين بها والراجعين إليها في حياتهم السياسية؛ والشيء نفسه بشأن السيادة في الإطار الوضعي؛ فليس بين الإطارين المرجعيين قطيعة تحول دون التواصل أو التعاون أو التفاهم بين أتباعهما… وها نحن، بعد هذه الإيضاحات، نذهب إلى إجمال الكلام على واقع حال السيادة في الإطار الوضعي، ومن ثم ننتقل إلى عرض واقع حال خلافة الإنسان على الأرض في الإطار الإسلامي، وفي دائرة البشر تحديدًا.
4-1- واقع حال سيادة الإنسان في الإطار الوضعيّ: إن السيادة في ميدان السياسة سلطة عليا يمارسها حصريًّا وعلى نحو مستقلّ نسبيًّا حكم معين على شعب معين في أرض معيّة هي وطنه. ومن الطبيعي أن سيّدًا حاكمًا معيّنًا أيضًا يضطلع بمهام هذا الحكم الذي أنيطت به سياسة الشعب في قيادته ورعايته مصالحه وتدبير أموره وتصريف شؤونه وحمايته ومنعته من العدوان.
أضف إلى ذلك أن هذا الحكم في ممارسته وإجراءاته وأحكامه يقوم على نظام يرسم له المسار والنهج، وينظّم له السلطات التنفيذية والاشتراعية والقضائية وسواها، ويضع لكل منها الآليات الضابطة والأجهزة اللازمة، بهدف سدّ حاجاتها إلى ما به تؤدي مهامها، وتحقق أهدافها والغايات في ما يتعلّق بسائر شؤون الناس الخاضعين للحكم، أفرادًا وجماعات وشرائح وفئات وتجمعات في حاجاتهم وأعمالهم ومصالحهم وحقوقهم وحرياتهم وطموحاتهم ونزاعاتهم ومشكلاتهم وتعثّرهم وتقدّمهم وسلمهم وحربهم وما إلى هذا وذاك. وهذا النظام، في مبادئه وقواعده العامّة، وفي قوانينه الخاصة، والعامّة، وفي صيغه وإجراءاته وآلياته، ليس إلاّ صناعة عقليّة من صنع البشر؛ إنه، كتابةً وصياغةً وبنيةً ودرسًا وتمحيصًا وتقويمًا، وفي أفكاره ومنظوراته وقيمه واتجاهاته وأبعاده وخلفياته وغاياته، إنّه في كل ذلك، ما هو إلاّ استجابة لحاجة هذا الشعب إلى سلطة سياسية حاكمة باعتباره اجتماعيًا وبشريًا، وقد وقف وراءها منظّرون وخبراء وعلماء ومفكرون وفنانون ومثقفون وساسة وأساتذة في معارفهم وخبراتهم وتجاربهم، وفي آرائهم وتطلّعاتهم وقيمهم، وقد قدّموها، بكيفيات معيّنة، صناعة علميّة عقليّة في إطار انتمائهم إلى شعبهم وولائهم له؛ علمًا بأن مثل هذه الصناعة العقلية الوضعيّة لم تقطع في الغالب مع الماضي الوطني، ولم تحرّم ما تراه ملائمًا لها من التراث العالمي، ولم تقفل الأبواب دون مواكبة المستجدات والمتغيرات.
بيد أن نفي القطيعة والتحريم والإقفال لا يكون واحدًا، ولا في مستوى واحد في ما يمكن أن يترتّب في كل صناعة عقليّة لأي نظام سياسي. هذه الصناعة العقلية للنظام، وإن ضمّنته صيغة وآلية لتداول السلطة أو لبلوغ السيّد الحاكم سدّة الحكم، فإنه يمكن الالتفاف عليهما في بعض الأحيان بانتهاكهما بالقوّة، أو بارتكاب تعطيلهما بالقوّة أيضًا، مباشرة أو مداورة، في إطار ما يسمّى بفرض سياسة الأمر الواقع… وفي كل الأحوال، يمكن القول بأن أمر تداول السلطة أو بلوغ سدّة الحكم في الإطار الوضعي، يخضع لميزان قوى الشعب السياسية من أحزاب وتيارات وحركات، ولفاعليات أخرى فيه ذات علاقة وتأثير في الميزان من قبيل الجمعيات والنقابات والتكتّلات الاقتصادية والماليّة، ومن قبيل مفكرين ناشطين مهتمين “مستقلين” في آرائهم ووجهات نظرهم وحجمهم ومشاريعهم وتحليلاتهم النقدية في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة بشكل عام، فمن ترجح كفّته، يرفع إلى سدة الحكم سيدًا حاكمًا؛ علمًا بأن القوة المرجّحة التي تفضي إلى الحكم، تتعدّد وتتنوّع ليتعدّد ويتنوّع معها أشكال الحكم من قبيل الجمهوري والملكي والأميري(…) وفي كل منها أشكال أيضًا.
ويمكن النظر إليها من معيار مصلحة الشعب أو المحكومين الخاضعين للحكم وقد توّزعت بين طرفي نقيض: طرف إيجابي تأمّنت فيه المصلحة لأقصى حد ممكن في الحاجات والحقوق والحريات والمصالح والتقدّم، وبعناوين من العدل والمساواة والحق والعدالة الاجتماعية والمشاركة، وفيه تكون السبل ممهّدة للإبداع والنهوض والتقدّم؛ وطرف سلبي استلبت فيه المصلحة لصالح الحاكم والحكم إلى الحد المزري، انتقاصًا فادحًا في سد الحاجات، وتجاوزًا متعسّفًا للحقوق، وانتهاكًا صارخًا للحريات، وتعطيلاً خطيرًا للمصالح على إيقاع من الظلم والتحيّز والبهتان والقهر والتبعيّة السالبة للمشاركة والفاعلية؛ وفي هذا الطرف، يسود جو من الرّعب يحول دون الإبداع ليكرّس الاتّباع، ويجمّل المحافظة على الوضع القائم حتى الجمود، وتكثر فيه الذرائع للاعتياد على الجهل والأميّة والتّبعيّة وما إلى ذلك.
أضف إلى ذلك أن سيادة الإنسان في الإطار الوضعي متحرّرة من القيود في مرجعيتها إلى العقل والعلم، مطرد التقدّم؛ إنها، في أشكال الحكم والأنظمة والقوانين والأجهزة والآليات، مرنة تقبل الإضافة والحذف والتعديل والتجديد وحتى التبديل، ما يجعلها قابلة أيضًا للمراجعة وإعادة النظر والتصحيح والتصويب والاغتناء؛ إنها أيضًا، وعلى الأقل من الناحية النظرية، وفي غياب الاستبداد، وإزاء التطوّر، لا يقيّدها حرام، ولا يحول دون حركتها مقدّس، بل تتلقّف كل جديد يطلق عجلة الحياة في كنفها، ويسرّعها وفقًا لمنظور عقلاني متقدّم عمّا هو قائم؛ كما تسعى لكل إبداع ينهض بالحكم والشعب ويرقّيهما ويطوّرهما، ليتقّدما به.
فهي لذلك تحظى بقدر كبير وكبير جدًا من النجاح لأن مرونتها تتيح للحكم الذي يمارسها، كلّ فرص المواكبة للتغيّر والتطوّر. إن شاهدنا في هذا السياق، وعبر التاريخ البشري، هو أن تحرّكها في ما أسميناه مصلحة الشعب أو المحكومين، يتّجه بشكل عام، وإن بشكل متفاوت أحيانًا، أو بشكل بطيء أحيانًا أخرى من الطرف السلبيّ نحو الطرف الإيجابي. لقد بلغت بعض الدّول الديمقراطية، وهي كثيرة، من حيث المصلحة المشار إليها واحترام حقوق الإنسان والتقدّم، مستوى الطرف الإيجابي، وبعضها الآخر لا يبتعد عنه كثيرًا… فالسيادة وضعيًّا، في نجاحها المطّرد المدوي، تحمي حرّية المعتقد، وتعترف بالآخر، وتحترم حريّة الاختلاف معه، وتقدّم نفسها ذات سعة ووسع يتمكّن بهما الإنسان في نزوعه الأصيل فيها من متابعة الطريق إلى تحقيق ذاته في أنّه القيمة الكبرى والغاية العليا في الأرض.
4-2 واقع حال سيادة الإنسان في إطارها الإسلامي: في المنظور الإسلامي، يمكن لنا أن نرى أن تكريمنا كبشر، وتفوّقنا على غيرنا مما خلق الله في عالم الشهادة، قيمة وسيادة، يرجعان إلى جعل الله آدم أبانا خليفةً له في الأرض. ونسارع، في هذا النطاق، إلى القول سلفًا بأن هذا الخليفة آدم الذي ينسحب معناه على الإنسان، أو الجنس البشري، أو سائر البشر الذين ينتمون إليه، أو يتحدّرون من ذرّيّته، هو، وبكل ما يمت إليه بصلة، أمر إلهي خلقًا وتفصيلاً واختيارًا وإرادة وفعلاً ليس إلاّ. ففيم أهليته؟ وما حال خلافته في الأرض؟
4-2-أ- أهليّة الإنسان لخلافة الله في الأرض: لعلّنا لا نخطئ إذا ما حذرنا الوقوع في سحب بشريّة المعنى على رب العالمين الذي استخلف الإنسان في الأرض بدءًا بآدم؛ لأنه ليس بين المستخلِف والمستخلَف مجال للمشابهة أو المقارنة أو الموازنة أو المنافسة أو المضاهاة: فالأول هو الله الخالق المطلق، والثاني هو الإنسان النسبيّ في بعضه وكله.
فلا يصدّق أحد أن خليفة الله في الأرض يمكن أن يقوم مقام مستخلِفه على نحو ما يحصل عند البشر في حياتهم كاستخلاف أبي بكر عمر مثلاً أو حتى خلافة أبي بكر الرسول في أمر المسلمين باعتبار أن الرسول يبقى بشريًا وإن اصطفاه الله نبيًّا ورسولاً. ففي الوقت الذي نشجّع على القيام بما قام به الرسول اقتداءً واتّباعًا، فلا نجد سبيلاً إلى القيام بما قام به الله، بل نعجز عن ذلك، أو نأثم لمجرّد التفكير فيه، أو يأخذنا التوهّم والهذيان. إنّ أقصى ما بحوزتنا هو الاستجابة لأوامره ونواهيه طاعة أو عصيانًا. وهل يمكن للبشريّ أن يتجاوز بشريّته؟!
بيد أن الله جعل الإنسان خليفته في الأرض، وجعل الأرض في عهدته. إذًا لا بدّ من أنّه أهل لهاتين الخلافة والعهدة. ففيم ذلك؟ – إن إهليّته تبرز في معطيات ملازمة لجنسه تميّزه من غيره من الأجناس كلّها، أو تبدو في مزايا تتمتّع بها طبيعته دون الطبائع الأخرى كلّها. إنه في أحسن شكل، وأجمل صورة، وأفضل قوام، وأنسب بنية؛ كما أنه العالم والأمرن والأوسع حيلة بين الكائنات كلّها. لنتأمّل في الآيتين التاليتين:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4) ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا-﴾ (البقرة: 31). وهو إلى ذلك يتمتع بجهاز معرفي عقلي متفرّد يعرف به، وينتج به المعرفة، ويستعملها به أيضًا وفقًا لرغباته، الأمر الذي يفتح الطريق أمامه إلى تزايد تمكّنه من ظروف حياته لتزداد حريّته، وتعزّز سيادته. كل هذا وذاك يأتلف في شخصه ليكوّن فيه وسعًا لا يضاهيه أو ينافسه أو ينازعه فيه أحد أو شيء لافتقار هذا الشيء أو هذا الأحد إليه، ما جعل الإنسان في أهليّة متفوّقة، وجدارة عليا قدّمتاه أهلا للخلافة وجديرًا بها. وكان من خلال ذلك الوسع أيضًا أهلا للتكليف كلّه والابتلاء كلّه(2)، كما كان جديرًا بهما بشهادة الآية:﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا -﴾(البقرة : 286).
إن ما يتمتع به الإنسان من وسع أهّله ليكون رهن تكليف الله إياه بثلاثة مجالات ظاهرة وواضحة للعيان: أوّلها مجال عبادته تعالى، مصداقًا لقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)؛ وثانيها مجال التصرف بالأرض وعمرانها ﴿- هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61)؛ أما ثالثهما فهو مجال سياسة البشر في ما بينهم في حياتهم؛ إنه المجال الذي يعبّر عن واقع حال الإنسان كخليفة في ما استخلف فيه، سيّدًا ومسودًا، من حاكميّة الله في الحكم والسياسة والاقتصاد والمال، وفي كل ما يستلزمه الحكم في دائرة البشر.
أضف إلى ذلك ان سيادة الإنسان في هذا المجال، وخلافًا لما هي عليه في المجالين السابقين، تطرح إشكالات كثيرة من التخاصم والتنازع والتحارب والتحاسد حول السلطة، خاصة أن الاستخلاف جاء مبهمًا عامًا، ولم يكن منهاجًا واضحًا أو صراطًا مستقيمًا يكفي السير به أو باتجاهه حتى يبلغ الإنسان برّ الأمان؛ لأن الإسلام، قرآنًا وسنّة، يخلو مما يحدّده وينظمه ويضبطه بحيث يجنّب الناس كثيرًا مما أشرنا إليه من إشكالات بشأن السلطة، إذ ليس فيه نظام واضح المعالم، أو محدّد الأبعاد، أو راسخ الأسس، أو متين القواعد، تضبطه وتحكمه صيغ وآليات في الإطار المطلوب… فكيف حال هذه السيادة أو الخلافة على أرض الواقع؟
4-2 – ب– واقع حال المستخلَف في خلافته في السّياق التاريخي في الأرض: نتجنّب في هذه الفقرة الخوض من جديد في الكلام على السياق التاريخي لحال السلطة الحاكمة المعبّرة عن سيادة الإنسان حاكمًا ومحكومًا (3) حتى لا نقع في ملل التكرار، فضلاً عن قلّة جدواه، ونكتفي بالتالي بتذكّر مقتضب لما آل إليه الكلام على هذه الحال في حينه، لنرى مدى تطابقه مع إطار تكليف السماء البشر بسياسة حياتهم في ما بينهم من خلال الحكم في دائرتهم…
وها نحن نبدأ بما انتهت إليه الفقرة السابقة. لقد كان فهم الرسول للاستخلاف راقيًا مشرقًا في تاريخ السيادة في الإطار الإسلامي حيث تكاملت فيه السياسة والدين والعقل، وأنتج نموذجًا يقتدى به وصفناه في معرض الحديث عن السياسة التي أنتهجها بشأن “الحكم بما أنزله الله إليه”(4) بأنّه تعبير عن “القيادة الرائدة والمبادرة المحسوبة” تحت “مظلّة العقل”… وكان الفهم مبشّرًا واعدًا في بعض العهد الراشدي على الرغم مما حدث تحت سقيفة بني ساعدة حول خلافة الرسول في أمر المسلمين، ومما واجه الخليفة الأول من حروب الرّدّة، ما اعتبرناه صراعًا مقفلاً إلى أن انفجر الصراع مفتوحًا، وظهرت المعارضة سافرة، وانتهكت طاعة ولي الأمر بمقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ما وصف بأنه “الفتنة الكبرى” والذي لا تزال تداعياته في فرقة المسلمين مدمّرة حتى يومنا هذا؛ والله وحده يعلم ما إذا كانت آثاره السلبية ستزول في يوم ما من آتي الأيام…
وما إن انتهى العهد الراشدي، حتى آلت حال السيادة إلى معاوية بن أبي سفيان الذي رفعه إلى سدّة الخلافة ميزان القوى الذي رجّحته لصالحه القوّة والغلبة، ليتكرّس الاستبداد، وتسود السياسة المتغلّبة، وينحسر دور الدين ضعفا يتفاقم تبعًا لما كان يصيبه من تمذهب كان يصير إليه مع كل فهم جديد له حتى إزالة الخلافة الإسلامية كليًّا عن المسرح السياسي مع قيام الدولة التركية العلمانية… وكان أسوأ ما في الحال منذ اغتصاب الخلافة بالقوة، تواطؤ السياسة المستبدّة مع الدين لتغطيتها؛ وكان أكثر ما دفع الثمن، العقل الناقد الحرّ إذ قمعته السياسة في غير ما يبررها وسفّهه الدين في غير النقل، ليستمرّ الاستلاب حتى يومنا مستشريًا في ساحة أهل الإسلام في الحقوق والحريات والمصالحK وقد ذهبت ريحهم في التحزّب والتفرّق والتمذهب نتيجة الفهم البشري المتعدّد المتنوّع المحتكر المستأثر (5) الذي سرعان ما صادر هويّة الإسلام المحمدي الأصلي الذي تماهى فيه فافتقد استقلاليّته في تبعيّته له، ولم يعد له وجود في غيره…
إنه واقع مرّ يثير الأسى والإحباط لحاله المزرية المخجلة التي لا يحسد عليها الإسلام ولا أهله؛ إنه واقع حال لا يليق بخليفة الله في الأرض: لا وهو سيّد حاكم وقد استلبته أطماعه وأهواؤه فطغى وتجبّر؛ ولا وهو مسود محكوم وقد استلب في حقوقه وحرّياته وحاجاته فتوكّل واستكان. ترى، ألا يملك إزاءهما شيئا من أمره، أم في الأمر شيء آخر؟



