مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”36″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الراحل مصطفى حمّود.

3-1-ب- (3) – الموضع السليم للفهم البشري للدين: لعلّ أهل الإيمان بالإسلام لا يخطئون إذا ما نأوا بأنفسهم عن اليأس استجابة للآية ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر:53)، ورفضوا التسليم بواقع حالهم مما أغرقهم في السوء وأشقاهم فيه، على الرغم من أنه لديهم ما ينهضون به وينهض بهم فيما لو عزموا على تغيير ما يعيقهم من أنفسهم حيث جعلهم الله أحرارًا في هذا وفقًا للآية:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11). فهل يفعلون؟! – لعلّهم.

      أجل، إننا بضرورة التغيير هذا، وبالأمل ذاك، نذهب إليهم، إلى أصحاب “الفرقة الناجية”، إلى المعتدلين منهم، وإلى الذين هجروا الاعتدال وأقلقهم بل أخافهم الآخر المختلف عنهم في الرأي أو المعتقد، ظنًّا منهم أنهم هم وحدهم على حقّ، وأنه هو وحده على باطل، فتشدّدوا وتعصبوا وتطرّفوا إلى درجة نزعوا فيها إلى استتباعه أو إقصائه أو إلغائه؛ نذهب إلى هؤلاء وأولئك، لنضع بين أيديهم، بعيدًا عن  التهجّم أو الاتهام أو الإدانة، ما نراه جديرًا بالنظر فيه، أملاً في إعادة نظر مباركة تمكّن الرسالة الموحى بها والعزيزة عليهم، من أن تأخذ طريقها من جديد ممهّدة ميّسرة إلى طرق أبواب الناس، جميع الناس، لأنها جاءت إليهم كافّة حيث يلتقون جميعًا في جوهر الإسلام وقد جعلهم ينهلون من “نور العلم”، ويسعون بـ “هدى العقل” وقد حصّنوهما بالحق والعدل والخير والسلام…

      إنّنا نقترح عليهم أن يبقوا على “فهمهم للإسلام” فهمًا مختلفًا متعدّدًا، ولكن أن يظل “أرضيًا بشريًا دنيويًا”، أي وجهات نظر مختلفة متعدّدة منسوبة إليهم، إلى ما بلغته فيها عقولهم دون تأليهه وأدلجته لا بالتصريح ولا بالتلميح ولا حتى بالاعتبار. أما لماذا  هذا المقترح بشأن الفهم المعني، فلأن هذا الموضع له يعبّر عن حقيقته بما لا يرقى إليه الشكّ. ففيه تبقى الآراء ووجهات النظر المختلفة والمتعددة، محتملة للصواب والخطأ، وقابلة للإضافة والحذف والإغناء والتعديل وحتى  التبديل والإلغاء، فلا ترقى، إذًا، إلى الكمال أو المطلق أو اليقين التام، مهما بلغت من الصحّة والصواب، ومن بعد النظر واستشراف الرؤية، ومن المعرفة المعمّقة، والاجتهاد النفّاذ البليغ، الأمر الذي يبطل أي شرعية لأي تنظير للتألّه والتأدلج، ولأي ادّعاء له بحصريّة “الفرقة الناجية” به دون التنظيرات الأخرى، ويجعل، بالتالي، جميع أهل الإيمان المختلفين يطمئنون إلى العدل الإلهي، والجزاء العادل، ونعمة العفو، وسعة الرحمة عند الرحمن الرحيم… والآن إلامَ يفضي هذا الموضع المقترح للفهم البشري المختلف للدين في ميزان الإنسان؟ وهل هناك ما يبرره ويستلزمه؟ وهل هو ممكن الإجراء، وقابل للتحقيق بحيث يخرق جدار شرور واقع الحال المزري؟

– أولاً، ان وضع “الفهم البشري المختلف للدين” في هذا الموضع السليم من وجهة نظرنا، يفضي بالإسلام وأهله إلى وضع حدّ لمأساتهما في ما هما عليه في واقع الحال من سوء وبؤس ومعاناة، بل يؤدي بهما إلى اقتلاع الشرور الآنفة الذكر التي يرزحان تحت وطأتها، وإلى بذر الخيور مكانها، وإنباتها لكي ينعما بها، وبها يتحوّل واقع حالهما المزري إلى واقع حال مبشّر وواعد بحيث (“يعاد للإسلام وحدته وهويّته ومحمديّته، وتتماهى فيه وجهات النظر المختلفة كلها” و”ينشر الوئام والسلام بين أهله على أنقاض التنازع بينهم بزوال تأليه وأدلجة وجهات النظر تلك، ما يفتح الأبواب واسعة أمامهم للتوافق والتعاطف والتعاون والتساند والتعاضد والتكاتف والتخادم وتقاسم هموم الحياة ونعمها المشتركة بينهم، كما يجعلهم ممن استثناهم الله من الخسران في إيمانهم وعملهم الصالح وتواصيهم بالحق والصبر والرحمة، وفقًا للآيتين﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾(العصر:3) و﴿-وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾(البلد:17)”. و”يطلق العنان لإعمال العقل في ما يخدم خليفة الأرض، وينهض به، إذا ما أحسن تحصينه بالقيم العليا من قبيل الحق والعدل والخير والسلام، ويعمل على تفنيد الاستبداد وإفرازته بعد تحرّره من الدين المتواطئ مع الحكم المتغلّب”، و”تختفي مصادرة او اختزال الإسلام في فئة واحدة ليأخذ مداه، ويسلك كل السبل إلى الناس كافّة”، و”يرمّم الأساس المكين للقاعدة الكبرى لحقوق وحريات الرأي والمعتقد والاختلاف”، و”يعاد الاعتبار والاحترام للآخر المختلف قبولاً ومسالمة واعترافًا به مساويًا ومكافئًا في الحقوق والواجبات”، مع الإشارة إلى أن محور هذه الخيور قائم في غياب تأليه وجهات النظر المختلفة وأدلجتها، أي في بقائها أرضيّة بشرية دنيوية، ما يجعلها في خدمة الإنسان، وتيسير حياته، وتوسيع هامش خياراته وقد تفاعلت وتكاملت، فأغنت وفاقت في أهميتها ومكانتها وقيمتها كل ما بلغه منفردًا أي منظّر لأي منها، وعمّت بخيرها الجميع… ولعلّه من نافل القول إن هذا الموضع المقترح للفهم البشري المختلف للدين، المفضي إلى هذه الخيور، إذا ما اقترن بثقافة الحريّة المسؤولة، وتكامل معها، سيكون “قاب قوسين أو أدنى” من هز الجمود، وتحريك عوامل النهوض، وتفعليها في إطار ما يستحق سيد عالم الشهادة، ويليق به.

– ثانيًا، ان الموضع المقترح للفهم البشري المعني، يبرّره العلم والمنطق والحس السليم التي تلتقي في جوهر الإسلام الكائن لخدمة الإنسان، وصالح أمره دون سواه في الدنيا والآخرة. وهو إلى ذلك، يتجلّى حاجة ملّحة له، وعاملًا لازمًا وضروريًا لنهوضه وتقدّمه. إنه يندرج في سوية الأمور وطبائعها إذ يترتّب على كيفية تلقي الناس للدين الذي تركه لهم متلقّيه الحصري النبيّ المصطفى من الأمين جبريل. ان تلقيهم للإسلام المحمدي، كما هو قائم في واقع حالهم، جاء مختلفًا متفاوتًا متعدّدًا بقدر أو بآخر في فهمه والإيمان به وممارسته. وهذا لم يكن أمرًا غريبًا أو شاذًا، بل كان طبيعيًا وسويًا لكونه قد صدر عنهم وهم المختلفون المتفاوتون النسبيون المتفرّدون، الأمر الذي يقبله المنطق، ويأخذ به الحس السليم، ويثبته العلم، ويؤكده القرآن في الآية:﴿-وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا –﴾ (الزخرف:32). ومن سويّة الأمور وطبائعها أيضًا أن يبقى هذا التلقّي المختلف المتعدد للدّين أرضيًا بشريًا دنيويًا لكونه فعلاً للإنسان بهذا الوصف بحيث يظلّ التداول فيه عبارة عن وجهات نظر مختلفة ومتعددة تحتمل في كل ما يقوم به البشر، الصواب والخطأ في إطار وحدة الإسلام قرآنًا وسنّة، الأمر الذي يفضي بها، إذا ما أحسن الإنسان بميزانه التدبّر في تفاعلها الإيجابي، إلى تعميق معرفته، وإغناء خبرته، وتوسيع هامش خياراته، وتيسير حياته، وإلى تعميم خيرها، وتشجيع التواصل بين أصحابها، وبينهم وبين سواهم ممن يرى خيرًا له في بعضها أو كلّها. بيد أنها وعلى الرغم من عظم فائدتها وإيجابيتها وخدمتها، وكبر قدرها وشأنها ومكانتها وأهميتها وقيمتها، لم تبلغ بمنظرّيها على اختلافهم وتعددهم وبعد نظرهم وتعمّقهم في الاجتهاد، وإخلاصهم في العلم، وصدقهم في الإيمان، لم تبلغ بهم الحقيقة الكاملة ولا اليقين التام، بل جلّ ما يبلغه أي من منظريها يبقى جزءًا من الحقيقة دون غاية اليقين ليس إلاّ، الأمر الذي يبقيها نسبية لا تخرج من جلباب أرضيتها وبشريتها ودنيويتها، ولا من دائرة معقوليات الإنسان…

وهكذا يجد الإنسان بميزانه التبرير الكافي الوافي للموضع المقترح للفهم البشري المختلف للدين، الذي يؤسس للائحة الخيور الآنفة الذكر، في إطار وجوه سويّة الأمور وطبائعها هذه. فهل يرى فيه ما يسد به حاجة له ملحّة؟

ان الجواب المرتجى يتوقف على ما إذا كان أهل الإسلام، في ما هم عليه من حال مزرية في العالم، يريدون فعلاً  التخلّص مما يعانونه من شرور “الفهم البشري المختلف المتألّه المتأدلج للدين” لينعموا بالخيور المترتّبة على أنقاض هذه الشرور بفضيلة الموضع المقترح “للفهم البشري المختلف له”. لعلّهم يفعلون.

إننا بالرجوع إلى الإنسان الجدير بخلافة الأرض، والناجح في ابتلائه بها، والمحصّن بالأخلاق والقيم العليا، وبالعقل الرشيد، والحس السليم، والإرادة الطيبة، والحرية المسؤولة، نرى أنّ “لائحة الشرور” التي يرزح تحت وطأتها الإسلام وأهله، و”لائحة الخيور” التي يمكن أن ترفع هذه الوطأة لينهض بها الإسلام وأهله، أو لتنهض بهم، تشكّلان حاجة ملحّة لهؤلاء، ذات وجهين سلبي وإيجابي، يتنافيان في التواجد: فالشرور تشكّل فيها الوجه السلبي الغالب في التواجد والنافي للآخر، والخيور تمثّل فيها الوجه الإيجابي المغلوب في التواجد والمنفي عنه بالتالي، كما هي  الحال في واقع الأمر الآن. ومع ذلك، فان الإنسان – الخليفة  يرى أن هذه الحاجة  المزدوجة التي يتنافى فيها السلبي والإيجابي، تلحّ عليه بسدّها، أو بالأحرى، يلحّ هو على سدّها بنحو يعيد للأمور سويتها وطبائعها ومجراها الصحيح بحيث يصبّ أي فهم للدين في خدمته وصالح أمره، لأن الدين هذا جاء هدى للناس ورحمة للعالمين ليس إلاّ. لذلك، فإن الإنسان – الخليفة يرى بميزانه أن “الموضع المقترح” للفهم البشري المختلف للدين، يمكّنه، في آن واحد، من “لائحة الشرور” المتأتية من بدعة التأليه والأدلجة للفهم البشري، الطارئة على الإسلام، والمدمّرة له ولأهله، بحيث يقتلعها ويبعد شبح انعكاسها السلبي في واقع حال هؤلاء؛ كما يمكّنه أيضًا من بذر “لائحة الخيور” المترتّبة على أصالة الموضع المقترح لهذا الفهم، وإنباتها على أنقاض تلك الشرور، وإسهامها الإيجابي في تحريك وتفعيل عوامل النهوض والتقدّم في ذلك الواقع المزري. علمًا بأن هذا التمكين لا يخرج عن مقدوره، ولا يتعدّى حقوقه، بل لا يخرج عن كونه تغييّرًا جعله الله رهن حريّته وفقًا للآية ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ-﴾ (الرعد:11)، لأنه من حقه وواجبه وفي طاقته ومسؤوليّته؛ وما كان في مساحة هذا الرباعي، كان له حاجة ملحّة، بل كان من اللزومية له بمكان… ولكن إلى أي مدى يمكن تحقيق المقترح بشأن الفهم البشري المختلف للدين؟

  • ثالثًا، إنّنا لا نتجاهل ما في واقع حال الإسلام وأهله من تعقيدات وإحباطات ومفارقات، وقد أفسد فيه “الفهم البشري المختلف المتأله المتأدلج السائد الشائع للدين” ما أفسد، وأساء ما أساء، ودمّر ما دمّر، مما أوجزناه بلائحة الشرور وانعاكسها السلبي في هذا الواقع المرير. كما أننا لا نستسهل التغيير المنشود الذي يحمله أو يقتضيه “الموضع المتقرح للفهم البشري للدين”. فإذا كان هذا الموضع المقترح من حيث المبدأ يندرج في دائرة الممكنات، فإنه من حيث التطبيق يبدو مستعصيًا جدًّا، بل معجزًا، إن لم يكن محالاً، نظرًا لتاريخ “الفهم المتأله” الذي يمتدّ بضعة عشر قرنًا من الزمن، يترسخ فيه ويتثبت ويتجذّر ويتجلّى في عقائد متخالفة ذات حقائق “يحميها التقديس الإلهي والهالة النبوية وما ماثلها أو تجاوزها”، ويُكفّر الشك فيها والانتقاد لها، وتُقدّم على أنها شاملة كاملة كافية وافية، وتدّعي تجسيد الإسلام وبلورته فيها كما أراده الله ورسوله؛ وتتجاهل أن كلّا من منظرّيها المختلفين بل المتخالفين، كان قد صادر هوية الإسلام، وماهاها في هوية عقيدته، وأقفل عليه فيها بإحكام، وادّعى ان عقيدته وحدها تعبّر عن جوهر الإسلام الذي أوحى به الله، وتلقاه وبلّغه ومارسه نبيّه المصطفى… فكيف، إذًا، يأخذ “المقترح” سبيله إلى التحقيق، وأمامه تأليه المختلف فيه، الذي يبرر ويغطي أدلجته؟

      إذا كان هذا هو واقع الحال المرير؛ وإذا كنا ننحاز إلى القول باستحالة خرق “كماليّة ومطلقية وإلهيّة” تلك العقائد بحيث ينظر إليها وفيها على أنها نسبية لكون “بناها” أرضية بشرية دنيوية، لأننا لا نقدر على إبطال تأليه هذه “البنى”، الذي يغطي أدلجتها (عقدنتها) مباشرة أو مداورة أو تلميحًا أو اعتبارًا، بسبب تاريخه المديد الذي استتبع النفوس، واستلب العقول التي اعتادت تكرار نفسها في تكرار إنتاج هذه العقائد مع تعميقها وبلورتها وأوحديّتها في “المعرفة التامة، والحقيقة الكاملة والإلهية المطلقة”، لا يأتيها الباطل ولا الخطأ ولا النسبية من أية جهة؛ وإذا كانت هذه العقائد قد أحكمت الأقفال على فهمها للإسلام وجعلت المفاتيح لا تعمل إلاّ لأجل أتباعها وأشياعها والمريدين، فإننا لا نستسلم، لاعتقادنا أننالم نعدم الوسيلة، ولم تعوزنا الحيلة بعد… إننا لا نزال نشعر بأننا نملك هامشًا ضيّقًا من الخيار وحريّة الحركة فيه. فينبغي لنا، بل يجب أن نحسن تدبّر ما نرمي إليه فيه. كيف؟ – إذا كنا عاجزين عن جعل منظّري العقائد المتخالفة وأتباعهم أن يكفّوا عن توظيف “فهمهم البشري المختلف المتألّه المتأدلج” المنسوب زورًا وتضليلًا إلى الله ورسوله، في تبرير وتغطية ما بلغوه في آرائهم ورؤاهم واجتهاداتهم وقد وفّروا له الإطار الإلهي – النبوي الذي يقطع الطرق والسبل إلى نقده، فضلًا عن انتقاده حيث يتكوّن عندهم موقف سلبي من الآخر المختلف، ذو درجات ومستويات قد تصل في حدّتها وشدّتها إلى تكفيره وإلغائه، فإنه لا بدّ لنا من أن نضع بين أيديهم “الكلمة الطيبة، وحسن القصد، والمسعى الحميد، وحكم ميزان الإنسان”، أملًا منّا في أن يعمدوا إلى إعادة النظر في إعمال العقول بحيث ينهضون بشجاعتهم الأدبيّة أمام مرآة أنفسهم، ويعترفون علنًا وبوضوح بأن “تأليه الفهم البشري” لا شرعيّة له، لأنهم بشر، والبشر نسبيون لا يملكون صفات إلهية تمكّنهم من جعل ما هو نسبي من قبيل “فهمهم هذا” كاملًا أو مطلقًا، الأمر الذي يماشي ويواكب الحقيقة المطابقة للواقع، لأنه إذا كان الإنسان عاجزًا عن تلقي الكمال والمطلق في ما أوحى الله به إلى أنبيائه والرسل لأنه نسبي في بعضه وكلّه، فهل يكون قادرًا على جعل “الناقص النسبي” كاملًا مطلقًا، والنقص والنسبية يلازمان طبيعته؟! ولو فرضنا الإيجاب، والعياذ بالله، أفلم نجعل من الإنسان شريكًا للخالق في ألوهيّته، وهو المؤمن الشاهد بأن الله واحد أحد لا شريك له؟!. ولعلّه من المنطق، وسوية الأمور وطبائعها، ومما تتطلبّه الحاجة الملّحة، أن ينسحب ذلك الاعتراف على “أدلجة” الفهم  البشري المختلف للدين بحيث تكون العقائد في بناها، منسوبة إلى منظرّيها، فلا يجوز وصفها “بالإلهيّة والكمالية والمطلقية” لأنها، بكل بساطة، من “بنات أفكار” هؤلاء المنظّرين وهم بشر. هذا الاعتراف المزدوج بعدم شرعية “تأليه الفهم البشري وأدلجته”، يجب أن يعمّم ويصبح ثقافة للمنظرين وأتباعهم وأشياعهم ومريديهم – ما أصعبها من مهمة!-، الأمر الذي يؤدي إلى خرق ما في جدار “لائحة الشرور” القائمة على “الفهم البشري – المتأله للدين” في واقع  حال الإسلام وأهله؛ إنه خرق بالحد  الأدنى،ولكنه، رغم ذلك، ضروري ومن اللزومية بمكان، ألا وهو ما نأمل أن يتحقق في الأمور الهامة والضرورية المترتّبة على “الاعتراف المزدوج” فيما لو أخذ سبيله إلى الحدوث، واستتبع مترتّباته. إنه خرق يحدثه تأكيد “الاعتراف” على أرضية النشاط الإنساني وبشريّته ودنيويّته ونسبيّته التي تؤسّس لثقافة إنسانية لا بدّ منها إذا ما أراد أهل الإسلام أن يخرجوا من ظلمات واقع حالهم المزري، ثقافة تصحّح وتحرّر ثقافتهم الراهنة السائدة الشائعة مما فيها من “تأليه لعقائدهم” التي لم تخرج عن كونها نشاطًا بشريًا لا يؤلّه، والتي “ما أنزل الله بها من سلطان” (4)، بحيث تنتهج سواء السبيل والصراط المستقيم من غير مفارقات مدمّرة، في الحياة الدنيا، للإنسان الذي أعفاه الله مما ليس بطاقته أو وسعه، وقد تفرّد تعالى وحده بالالوهيّة، وترك للإنسان أن يصول ويجول، ويسرح ويمرح، ويبلي البلاء الحسن في خلافته وسيادته على الأرض بما يحقق ذاته وحريّته وكرامته وفقًا لمحدودية طبيعته، ونسبية إمكاناته وقابلياته وأهلياته التي وإن ميّزته من سواه، وتفرّد بها بين غيره، وتفوّق عليه، فهي لا يمكنها أن تكون “إلهية أو مطلقة أو كاملة” في شيء. فالرحمة والحكمة والتقوى والعدل عند من عرف حدّه فما تعدّاه.. ان وضع الاعتراف المزدوج في ميزان الإنسان يجعلنا نقرأ في ما يؤشّر إليه المترتبات الثلاثة التي وصفناها بالأمور  الهامة والضرورية، وهي:

  • الأمر الأول وهو رد الاعتبار للآخر المختلف “القريب الذي يندرج في دائرة الاختلافات الإسلامية”، و”البعيد الذي يدخل في نطاق غير الإسلام وفي طليعته الغرب” بحيث يبقى الاختلاف وجهة نظر بشرية تحتمل الصواب عند جميع الناس، ما يفضي إلى الاعتراف به في مثلّث “المقبولية والمساواة والتكافؤ”؛
  • الأمر الثاني الذي يتكامل مع الأول، وهو تكريس الحقوق والحريات للناس كافة في الرأي والمعتقد والاختلاف، عملاً بالنصوص القرآنية الصريحة البليغة  من ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ (البقرة:256) و﴿لَكُمْ دِيْنُكُمْ وَلِيَ دِيْنِ﴾ (الكافرون:6) و﴿اللهُ يحكُمُ بَيْنَكُم يَومَ القيامةِ فِيمَا كُنتُمْ فيه تَخْتَلفِونَ﴾ (الحج:69)”؛
  • الأمر الثالث، هو رفع الحصار عن إعمال العقل، وفك أسره، وكسر قيده، وهدم سجنه وإخراجه من “ظلمات” إعمال عقول المنظرين للعقائد المتخالفة الذين حاصروه وأسروه وقيدوه وسجنوه ورسموا له حدودًا بما ارتآه كل منهم باسم الدين والدين من هذا كلّه براء. إن إطلاقه، ناقدًا حرًّا، من الأهمية بمكان. إنه ميزان لا يضاهيه ميزان؛ به يزن الإنسان أموره ويتدبّرها ويقوّمها ويحكمها، وينعم بخدمته في اكتساب المعرفة وإنتاجها وتوظيفها وقد حصّنه بالقيم العليا من قبيل الحق والعدل والخير والسلام والمساواة والحرية والكرامة.

      ولكن، هل يتيح أهل الإسلام هؤلاء لبعض ما عندهم من الدافعيّة والعقلانية والحكمة والشجاعة لكي يعترفوا فعلاً بلاشرعية “تأليه الفهم البشري وأدلجته” وبشرعيّة بشرية “الفهم” أو دنيويّته التي تعبّر عن حقيقة مطابقة للواقع؟! وإذا أنكروا هذا  التأليه، فهل يقدمون على فك الارتباط بين عقائد مذاهبهم وفرقهم وأحزابهم وجماعاتهم وحركاتهم وتياراتهم التي بنينوها بإعمال عقولهم البشري، وبين نسبتها إلى الله ورسوله أو الاحتجاج بهما لها؟!

      ان الجوب  الفعلي هو عندهم وعندهم فحسب. انه تغيير ما بأنفسهم، تغيير فهمهم البشري المختلف المؤلّه المؤدلج للدين، الذي وضعوه في غير موضعه، في الموضع الخطأ، ما يجعلهم يعانون من وطأة لائحة الشرور الشهيرة؛ إنه تغيير لو أحدثوه، لكان لهم به نقطة تحوّل تاريخي مفصلي في حياتهم، يذهبون به إلى سواء السبيل، ما يجعلهم ينعمون بلائحة الخيور التي يحققونها على أنقاض تلك الشرور…. هل يفعلون؟ – لعلهم. إنهم يعانون من البؤس والسوء والقهر والتأخّر، ما يجعل المرء يأمل في أن يفعلوا، لأن هناك ما يكفي لاستثارة دافعيتهم استثارة مضاعفة، نعني “لائحة الشرور” التي تدفعهم إلى التخلّص والتحرّر منها، و”لائحة الخيور” التي تدفعهم إلى الحصول عليها والتنعّم بها؛ وهناك أيضًا ما يحضّهم على حسن إعمال العقل بحيث يقبلون ما يبلغه من تعليل للأمور، اقتداء بما يتبيّن لهم من السنّة النبوية حيث قاد الرسول الأمة واضطلع بمهام وأعباء الرسالة تحت مظلّة العقل (5)، واستجابة لما يحثّهم عليه القرآن من إعمال العقول في أمورهم من قبيل مصلحتهم في التخلّص والتحرّر من الشرور التي تبئسهم وتشقيهم وتؤّخرهم في حياتهم، وفي الحصول على الخيور التي ترفع عنهم البؤس وتنعّمهم وتمهّد لهم السبل إلى  النهوض والتقدّم. فلنتأمّل في الدعوة إلى إعمال العقل في الآيات:﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(الرعد:4)،و﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾(آل عمران:118)،و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾(يوسف:2)، و﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(المؤمنون:80). ألا يندرج واقع حال أهل الإسلام في ما يستحق إعمال العقل فيه، فيستدعي منهم أن يستجيبوا لله في حضّهم على ان يعملوا عقولهم؟! وإذا كانت الحكمة في معرفة أفضل الأمور، وحسن التصرف والتدبّر فيها، فهل من الحكمة أن يبقى أهل الإسلام يئنّون تحت وطأة سوء ما هم فيه من شرور، وهم قادرون على رفعها، والولوج في دائرة التنعّم بالخيور؟! أما الشجاعة فلا تعوزهم، إنما المطلوب منهم أن يزيلوا من أمامها المقاومة التي تبديها آلية التعوّد على التأليه المزمن، واعتياد تكرار إنتاجه. أفيغلو عليهم الثمن، وبه يتحرّرون وينهضون ويشغلون مكانهم الذي طال شغوره، في مسيرة الحياة في العالم، مشاركين مواكبين؟!.

      وبعد، فإننا نوجز الحقائق التي ستلي ونضعها بين يدي ذوي “الفرقة الناجية” لمزيد من الحض على التأمّل والتفكّر والتعقّل في إطار ما يقتضيه تكليف الله الإنسان بخلافة الأرض والابتلاء بها وميزانه بحيث يحصّن سيادته ويعزّز حريّته المسؤولة ويرقّي كرامته:

  • إن تلقّي الدين بشري مختلف لا يتألّه، ولا يؤلّه الأدلجة للمذاهب والفرق وما إليها؛ ففي سياق هذه الحقيقة، لا شيء يقوّض وحدة الإسلام ولا يصادر هويّته، ولا يشرذم أهله، ولا يشتتهم، ولا يُذْهِب ريحهم؛
  • ان اختلاف هذا التلقي منطقي وطبيعي لا يخرج عن سوية الأمور وطبائعها، لأن المتلقين، وهم الناس، نسبيون ومتفردون، ومختلفون في تفردهم ونسبيتهم؛
  • ان تأليه التلقي، بأي شكل من الأشكال، فهمًا وإيمانًا وممارسة، هو فعل بشري لا يتعدّى عنديّات الإنسان؛ فهو، إذًا، لا شرعي، ويبقى مجرّد وجهة نظر بشرية تحتمل الصواب والخطأ، ولا يبلغ نهاية الحقيقة مهما علا شأنه؟
  • إن الحقيقة ليست حكرًا على أحد، ولا تعطي أحدًا امتيازًا على أحد من قبيل حق الاستعلاء أو الاستتباع أو الإقصاء أو الإلغاء أو التشدّد أو التعصّب أو التطرّف إزاء أي أحد آخر تحت أي ذريعة، لأن نسبيّتها المنسحبة على النشاط البشري كلّه، تجعل الناس، كل الناس، متساوين متكافئين في انتمائهم إلى خليفة الله في الأرض في ما لهم وما عليهم، وبوجه خاص، في حقوقهم وحرياتهم في الرأي والمعتقد والاختلاف على الأقل؛
  • ليس هناك ما يبرّر أو يسوّغ لأي فئة من البشر أن تتشدّد أو تتعصّب أو تتطرّف ضد أي فئة أخرى منهم، انطلاقًا من تلك الحقوق والحريات التي تستلزم الاعتدال فيها عند جميع الناس؛ والاعتدال في الرأي والمعتقد والاختلاف معياره الاعتراف بالآخر المختلف مقبوليّة ومساواة وتكافؤًا. فكل ما يتجاوز هذا المعيار فهو يباشر الاعتداء عليه. إن التشدّد أو التعصّب أو التطرّف ما هو إلاّ انتهاك لشمولية الرسالة واجتزاؤها وتقزيمها واعتداء عليها، ما هو إلاّ ظلم للآخر المختلف وطغيان عليه باسم الله ورسوله من غير تكليف منهما به لأي أحد أو فئة، والظلم يذهب بنور الهدى والعلم والعقل جميعًا.

      وأخيرًا، إذا كان صحيحًا أن طريق الهدى هو شرح الصدور للإسلام، فان الصحيح أيضًا هو ان استمرار الإسلام فيها لا يكون بتضييقها أو بإقفالها عليه.

3-2- العقل ملاذ الإنسان للفهم: لقد تبيّن لنا بوضوح تامّ مدى لزوميّة إعمال العقل للدين والتدّين به، ومدى احتياجهما إليه حتى يمكن الحديث عنهما في حياة الإنسان الذي يأخذ بهما لأنهما يندرجان في ما يعنيه في عالمي الشهادة والغيب. ولكن الدين ليس كل ما يعنيه، بل هو، على أهميته الكبيرة، ومكانته الرفيعة، لا يعدو كونه جزءًا أو بعضًا من هذا الكل. إذًا، ماذا عن لزومية إعمال العقل والاحتياج إليه في ما سوى  الدين؟ وهل هناك ما ينافسه في ملاذيّته للفهم؟ وإلى أي مستوى من اليقين يصل الفهم به؟ أيمكن الإنسان مواكبة الحياة مشاركة وإسهامًا في الإبداع والتطوّر من دون إعماله الحرّ؟ أين يقف القرآن من كل ذاك؟… لعلّ الخبر اليقين هو في ما نسعى إليه في البحث عن الأجوبة في إطار ملاذيّة العقل للفهم انطلاقًا من الموضع السليم له من وجهة نظرنا التي يشاطرنا فيها الكثيرون أو نشاطرهم فيها:

3-2- أ- العقل ملاذ الإنسان لفهم كل ما يعنيه: ان احتياج الإنسان إلى إعمال عقله ولزوميّته له، في الدين أو بالإضافة إليه، يطّردان في كل ما يعنيه ويهتم به في حياته لفهمه ومعرفته والتصرّف إزاءه إيجابًا وسلبًا. فهو يرجع إليه لكل ذلك في سائر نشاطه. إنه يلوذ به في القيام بأفعاله، وسدّ حاجاته، وتحقيق رغباته، وإدارة مصالحه، واكتساب معارفه وإنتاجها وتوظيفها، ومواجهة مسائله ومعالجة مشاكله، والسعي لما فيه نفعه وخيره وتقدّمه، وتجنب ما فيه أذاه وشرّه، وفي بيئته وجماعته ومجتمعه وعالمه، وفي كل ما يتّصل بحياته وأرضه مؤثّرًا فيهما أو متأثّرًا بهما، من الكون. فالإنسان في معتركه الحيوي هذا، ينزع دائمًا إلى المزيد من التمكّن مما يعيق سيادته في عالمه الفيزيائي، وإلى المزيد من التحضّر والتطوّر والترقّي… ومما يؤسف له في هذا النزوع الأصيل هو ان الإنسان لم يستطع حتى  الآن أن يتجنّب الكثير من الشرور التي تترتب عليه والتي يتسبّب هو نفسه بها عن سوء تقدير أحيانًا، وعن علم مسبق أحيانًا أخرى… والإنسان هذا، في خيره وشرّه، ليس له سوى  العقل يفهم به ويعرف، وبه يبرر ويدافع، وبه يصبح ما يهتم به معروفًا له، ما يمهّد له السبل لاتخاذ الموقف أو الاتجاه أو السلوك المناسب في ضوء مصالحه واهتماماته وقيمه وقوانين جماعته ومجتمعه. ولعلّه غني عن البيان أن العقل مثل المعرفة أو العلم، هو سلاح ذو حدّين يمكن استخدامه لخير الإنسان كما لشرّه: ففي حياتنا اليومية، يمكن أن يلاحظ كل منّا أنه إذا ما أقدم على شيء معين، فله من عقله ما يدافع به عن إقدامه؛ وإذا ما أحجم عنه، فله من عقله أيضًا ما يذود به عن إحجامه، وفي السياق نفسه، لعلنا نتفق على أن الخارجين عن سلطة الدولة أو عليها في أي مكان من العالم، يتصرّفون بعقول لا تقل أهمية وفاعليّة عن عقول المكلفين بملاحقتهم والتصدي لهم؛ كما نعلم أيضًا ويعلم العالم بأسره عبقرية العقول المشتغلة في الطاقة النووية لأغراض سلميّة، وتلك المشتغلة فيها لأغراض تدميرية… فالعقل تابع للشخص الذي يعقل به ما يعنيه: يحدّد طبيعته ويصنفه ويقوم بكل ما يلزم من المقارنة والمماثلة والتحليل والتركيب والتعليل والتفكيك والاستدلال (تماثلًا واستقراء واستنتاجًا)(…) ليخرج من كل ذلك بحكم معرفي، نصيبه من اليقين تابع أو متوقف على ما يتمتع به هذا الشخص من علم وخبرة ومعايير ومقاييس. أما كيف يستخدم هذا الحكم المعرفي فعائد إلى الشخص نفسه، ويخضع لكثير من الاعتبارات أو لبعضها من قبيل القوانين والأعراف والتقاليد والعادات والدوافع والمصالح والقيم والمعايير الأخلاقية والمنطقية والدينية… وربما كان علينا ألاّ نقلّل من أهمية المعرفة هذه التي يقف وراءها العقل، لأنها في الوقت الذي تكون فيه أساسًا في صحة التمييز بين الخير والشرّ، بين النفع والضرر، بين الجمال والقبح(…)، فإنها تكون شرطًا ضروريًا لصحة الاختيار والحريّة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه بغياب هذه المعرفة بغياب العقل أو بتغييبه، يصبح الإنسان ألعوبة تعبث به الأهواء والغرائز، وينحدر معها إلى عالم البهائم في تصرّفاته ونمط حياته… فيا لسوء فقدان نعمة إعمال العقل! ويا لحسن التدبّر به!…

      وهكذا نلاحظ أنه ليس بين يدي  الإنسان سوى إعمال عقله لفهم ومعرفة ما يعنيه في عالم الشهادة. فالعقل ملاذه الوحيد في ذلك، ولا يضاهيه شيء، حتى عندما يلوذ بغيره؛ كأن يلوذ مثلًا بالسحر والأديان لكون مصدرها ماورائيًا. بيد أن هذا اللوذ لا يغيّر من طبيعتيّ السحر والدين شيئًا حيث يبقيان موضوعًا للفهم ولن يكونا أداة طبيعية أصلية له كما هي حال العقل، فضلًا عن “حقيقة أن من يقدّم السحر والدين ملاذًا للفهم والمعرفة والتصرف” لا يفعل إلا بفضل إعمال عقله. فإذا كان ديدن الشخص في الفهم والمعرفة والتصرف أن يرجع إلى  السحر أو الدين أو إلى كليهما، فإن ديدنه أيضًا أن يستخدم عقله لتبرير ما يأخذه أو يتبناه من هذين الملاذين، وللذوذ عنه. بيد أن العقل في ملاذيّته هنا تابع ومنفعل، يأخذ بتلابيبه التعوّد والاعتياد والتبعية، وهو بذلك يكرر نفسه بمقدار ما ينجح في تبرير ما يلوذ به صاحبه، وبذلك أيضًا يبطئ التغيّر والتطوّر في المجتمع حيث يحدثان بأدنى وتيرة وأدنى سرعة تقتربان من الجمود والسكون. ولكن هذا لا يكون إلاّ في حال خلوّ ساحة الفعل لمثل هذا العقل، أو في حال استبداد مثله بها تسلّطًا وقهرًا وقمعًا، لأن المجتمع عامة لا يخلو لنمط واحد في نشاط العقول، بل نجد في جنباته عقولاً تنقد وتنتقد خارجة عن النمطية السائدة وحتى عليها، ولو همسًا وتلميحًا وإشارة. وهذا يشكل، ولو بالحد الأدنى، مساحة ما لحوار ما، أو لتنافس سلمي ما. أما إذا استبد بالمجتمع نمط واحد من نشاط العقول، فقد يكون أو يصبح عنيفًا أو صداميًا، وقد يبلغ الذروة في تحوّله إلى إلغائي، فلا يعترف بالآخر ولا يقبله… ان بلوغ الاستبداد حد الإلغاء للآخر، يطرح كثيرًا من المسائل للدرس والاعتبار، ليس ميزان القوى منها سوى وجه دونه وجوه… فالعقل في ملاذيّته يكون دائمًا رهن إرادة صاحبه لا يملك القرار ولا القيام بالفعل.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى