مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”25″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور  للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

4-3-ب- (2)- حرّيّة الاختلاف المطلوب الحكم فيه على الأرض: إن محور الاختلاف هذا هو في الفهم البشري للدين باعتباره الكافي الوافي لإدارة حياة الناس، وتدبير شؤونهم، وتصريف أمورهم، بالرجوع إلى القرآن والسّنّة في الحكم والسلطة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والمال والقضاء وما إلى ذلك. إن هذا الاختلاف يبدو معضلاً في ثلاثة أوجه هي:

  • أولاً، ليس في الإسلام أنظمة إجرائيّة واضحة ومحدّدة المعالم في كل ما ذكرناه تحت عنوان “إدارة حياة الناس”، على الرغم من وجود الكثير من المفردات الإيحائية والإشارات والآيات التي يحتاج تدبّرها إلى نصوص وصيغ جديدة بهذا القدر أو ذاك؛
  • ثانيًا، إن الفهم البشري للإسلام، في الفقه وعلم الكلام والاجتهاد والتنظير والتأويل، جاء متعدّدًا ومتنوّعًا، ما جعل الاختلاف فيه بالغًا واسعًا، وعلاجه معقّدًا ومستعصيًا، لأن الاختلاف لم يبقَ وجهة نظر تحت سقف الإسلام ووحدته، بل صار خلافًا؛ والخلاف المتعدّد ينوّع الإسلام، وتنوّعه يحول دون الاتفاق أو الوفاق ما لم يرحّل البتّ فيه إلى السماء؛
  • ثالثًا، إن الوجه الأكثر والأخطر إعضالاً في الاختلاف في الفهم البشري هو تأليهه أي نسبته إلى الله، ليصبح مطلقًا في معرفته وحقيقته ويقينيّته، ما يجعل صاحبه وأتباعه يعتقدون أنهم وحدهم يمتلكون الحقيقة، ويعرفون الحق دون غيرهم من العالمين؛ ولعلّه من الوضوح بمكان أن مثل هذا الفهم المختلف المؤلّه يحول دون الانفتاح على الآخر على نحو متكافئ، ويحوّل الإسلام في واقع الحال العملي إلى ملل أو أديان تامّة حيث يصبح الاختلاف فيها خلافًا يعطّل أي حلّ أو علاج ما لم يترك المؤمنون به الحكم فيه إلى ربّ العالمين في يوم القيامة، ما يفتح الطريق أمام فرقاء الاختلاف إلى إيجاد صيغ تمكّنهم من العيش المشترك وقد غاب عنهم جميعًا التعصّب أو التشدّد أو التكفير الذي يعبّئ الناس للعنف، وإلغاء الآخر إذا ما كان ذلك متاحًا…

      ويبقى السؤال: كيف يتمّ حل الاختلاف على الأرض أو كيف يتم الحكم فيه؟

إننا نرى أنه من الممكن مقاربة الحكم في الاختلافات المعنيّة من وجهة نظر، ربما خالفنا فيها كثيرون، وشاطرنا فيها قليلون. أضف إلى ذلك أنّنا نشكّ في أن يتاح لها الاهتمام  الكافي لما تتضمنّه من دعوة إلى إعادة النظر في ما يهيمن على النفوس، ويقيّد إعمال العقول من منظومة من “المسلّمات والمبادئ والحقائق والمعارف” القاطعة الجازمة المطلقة في يقينيّتها، في الوقت  الذي لا تخرج فيه عن كونها وجهات نظر بشريّة ألّهها منظرّوها للتحوّل من آراء من صنعهم وملكيّتهم إلى أمر إلهي يستقطبهم وأتباعهم، ويملكهم في نفوسهم وعقولهم، الأمر الذي يحول بينهم وبين الإبداع الذي هم في أمسّ الحاجة إليه، ويستحقونه لجدارتهم بالنهوض والتقدّم؛ لأنهم من ذرّية من جعله الله خليفة له في الأرض… ونحن لأننا من هذه الذّرّية، نجتهد لنكون أهلاً لما كلّفنا به على الأرض، فنعرض المقاربة للاختلافات من وجهة النظر التي نراها دون أن ندّعي تأليهها، تحت العنوان “الإطار المرجعي للعلاج العقلاني” والذي نقترح فيه:

  • أولاً، نزع “التأليه، واليقينية المطلقة، والتنوّع المصادر لهويّة الإسلام” عن الفهم البشري له، والإبقاء على بشريّته وتعدّديّته واختلافه بحيث يكون وجهات نظر نسبيّة في صحتها ويقينيّتها، تحتمل الصواب والخطأ، وتقبل التعديل والإضافة والحذف والإغناء وحتى التبديل كنتيجة منطقيّة للتفاعل بينها، والتمحيص فيها، وتقويمها وفقًا لمعايير ومقاييس وخبرات وتجارب يراها العقل البشري ضروريّة للخروج منها بحلول وعلاجات ناجعة في مواجهة مشكلات الحياة ومعيقاتها؛ ففي ذلك يكون الاختلاف نعمة وإغناء وتيسيرًا، لأنه يصبح في دلالاته ومراميه بمثابة المشاركات والإسهامات والمقاربات التي تفضي إلى ثلاثة أشياء، هي من الأهمية واللزومية بمكان: أولها، توسيع هامش الخيارات المتعدّدة والمختلفة في إطار وحدة الإسلام، وثانيها، استئصال جذور التقسيم والإقصاء والإلغاء من بين المسلمين أنفسهم، ومن بينهم وبين غيرهم؛ وثالثها، إطلاق إعمال العقل من دون قيود أو موانع أو حوائل من غير الحدود التي يقف عندها في طاقاته وكفاياته… وفي ذلك أيضًا، تتمهّد السبل، وتتوافر الأسباب “للأنا” و”الآخر” أو “للنحن” و”الآخرين” لكي يتعاونوا ويتكاملوا متكافئين، على الرغم مما بينهم من اختلاف وتفرّدـ، في إطار إنسانيتهم العائدة إلى ذرّيّة خليفة الله في الأرض وإلى ذرّيّته فحسب. أما إذا بلغ اختلاف الفهم في الإسلام مبلغًا صادره في هويّته، وجعله ملّة أو دينًا آخر تامًّا، فإن الله أمر بأن يرجأ الفصل في صحته وصوابيّته ويقينيّته وحقيقته إلى يوم القيامة.
  • ثانيًا، العمل والاجتهاد في ما رسمه القرآن من إطار للحكم حيث أمر الله أن يكون “بالعدل والحق” ونهى عن “الهوى والظلم والاعتداء” فيه. أضف إلى ذلك أن هذا الاجتهاد وذاك العمل، يغنيهما ما رسمه النبي المختار في سنّته وحكمه، والذي وصفناه بـ “القيادة الرشيدية الرائدة” و”المبادرة المحسوبة” تحت “مظلّة العقل”، بحيث لا يحول شيء دون الاستفادة من خبرات وتجارب الآخر شرط حسن التدّبر والقدرة على الاستيعاب.
  • ثالثًا، الاستفادة مما تيسّره حريّة التدّين التي يؤكدها القرآن بالإضافة إلى أن الله قد جعل لكل أمّة “شرعة ومنهاجًا”؛ ولو شاء لجعل الناس جميعًا على دين واحد، وشريعة واحدة، ومنهج واحد؛ وحثّ هؤلاء، على الرغم مما بينهم من اختلاف على “التعارف”. ما يمهّد السبل إلى التفاعل والتعاون في ما يكون فيه خيرهم وصلاح أمرهم.
  • رابعًا، ما يلتقي فيه الناس جميعًا، وهو المحرّك الدينامي في جنبات “الإطار المرجعي” كلّه، ومركز اهتمام الجميع، والمادة التي يتمحور حولها الجهد والاجتهاد، وتستقطب الآراء ووجهات النظر والمقاربات، عنينا فيه المساحة المشتركة بين هؤلاء الناس من “الحاجات والمصالح والحقوق والحريات” وما إلى ذلك. إنه يستلزم منحى متساويًا ومتكافئًا في إطار وحدة انتمائهم إلى الإنسانية، تمشّيًا مع ما في أدب السّنّة النبويّة من أن الناس لا يفضل بعضهم بعضًا باللون أو العرق أو اللغة، بل بالتقوى.
  • خامسًا، الرجوع في ما يختلف فيه إلى الحوار بالكلمة الطيّبة، والحجة البيّنة، والبرهان الساطع، وباللين واللطف بعيدًا عن القهر والعنف، الأمر الذي يحض عليه القرآن، لما له من أثر طيّب، ترتاح له النفس، ويستسيغه العقل، كما جاء في الآية الكريمة: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ –﴾ (النحل: 125)، وفي الآية: ﴿­- ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ (فصلت:34). وإذا كان مثل هذا الحوار حاجة ملّحة، وأسلوبًا ضروريًا بين المسلمين وغيرهم، فإنه ألزم وأكثر احتياجًا، وأنجع منهاجًا للمسلمين في ما بينهم أنفسهم…

إنّنا لا ندّعي، في هذا، “الإطار المرجعي للعلاج العقلاني”، الكمال أو المثال بمعنى الكافي الوافي، ولكننا، وعلى الرغم من جسامة ما في الواقع من عوائق وعثرات أمامه، ندعي أنه يلامس مواطن الشكوى والمعاناة والضياع، التي يتخبّط فيها الإسلام وأهله… ولعلّنا نفعل حسنًا، إذا ما أفلحنا في الاتعاظ والاعتبار بمغزى إرجاء الفصل في الاختلاف إلى يوم القيامة، الذي تقدّم الحديث عنه، الأمر الذي يشدّ من  أزر المهتمين بهذا الإطار ويعززه. ففيم هذا المغزى؟

4-3-ب-(3) مغزى إرجاء الحكم في الاختلاف: لعلّنا نتمكن من الاستفادة مما ينطوي عليه مغزى إرجاء ربّ العالمين الفصل في ما نختلف فيه إلى يوم القيامة، من العبرة والحكمة والإرشاد، في شؤون دنيانا وأمورها، فنقيم بيننا الوفاق والسلام والوئام والأمان، مبعدين عنا شبح الفرقة والحرب والخصام والخوف. إننا نرى الدرس المستفاد من هذا المغزى في ثلاثة أشياء تشكّل منارة هدى لقوم يعقلون، هي:

  • أولًا، ان الله يقبل بقاء الاختلاف على الأرض بين فرقائه لأنهم أحرار في ما يرونه، ولكن، من غير أن يسعى كل منهم لفرض وجهة نظره على الآخر؛ ذلك باعتبار أن وجهات النظر كلّها نسبيّة تحتمل الصواب والخطأ أو الكثير أو القليل منهما، وأن أصحابها عاجزون عن الفصل فيها بالحق والعدل اللذين يبيّنهما الله من الباطل والظلم يوم القيامة؛ وسيعرف بذلك فرقاء الاختلاف ما لهم وما عليهم في ما كانوا فيه يختلفون…
  • ثانيًا، إن الله يرمي من إرجاء البتّ في الاختلاف إلى يوم القيامة، بالإضافة إلى قبوله واستمراره بين الفرقاء على الأرض، إلى أن يتمكن هؤلاء، بعد تركهم الاختلاف إلى السماء، من الوفاق والعيش بأمان وسلام بعيدًا عن الاحتراب والاقتتال، وكل أشكال العنف المدمّر بينهم حتى لا يكرّروا في ما بينهم مأساة قابيل وهابيل…
  • ثالثًا، فليتمثّل المختلفون بأمر الله وقضائه بإرجاء محاسبة إبليس إلى يوم البعث، لرفضه أمره تعالى بالسجود لآدم، إذ أبى واستكبر ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ-﴾ (البقرة:34). إن عصيان إبليس أمر الله يعتبر قمة الاختلاف والاعتراض والمعارضة؛ ومع ذلك، فقد استمع ربّ العالمين إلى إبليس يبرّر رفضه، ويدافع عن نفسه؛ ثم بعد أن غضب عليه ولعنه وكفّره وجعله من الصاغرين، استجاب لطلبه أن يرجئ الحكم فيه إلى يوم البعث، إذ طلب إبليس في الآية ﴿قال [إبليس] أَنْظِرْنِي إلى يومِ يُبْعَثُون﴾(الأعراف:14)، فردّ الله تعالى ﴿قال [الله] إنّكَ مِن الـمُنْظَرين﴾ (الأعراف:15).

     وبعد، هل يتّعظ المختلفون؟! هل يعتبرون؟! هل يتقون الله في أنفسهم وفي غيرهم؟!…  إن حرّيّة الاختلاف حق لجميع الناس، مسلمين وغير مسلمين، لأنّها ملازمة لطبيعتهم؛ وهي، بالتالي، نسبيّة، لا تعدو كونها وجهة نظر مهما علا شأنها، وبلغت من الصحّة والصواب والحقيقة واليقين؛ وسواء أكانت في الدين أم في غيره، فلا يجوز تأليهها بحيث تبقى الاختلافات والتفرّدات بين الناس في إطار وحدة إنسانيتهم، فلا إقصاء بينهم ولا إلغاء ولا تكفير.

4-4- الحرّيّة شرط للتّكليف والابتلاء: 4-4-أ- في المعنى: إذا حريّة الإنسان في قدرته على الاختيار، وتقتضي في فعلها، المعرفة والإرادة والقدرة والمسؤولية، في سياق السويّة الراشدة؛ وإذا تكليفه إلزام بالقيام بأعمال وأفعال وعبادات ومهام في إطار أوامر ربّ العالمين، ونواهيه، عبر كتبه ورسله وأنبيائه، ويستلزم منه أن يكون ذا علم يعقل به ويفهم ما يقوم به وقادرًا عليه، وراشدًا بالغًا سويًّا؛ وإذا ابتلاؤه اختبار وامتحان له في مدى نجاحه وفشله، أو إحسانه وإساءته، أو طاعته وعصيانه للشريعة، ويترتب عليه، بالتالي، الجزاء في الأرض والسماء؛ إذا كان كل هذا وذاك، فيصبح من الوضوح بمكان أن الحرّيّة شرط للتّكليف، كما هي كذلك للابتلاء؛ وإلّا صار التكليف استعبادًا، والابتلاء عبثًا. إن التكليف والابتلاء هما، كما السيادة والحرية، يلازمان الإنسان منذ أن جعله الله خليفته في الأرض. وكل ما كلّف به في الأرض من عبادة الخالق، واستعمار الأرض، والسلطة والحكم والسياسة بين الناس أنفسهم، فقد ابتلي فيه؛ وكان الابتلاء كلّه، والتكليف كلّه بقدر الوسع والحريّة المتمتع بهما الإنسان المكلّف المبتلى، حتى تصحّ مسؤوليته، ويستحق جزاءه على الأرض حيث يتولى القضاء فيها الإنسان نفسه، وفي السماء حيث عدل الله الذي لا يظلم عنده أحد. فتكليف الإنسان يكون في إطار ما يطيقه أو يقدر عليه أو يستطيعه، أو ما هو في وسعه حصرًا، لقوله تعالى ﴿– لا يُكَلّف نَفْسًا إلاّ وُسْعَها-﴾ (الأعراف:42)؛ وابتلاؤه يكون في إطار ما لديه مما جعله الله فيه من إمكانات أو في ما أتاه من قوى، أو في ما يقدر عليه، كما جاء في الآية: ﴿-ولو شاء الله لَجَعَلْكُم أُمَّة واحدَة ولكِن لِيَبلُوَكُمَ في ما آتاكُم-﴾ (المائدة:48)… وهكذا يتضح لنا أنه لا يتم للإنسان هذا الابتلاء وذاك التكليف بغير حرّيّته.

4-4-ب- في القرآن، الفعل بقدر الوسع، والحريّة قانون عام: ان القيام بمهام خلافة الأرض، المكلّف بها الإنسان، فردًا وجماعة، يبدأ ويستمر وينتهي بنشاطه الذي يعبّر عنه بفعله بكل وجوهه المادّية والمعنوية والبيولوجية والنفسية والوجدانية والعقلية والاجتماعية والسياسة والاقتصادية والأخلاقية والدينية والعلمية والفنيّة والتقنيّة وما إلى هذا وذاك. وهذا الفعل يأتي، إسلاميًا، في إطار ما يستطيعه الإنسان، أو يقدر عليه، أو يتمكّن منه، وفي إطار اختياره وحريّته. إنه قانون عام؛ وهو من الصحّة واليسر والاعتدال والمعقوليّة بمكان، شرط أن يأخذ طريقه إلى أرض الواقع في إطار “الأمر بالحق والعدل والنهي عن الهوى والظلم والاعتداء”، وفي إطار تكافؤ الفرص، والمساواة والعدالة الاجتماعية، في الحاجات والمصالح والحقوق والحريّات، بعيدًا عن الامتيازات والمحاباة والاستلاب فيها…. إنه بالرجوع إلى هذا القانون، اعتبارًا واحترامًا، وبما ينطوي عليه من التيسير، يصبح أداء فريضة الحج، أو القيام والعمل بأحكامه كتكليف شرعي، واجبًا على من يقدر عليه أو يطيقه، مصداقًا لما جاء في الآية: ﴿ولِلَهِ عَلى النَاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ استطَاع إليه سبيلا-﴾ (آل عمران:97)؛ وما يجري على فريضة الحج من حيث لزومية الاستطاعة للمكلّف بها، يجري على جميع التكليفات بشكل عام؛ وفقًا للقانون نفسه، يكون الإنفاق مراعيًا أحوال الناس من حيث الغنى والفقر؛ فلينفق كل منهم مما في وسعه أو طاقته، فلا يُحمّل ما لا طاقة له به، عملاً بالآية ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا-﴾ (الطلاق:7)؛ ويمكننا أن نلاحظ بسهولة كيف ورد القانون بعد الأمر بكيفيّة الإنفاق يشرحه ويحكمه. ومن خصوصية الإنفاق وفريضة الحج، ينقلنا القانون إلى عموميّة واسعة جدًّا حيث تشمل كل ما يقوم به المكلّف ويثاب عليه، من عمل صالح أو خيّر أو حسن أو جميل في إطار أحكام الشريعة والأنظمة المرعيّة الإجراء في مجتمع معين يخضع لنظام معين؛ كما تشمل كل ما يقترفه ويعاقب عليه، من عمل طالح أو شرير أو سيئ أو قبيح في السياق عينه، علمًا بأن المكلّف يكون مختارًا لهذه الأعمال وتلك، وحرًّا فيها جميعًا، وقادرًا عليها أيضًا، وقد جعل الله له القانون سابقًا لعمله، بمثابة منارة اختيار وهدى، حيث جاء في  الآية:﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ-﴾ (البقرة:286). وننهي الفقرة بالاستشهاد بآية يرد فيها القانون عامًا تمامًا، ويحكم ما تُكلّف به النفس، ويليه سجلّ بكل ما تقوم به من خير أو شرّ، وإيمان أو كفر، وطاعة أو عصيان، بكل صدق ودقّة، سجل يميّز ما لها فيه من حق وما عليها فيه من باطل، فتلقى العدل والإنصاف، ولا تظلم في أشيائها، عملاً بالآية المعنية﴿ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 62).

     وهكذا، فإن مدى حريّة الإنسان التي يؤكّدها الإسلام، يكون متناسبًا مع مدى نشاطه الذي يكون فيه مختارًا حرًّا قادرًا سويًّا راشدًا، سواء أكان بالإيجاب والخير والحق والعدل وطاعة الله ورسوله أم بالسلب والشر والباطل والظلم ومعصية الله ورسوله.

4-5- الحرّيّة البشرّية نسبيّة: إن مجرّد الكلام على مدى الحريّة في الاختيار والقدرة عليه، أو تخصيصًا في التدّين والاختلاف، أو في شرطيّتها للتكليف والابتلاء، يعني أنها نسبية، والمدى محدود سواء أضاق أم  اتّسع، أو صغر أم كبر. فماذا عن الإنسان؟ وما حدود حريّته؟ وما حدود نسبيّتها؟

4-5-أ- الإنسان نسبيّ في كلّه وبعضه: إسلاميًا، إن الإنسان في كلّه مخلوق لله، ومجعول له خليفة في الأرض؛ وهو مولود لأبوين لم يعرفهما ولم يخترهما؛ إنه لم يكن سبب وجوده بذاته في عالم الشهادة حيث أتاه بعلم الآخر وإرادته وقدرته وفعله، وسيتركه بغير إرادته وحريّته، لأنه محكوم بالفناء، وفقًا للآية ﴿كُلُّ مَنْ عليها فانٍ﴾ (الرحمن:26). أضف إلى ذلك كلّه أن الإنسان، في سائر نشاطه وحياته، يحدّه الزمان والمكان، فلا يستطيع عنهما انفكاكًا. فهل لهذا الإنسان أن يكون غير نسبيّ مهما علا شأنه في عالم الشهادة، وبلغ تفرّده، ومُيّز من سائر المخلوقات الأخرى، وعظم تفوّقه عليها جميعًا؟!

     أما في بعضه، فهو أيضًا نسبي؛ ونسبيّته هذه ليست إلاّ نتيجة منطقية يخرج بها ويقبلها كل ذي عقل سليم في ما وصلنا إليه في نسبيّة الإنسان في كلّه، أو في ما استقرأنا فيه حيث يمكننا صياغة هذه النتيجة، وتعميمها على النحو التالي: “كل من كلّه نسبيّ، فبعضه نسبيّ حتمًا”. إن الحريّة البشرية هي بعض مما للإنسان من قبيل السيادة والاستقلالية والإرادة والوسع والعقل والتذكّر والتخيّل والإدراك والذكاء وما إلى ذلك؛ إن أيًّا من هذه الأبعاض لم يبلغ مداه أو وظيفته، أو فعله، حال المطلقيّة التي يتجاوز فيها كل الحدود والقيود على أرض الواقع البشري؛ إنها أبعاض يقيّدها صاحبها ومالكها، الإنسان نفسه، فلا يُعْقل أن يكون أيّ منها مطلقًا فيه وهو نسبيّ. فالحريّة، لدى الإنسان، تكون بقدر وسعه؛ والوسع مختلف في النفوس وفقًا للآية﴿ لا يكلّف الله نفسًا إلاّ وسعها -﴾، التي تعني في ما تعنيه أن لكل نفس وسعًا، والوسع هو بعض من الإنسان، وهو نسبيّ فيه.

4-5-ب- حدود وقيود الحريّة الإنسانيّة: لقد تقدّم الكلام على أن مدى حريّة الإنسان هو في مدى نشاطه الذي يكون فيه حرًّا، ما يعني أن بعض نشاطه لا يكون فيه حرًّا؛ فنشاطه في بعضه، محدود بقيود أو موانع أو حوائل لا طاقة للإنسان بها، فيحدّه ويقيّده، بهذا القدر أو ذاك، رباعيّ من العوامل هي:

 4-5-ب-(1)– إن الإنسان خاضع، بيولوجيًا، لوراثة لم يخترها؛ إنه مفطور على حاجات حيوية من قبيل النوم والغذاء والماء والهواء، لا يملك إزاءها سوى تنظيم إشباعها، وفقًا لثقافة معيّنة، بقدر ما تسمح مرونتها المحدودة. فالإنسان يمكن أن يصوم عن الطعام، ولكن، إلى حين، وعندئذ يجد نفسه مكرهًا على الإفطار ان شاء البقاء على قيد  الحياة، علمًا بأن بقاءه على قيد الحياة نفسه لا يستطيع أن يحول دون الموت من وضع حدّ له… ولعلّه من نافل القول إن البيولوجي محدّد أساس للنشاط البشري.

4-5-ب-(2)– ان الإنسان محدود في نشاطه نفسانيًا: فمن الناحية الوجدانية، يمكنه “تثقيف” عواطفه وتهذيبها، ويقدر على توجيه انفعالاته وضبطها، ويتمكن من الحدّ من جماح أهوائه؛ بيد أنه لا يكون هذا وذاك إلاّ في هامش معين؛ ومن الناحية الذهنية، يمكنه تدريب وتنمية وظائفه النفسيّة العليا من قبيل الإدراك والتذّكر والتخيّل والتفكّر والاستقراء والاستدلال والتحليل والتفكيك والتركيب وما إلى ذلك، إلاّ أنه لا يبلغ في أي منها الكمال، لأنه بعض منه، وهو خاضع، كما رأينا، إلى الكثير من القيود، وبالتالي، لا تكون حريّته في أي منها كاملة مطلقة.

4-5-ب- (3) إن الحياة الاجتماعية تقيّد الإنسان بالقوانين والعادات والأعراف والتقاليد والقيم في إطار نظام الحكم السياسي في ثقافته ومجتمعه؛ فلا نعرف بشرًا سويًّا قد قضى حياة بشرية سويّة بمعزل عن الحياة الاجتماعية. فحريّة الإنسان لا تفلت كليًّا من القيد الاجتماعي.

4-5-ب-(4)- ان للبيئة التي يعيش فيها الإنسان، ويتم فيها نشاطه الحر، تأثيرًا على ما يقوم به في حياته حيث لا يستطيع أن يتجاهل أنه من  الضرورة بمكان أن يتكيّف مع مناخها وطبيعة أرضها.  

     وهكذا يتبيّن لنا أن حدود الحريّة البشرية تضيق وتتسع نسبيّا في القدرة على اختيار الممكنات التي يحدّد مداها “الرباعي” الذي أجرينا الكلام عليه بيولوجيًا، ونفسانيًا، واجتماعيًّا، وبيئيًا. فهل للإنسان أن يتجاوز محدوديّة حريّته؟

4-5- جـــ – تجاوز حريّة الإنسان النسبيّة محال: 4-5- جـــ – (1)-  التجاوز  المحال: إن تجاوز حرية الإنسان النسبيّة بمعنى أنه يتحكّم بما تحدثنا عنه بشأنها في الفقرتين السابقتين، ويتمكّن منه، ويقدر عليه دون أن يحدّه حدّ، أو يقيّده قيد، أو يعيقه عائق، أو يحول دون إرادته حائل، أو يمنعه مانع، معناه أنه بلغ حال “المطلقية” في قدرته وإرادته وعلمه؛ وأنه صار بهذا المبلغ إلـهًا يفعل ما يشاء، وهذا محال عليه؛ لأنه، بكل بساطة، يجوع ويعطش ويبرد ويحرّ وينام ويمرض ويتألم ويولد ويموت، الأمر الذي يكفي ليبقى عاجزًا عن تجاوز حدود حريّته، فضلاً عن بقائه في مستوى أدنى بما لا يقاس مع الألوهية.

4-5- جـــ – (2)- الإفراط في الظلم يرذل الحرّيّة: إن الحريّة البشرية في نسبيّتها لم تكن واحدة عند جميع الناس حيث يمكن أن تعبث بها أهواء السلطة والنفوذ والمال باستعمال القوة التي تفتقر إلى الشرعيّة: فهذا حاكم متغلّب، مثلاً، ينفرد بالحكم والسلطة والسياسة، ويفرط في إنفراده، فيستبدّ بشؤون الرعيّة وأمورها، ويغطي ظلمه وفساده وطغيانه بــ “إرادة الله” شكلاً، وبالقوة الغاشمة مضمونًا. أما الحق والعدل فيجعلهما في نطاق ما يخدم أهواءه ومصالحه ومطامعه. وبذلك، تتحوّل معه الحرّيّة من قيمة عليا إلى قيمة دنيا، بل دنيئة، فَتُرذَل مرتين: مرة في تعبيرها من خلاله عن الظلم والهوى والطغيان، ومرة ثانية، في تعبيرها عن الاستلاب المتمادي لحقوق الناس وحرياتهم ومصالحهم والحاجات. هذا بالإضافة إلى أن حالات التحكّم بلقمة عيش الكثيرين من الناس ليست قليلة في هذا السياق. فالتمادي المفرط في الحريّة، وإن لم يبلغ “المطلقية” بالمعنى المشار إليه سابقًا، فإنه يفضي إلى الاستبداد الذي يعتبر الأبشع والأقبح والأخطر انتهاكًا لما أراده الله من خليفته في الأرض. أضف إلى ذلك، أن وجهًا بشعًا وقبيحًا وخطيرًا تُرْذَلُ فيه الحرية أيضًا، في ظروف قاسية وقاهرة وساحقة على رأسها ظَلَمَة، تعرّض لها كثيرون من الناس حيث أفضى بهم الاستلاب المفرط لحقوقهم وحرياتهم إلى العبوديّة التي انحسرت في أيامنا، ولكنها لم تختف. فالإنسان من هؤلاء عبد مملوك لم يعد له شيء من هوية خليفة الله في الأرض سوى الشّكل.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى