مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”37″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
3-2-ب- العقل في ملاذيّته يواكب الإنسان في الحياة الدنيا: إننا نفرد فقرة لما تتميّز به ملاذية العقل من ديناميّة تمكّنه من مواكبة الحياة في حراكها، وتفتقر إليها ملاذية سواه لما فيها من نزوع إلى الثبات المحاكي للسكونية الذي يقلقه ذاك الحراك. فالعقل في ملاذيّته يواكب الإنسان في مسيرة حياته، مرونة وطموحًا وفضولية وثقافة، ويواكبه أيضًا في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وفي الميول والاهتمامات والاتجاهات، وفي التحضّر والتقدم والتطور كما في التوحّش والتأخر والجمود، وفي تعدّد الأمكنة وتنوّعها كما في تعدد الأزمنة وتنوّعها، وفي الخير والجمال والحرية كما في الشرّ والقبح والاستبداد… إنه في هذا وذاك، يضع المعرفة بين يدي الإنسان الذي يقرر بشأنها الفعل الذي يوظفها في القيام به وإنجازه. إن حدوده في كل ذلك هي حدود الإنسان، وقيوده، كذلك هي قيود الإنسان نفسه. أما هذه القيود فتتكسّر بفعل تحرّر الإنسان مما يكبّله، وتعاظم سيادته؛ وتشتد وطأتها بتراجع ذاك التحرر، وتناقص هذه السيادة. وأما تلك الحدود فليست ثابتة؛ إنها تتسع بتزايد تمكّن الإنسان مما يعيقه في عالمه، وتضيق بانحسار هذا التمكّن.. فالعقل في مواكبته هذه، وفي ملاذّيته الطبيعية الأصليّة، سبّاق في إسهاماته في ما يقوم به الناس، ويشاركون فيه، ويبدعونه ويواكبونه، وهو مظلوم بمقارنته بأي ملاذ آخر يفتقر إلى إعمال العقل فيه ليكون مفهومًا معروفًا.
هذا كلام موجز عن ملاذية العقل للإنسان المحتاج إليه دائمًا في سائر نشاطه وسائر حياته؛ إنه غيض من فيض ما يغطي إعمال العقل من ألوان النشاط البشري ووجوهه. فكيف نقرأ موقف القرآن من هذا كله؟
3-2-جـ- القرآن يحض على ملاذيّة العقل ويدعو إليها: إن القرآن، وإن لم يأتِ على ذكر العقل بلفظه، إلاّ أنه عبّر عنه بالقلب واللب والنهى والبصر والحِجْر، كما عبّر عن أهمية وضرورة إعماله من خلال مروحة من الأفعال الدالّة على النشاط العقلي في ما يعني البشر، وبوجه خاص، أهل الإيمان منهم، نذكرها بصيغة المتكلم الجمع من قبيل (نعلم ونعرف ونعقل ونفقه ونتفقه ونتذكر ونتفكر وننظر ونشعر ونتدبّر)، حيث نقرأ في هذا وذاك، حضًّا للإنسان على الرجوع إلى عقله، ودعوة له إلى إعماله في ما يعنيه في الدنيا والآخرة. وها نحن نعرض لبعض من الكل الشامل الذي يعني الناس في حياتهم ويؤكد عليه القرآن الكريم في سياق الحضّ والدعوة هذين:
3-2-جـ-(1)- في زينة الأرض: ان الإنسان المكلّف بخلافة الأرض أو الكاشف ذاته أنه سيدها، يجد نفسه عليها وقد سخّرت له نعمها أو زينتها، يسعى لإعمارها واستثمارها ما وسعه الإعمار والاستثمار دون إفساد فيها، إن هو ائتمر بأمر الله. فهو يأكل من ثمرها، ويستفيد من نباتها وحيوانها، ويؤمّن لأنعامه من إبل وبقر وضأن وما إليها مما فيها من كلأ… ويبدو بعض زينتها له في حدائق وبساتين، فيها النبات من كل الألوان والأنواع، المثمر وغير المثمر، والمشجّر وغير المشجّر؛ وفيها الحيوان المتعدد والمتنوّع والمفيد الكثير؛ وفيها ما يجب الحذر من ضرره وأذاه؛ وفيها ما يزرعه وما يحصده.. ويأخذنا الانتباه إلى بقعة من الأرض من تربة واحدة وتسقى بماء واحد، فإذا بنا أمام ورود مختلفة، وأشجار مثمرة مختلفة، وأعشاب مختلفة وقد نبتت كلّها من التربة الواحدة نفسها ورواها الماء الواحد نفسه! وهذه البقعة يمكن أن نجدها في أي حديقة تابعة لبيت يسكنه الإنسان. إنها آيات بيّنات، وحجج وبراهين دامغة، وعلامات ودلائل هادية يعيها العاقل (ذو العقل أو اللّب أو البصر أو القلب أو الحجر)، فيسلّم بعظمة الخالق ووحدانيته وإحكام تدبيره، حامدًا شاكرًا، إذا كان مؤمنًا. وربما تساءل ودفعته فضوليّته إلى التحليل والتعليل، علّه يفوز بإجابات علمية وضعية، إذا كان ممن يرجع إلى العلم. ولكنه، في الحالين، يتجه نحو حسن إعمال عقله في العناية بالأرض تأمينًا لاستمرار أن ينعم بزينتها، مبتعدًا عن الإفساد فيها إذا كان محصّنًا بقيم الخير والعدل والحق والسلام. لنتأمّل ذلك كله في رحاب الآيتين وقد جعلنا حضهما الإنسان على إعمال عقله في زينة الأرض في سياق واحد: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾(طه:54)، و ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾(الرعد:4).
3-2-جـ-(2)- في سلامة العلاقة والتعامل: إن إقامة العلاقات والتعامل بين الناس يشغلان حيّزًا لا يستهان به في حياتهم من حيث التداعيات والانعكاسات المؤثرة فيهم إيجابًا وسلبًا. ولعلّ إعمال العقل خير ما يزنها ويقوّمها، ويبيّن خيرها وحسنها وسلامتها من شرّها وسوئها وعيبها. بيد أن القرار والفعل يبقيان منوطين بصاحب هذا العقل. فها هو القرآن يضيء في آية منه، جانبًا من سوء استعمال العقل في العلاقات والتعامل حيث يستهجن كيف يطلب أحبار اليهود من الناس أن يأخذوا بالخير والإيمان والحق دون أن يلزموا أنفسهم هم بهذه القيم، علمًا بأنهم يعرفون من كتابهم أنّ ما جاء به النبيّ المصطفى هو الحق والحقيقة؛ وأما الباطل والضلال والنفاق فهي جميعًا من أهوائهم وتنكّرهم لما بلغوه بعقولهم. أضف إلى ذلك أن الآية المضيئة المعنية تتيح لنا تعميم القاعدة السلوكية الأخلاقية السوية المعيارية التي مؤداها: “على الآمر غيره بالمعروف ناصحًا أو حاكمًا، أن يفعله ويتعامل به، صادقًا مخلصًا في ذلك” و”على الناهي سواه عن سوء الخلق، أن يتجنّبه دون نفاق أو كذب”، مما يذكّرنا بقول الشاعر:
لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم.
ولعلّه من نافل القول إن العامل بمثل هذه القاعدة يحترم ما يبلغه إعمال عقله ويحسن تدبّره أما الآية المعنية بالإضاءة فهي: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾(البقرة:44). وفي آية أخرى يتجلّى حضّ الناس على إعمال عقولهم بحيث يأخذون بما تستند إليه في الفهم والمعرفة من آيات وبيّنات وحجج وبراهين ودلائل في نهي الذين آمنوا عن شرّ أن يتّخذوا خواصهم من أصدقاء وأولياء وأنصار، من الذين بطل إيمانهم لشركهم أو كفرهم أو نفاقهم، لئلا يتعرّضوا لشرورهم؛ ومن هذه الآيات والبينات والبراهين أن هؤلاء الخواص المنهيّ عن اتخاذهم بطانة ليسوا لا يشاركون الذين آمنوا في إيمانهم فحسب، بل هم لا يقصّرون في فسادهم، وتمنوا لهم السوء والضرر والمتاعب، وعبّروا بألسنتهم عن بغضهم وكرهم لهم. ومن كانت هذه صفاته، فمن الطبيعي أن يكون لديه مخزون كبير من الحقد والكراهية وانتواء الغدر والخيانة، ويتحيّن الفرصة المؤاتية له لينقضّ به على من أحسن إليه باتخاذه في بطانته. ويمكننا أن نقرأ في هذه الآية بالإضافة إلى هذا الذي تناولته وهي تنهى عمّا تنهى عنه، أنها تأمر، بشكل أو بآخر، بأن يسود العلاقات والتعامل كثير من القيم المشتركة بالإضافة إلى التعاطف والصدق والإخلاص والأمانة. ولعلّنا لا نغالي إذا ما خرجنا من هذه القراءة بأمر اتخاذ الخواص ممن استقام وعظم خلقه، وصفت نيّته، وحسنت طويته، وصلح عمله وطابت سيرته. أما الآية المعنية والغنية بهذه القراءة فهي:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران:118).
ويمكننا أن ننهي هذه الفقرة بتأكيد أنه ليس من وجه من وجوه العلاقات والتعامل، لا يلوذ الإنسان بإعمال عقله لفهمه ومعرفته إذا كان يعنيه ويهتم به إيجابًا أو سلبًا في إطار سوية الأمور وطبائعها.
3-2-جـ- (3)- في تمييز الأمور:مما لا يختلف فيه عاقلان، ان الإنسان يحتاج دائمًا إلى التفريق بين الأمور وتمييز بعضها من بعض حتى يأتي تعامله معها سويًّا سليمًا محقًّا، فلا يخبط فيها خبط عشواء نتيجة اختلاطها عليه، ما يجعل مواجهته لها لا سوية معيبة باطلة. فالتفريق بين الأشياء والأمور التي تعني الإنسان، وتمييز بعضها من بعض، هما ما يعنيه ويهتم به في حياته الدنيا. إن هذا مما يحضّ عليه القرآن في إعمال العقل. لقد جعل تمييز الجنون من التوازن النفسي يرجع إلى التفكّر وهو أساس في إعمال العقل، في معرض افتراء المشركين على النبي محمد باتهامه بالجنون، وإن لم يعملوا به واتبعوا هواهم. ان التفكر يكفي للتفريق بين كل ما هو سوي وما هو غير سوي، كما قرأنا هذا وذاك في الآية: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (الأعراف:184). وبالرجوع إلى إعمال العقل أيضًا، يتمّ للمتّقين التمييز بين الحياة الدنيا التي تبقى محطة عابرة في حياة الإنسان الدنيوية مهما زهت زينتها بين أيدي المأخوذين بنعمها من غير المتّقين، وبين الآخرة حيث النعيم الدائم والخلود، التي يفضلها هؤلاء المتّقون على زينة الأرض، وفقًا للآية: ﴿ وَمَا الحياةُ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(الأنعام: 32). ومن يعلم بأن المنزَّل من رب العالمين هو الحق غير ذوي العقول؟! إنما الجهل يحول بين الجاهل والحق والحقيقة، فيحرمه من نورهما وهداهما. لنتأمل في الآية:﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الرعد:19). ولقد تذّرع قوم النبي نوح في عدم تصديقه بأن اتّبعه الأرذلون وهم من الناس الضعفاء والفقراء والمساكين الذين يطمعون في العزّ والغنى والجاه بحسب ما ذهب إليه المتذّرعون. فردّ عليهم النبيّ نوح بأنه لا يعلم ما يبطنون، إنما هو معني بما يظهرون؛ ان حسابهم على رب العالمين لو يعرفون. ففي كل ذلك، يرجع تمييز الجهة المحاسبة الجازية من سواها، إلى ذوي المعرفة. وهل ممن يعرف غير العاقلين؟! تقول الآية: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾(الشعراء:113). أضف إلى ذلك ان النبيّ المختار، في ردّه على الكفار الذين طلبوا منه أن يأتيهم بمعجزات، قد ميّز لهم ما هو من شأن السماء من قبيل خزائن الله، وعلم الغيب، وعمل الملائكة، مما هو من شأن البشر في الأرض حيث لا يتّبع سوى ما أوحى الله به إليه؛ وهذا التمييز لا يتمّ بغير إعمال العقل حيث لا يتساوى الجاهل الضالّ الكافر مع العالم المهتدي المؤمن، مصداقًا للآية: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾(الأنعام: 50).
وهكذا نرى أهمية وضرورة إعمال العقل في تمييز كل ما يعني الإنسان في حياته الدنيا حتى يتصرف بما يليق به سيّدًا على الأرض، لئلّا تختلط عليه الأمور فينحدر إلى الغرائزية التي تقوده إلى التوحّش.
3-2-جـ-(4)- في الاتعاظ والاعتبار: ان القادر على استخراج الدروس والأمثولات، واستخلاص المواعظ والعبر من الأحداث والتجارب ومما إليها، ليكتسبها ويجعلها من مخزون ما ينهل منه في مواجهته للحياة في مشاقّها وأعبائها ومشكلاتها وما إليها، إن القادر على ذلك ما هو إلا متّعظ معتبر، بل ما هو إلاّ عاقل يحسن التدبّر في إعمال عقله. إن الله يحضّ أهل مكّة في القرآن على إعمال عقولهم لعّلهم يتعظون ويعتبرون مما أصاب الكفار والمشركين من عقاب استحقوه، ومّما وصل إلى مسامعهم من أوامر ونواهٍ وأحكام، فيهتدون إلى الإيمان وتوحيد الخالق. فليس العمى الخطير في عمى الأبصار، إنما هو عمى البصائر، عمى العقول التي نبلغ بإعمالها الحق والحقيقة والهدى… كما يحضّ تعالى في مكان آخر من القرآن، ذوي العقول على حسن تقدير وتثمين الحكمة التي ينعم بها على من يشاء لما فيها من خير كثير، وهدى يبعد الضلال عنهم، وحسن التصرّف والتدبّر يجنبّهم التخبط والاختلاط في الأمور، فيتّعظون ويعتبرون ويطيعون ويلتزمون بأحكام الرسالة، ويفوزون في الدنيا والآخرة. لله ما أعظمك من نعمة أيّها العقل!… ويقسم الله في سورة الفجر، بالفجر والعَشْر من ذي الحجة، والمفرد والزوج، والليل؛ وهذه الأشياء هي من عظيم ما أبدع وخلق. ثم يسأل إذا ما شكّلت هذه الأشياء قسمًا يترتب عليه الوفاء بما يذهب إليه المقسم تعالى، وهو القادر والبالغ ما يريد دونما حاجة إلى القسم أو إلى سواه، إنما توجّه بذلك إلى ذوي العقول ليقدّروا بها ويتّعظوا ويعتبروا فيمتثلوا لما حكم وأمر، ونهى ودبّر…لنتأمّل ذلك كلّه في الآيات الثلاث التالية:﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾(الحج:46)، و﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(البقرة:269) و﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾(الفجر:5).
3-2-جـ-(5)- في فهم القرآن، الكتاب المبين: إنّ الفهم والمعرفة في فاعلية الإنسان شرط لا بدّ منه ليتفوّق بنشاطه على أنشطة سواه من الكائنات الحيّة، بما يشكل بينها وبينه هوّة لا يمكن لهذه الكائنات ردمها لافتقارها إلى ما يتمتع به من وعي وذكاء، فضلًا عن أشياء أخرى. فها هو الكتاب المبين يحضّ الناس على فهمه ومعرفته والعمل به بحسن إعمال عقولهم؛ لقد أنزله الله باللغة العربية، لغّة قوم نبيّه المصطفى، ليسهّل عليهم استيعابه بعقولهم، وليتعرّفوا به الله الواحد الأحد الذي قال فيه:﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾(يوسف:2). ثم وصفه في آية أخرى، بما فيه من الدين الحنيف بأنه نهجه الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وقد فصّل آياته في ما أمر ونهى وحلّل وحرّم وقضى ليفهمه ويعرفه العالمون العاقلون، وفقًا لما جاء في الآية المعنية: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ (الأنعام:126). وفي آية ثالثة، وصف الله القرآن بالكتاب المبارك المنزّل إلى نبيه المختار لما فيه من خير وهدى ورحمة للعالمين، لكي يحسن الناس التصرف والعمل بآياته بما تنطوي عليه من أحكام وبيّنات وحجج وبراهين ودلائل ومعانٍ تعنيهم في الدنيا والآخرة، ولكي يتّعظ بذلك كلّه ذوو العقول، ويأخذوا العبرة والحكمة والأمثولة التي تليق بخليفة الله في الأرض، تبعًا لما جاء في الآية المشار إليها:﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(ص:29).
ولعنا نلاحظ في نهاية هذه الفقرة تأكيدًا جديدًا وإضافيًا إلى ما سبق الكلام عليه بشأن مقولة “الدين يكون لعاقل، والعاقل هو الإنسان”.
3-2-جـ-(6)- في التبيّن والتيّقن: ان القرآن يحض الإنسان على درجات عليا من التيقّظ والحيطة والحذر في إعمال العقل بحيث يبيّن (الحق والحقيقة والعدل) في ما سيقرر ويفعل لئلا يقع فريسة التكهنات والتخمينات والظنون، والتوّهم والتسرّع والتهوّر التي يكمن في ثناياها الباطل والبهتان والوهم والظلم، في حين أن (الثلاثي) الأول يبرز ويتجلّى في التثبت والتأكّد والتبيّن والتحقّق والحكم بالبيّنات والأدلّة والبراهين التي ينطوي عليها إعمال العقل الناقد. فها هو الله يأمر الذين آمنوا ألاّ يتسرّعوا في تبنّي أو تصديق الخبر الآتي من كاذب، سيئ السمعة، لا يهمه الصدق والأمانة في نقل الحقيقة، قبل التحقّق والتثّبت من صحته ودقته لئلّا يقعوا في الافتراء على الغير واتهامه باطلًا، أو يتسبّبوا بأذاه وضرره، فيندموا حيث لا ينفعهم الندم لأنه لا يلغي الاعتداء الذي يكون قد حصل، إذ يقول تعالى في كتابه المبين:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(الحجرات:6). كما يأمرهم في آية أخرى أن يبتعدوا عن الظّن في كثيره وقليله لأنه في بعضه ذنب يستحق صاحبه عليه العقاب. والابتعاد عن الظن والتوهّم يعني التزام الحق والحقيقة، الأمر الذي يجعل الناس على بيّنة من أمرهم في ما يقررون ويفعلون، وفقًا للآية المعنية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ -﴾(الحجرات:12). ثم ينبّه عزّ وجلّ ويحذّر الذين يسارعون إلى الحكم في ما لا يعلمونه بالاستناد إلى التكهّنات والتخمينات والأوهام التي لا يخرج الظن من دائرتها؛ فالظّن مهما يكن فلا يمكن أن يكون بديلًا من الحق أو اليقين، مصداقًا للآية:﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾(النجم:28). وفي كل حال، فان الغاية من التبيّن والتيقّن هي عدم الوقوع في الخطأ والافتراء والإثم نتيجة للتسرّع والتهوّر والأخذ بالظنون والأوهام، بينما المطلوب أن يكون التصرّف والسلوك والتعامل مما يحصّنه الصدق والأمانة والحق والحقيقة واليقين. ولعلّ الحضّ على هذا كله ما هو إلاّ دعوة صريحة بليغة وجيهة إلى إطلاق العنان لإعمال العقل الناقد، لما له من شأن كبير في تحصين خلافة الإنسان وتدعيم سيادته على الأرض.
3-2-جـ-(7)- في الخَلْق: لقد ذكرنا في غير مكان أن الإنسان كائن ماورائي يهتم بما وراء الطبيعة في نشاطه الفلسفي، وبعالم الغيب في نشاطه الديني. بيد أن موضوع الخلق وإن يطرحه الإنسان على نفسه، ويعمل فيه عقله، فإنه لا يندرج في دائرة معقولياته المقتصرة على عالم الشهادة. إن الإنسان لا يعقل، مثلًا، كيف يكون “العدم” مادّة للخلق بالمعنى الحقيقي له، أي إيجاد الشيء من اللاشيء، إذ يكفي أن يقول الله للشيء كن فيكون. لذلك يبقى خلق عالم الشهادة بما ومن فيه، والخالق موضوعين يسلّم بهما الإنسان المؤمن تسليمًا على الرغم من سائر العمليات العقلية العليا التي يتوسّلها العقل ليبلغ بها ما يريد هذا الإنسان فهمه من قبيل الاستدلال والتحليل والتفكيك والتركيب والتعليل. ومع ذلك فهو لا ينفك يتفكر ويتأمل في كيفية الخلق مرسّخًا إيمانه بوحدانية الخالق. وها هو القرآن يحض ذوي العقول على إعمالها في الخلق وخالقه. وها هو الخالق قد جعل الليل والنهار يطول أحدهما ليقصر الآخر، وربط بهما الظلام والنور، ورتّب عليهما تغيرات مناخية موصوفة ليؤكّد للعقلاء هؤلاء أن في ذلك ما يكفيهم ليعتبروا ويؤمنوا بوحدانية ربّ العالمين، وفقًا للآية:﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾(النور:44) ويحضّهم في آية ثانية على النظر والتفكّر في كيفية خلق الإبل وفي ما تقدّمه من منافع وخدمات للإنسان، ما يدل على عظمة الخالق، وحسن خلقه وعجيبه، بحسب ما جاء في الآية: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾(الغاشية:17). ويكثر الله من البراهين والبيّنات والدلائل، من ضوء الشمس، إلى نور القمر وفوائده في تعليم الناس ما يحتاجون إليه من المواقيت وحساب الزمن، فضلًا عن خلقهما؛ وما خلق ذلك كله عبثًا بل بالحق والقدر والحكمة، وفصّله لذوي العلم ليعرفوا أن لهذا العالم صانعًا مدبّرًا واحدًا أحدًا صمدًا هو الله، تبعًا لما نقرأه في الآية:﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾(يونس:5). ويعدّد الخالق وينوّع من الآيات والبيّنات والحجج والبراهين والدلائل في بديع ما أبدع من السموات والأرض وما فيهما وبينهما من العبر والبدائع والعجائب، إلى ما في الليل والنهار من تغيّرات في تعاقبهما طولًا وقصرًا، وإلى السفن التي تجري في البحر وتحمل ما يسد حاجات الناس ويؤمّن مصالحهم وخدماتهم، وإلى المطر الذي يحيي الأرض بكل ما يحيا فيها وعليها من نبات وحيوان وإنسان، وإلى تحريك الرياح والسحب بين السماء والأرض وفقًا لمشيئته، لتكون جميعًا حاضّات لذوي العقول الذين وحدهم يتلقفونها في أبعادها وأسرارها ومراميها، فيخشعون شاعرين بعظمة الخالق الصانع الوحيد، مصداقًا لما في الآية:﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(البقرة:164). ولعلّ الكلام على الخلق والخالق يستدعي الكلام على قدرة المقتدر المطلقة. فماذا عن إعمال العقل في هذا؟
3-2-جـ-(8)- في قدرة المقتدر المطلقة: إن الكلام على القدرة المطلقة لله لا يختلف كثيرًا عنه على الخلق، لما بينهما من علاقة وثيقة. ذلك أن الخلق ما هو إلا فعل قدرة المقتدر المطلقة وقد كان لأمر إرادته المطلقة أيضًا. ها هو الله يطلب من نبيّه المصطفى في القرآن أن يعلم الكفار بقدرته على أن يأتيهم بالعذاب من أي جهة يشاء، وبالكيفية التي يريد، وأن يشتت شملهم ويجعلهم يقتتلون فيما بينهم، ويعذّب بعضهم بعضًا؛ كما يطلب منه أيضًا أن يتعلّم منه تعالى كيفيّة التصرّف بالآيات والبيّنات والبراهين والدلائل لكي يعرفوا ويفهموا ويؤمنوا بالله القادر وبما أنزله إلى رسوله الأمين، مصداقًا للآية:﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾(الأنعام:65). ويتجلّى الحض على إعمال العقول في قدرته المطلقة التي يقف الإنسان أمامها عاجزًا خاشعًا لا يملك إزاءها سوى الانصياع والخضوع، وفي سائر خلقه، ومنه خلقه الموت والحياة، وإحياؤه العظام وهي رميم، وبعث الأموات يوم الحساب وهو عليه أمر يسير، كما يحرم من يشاء من الحياة متى وكيف يشاء؛ ومنه أيضًا جعله الليل والنهار مختلفين طولًا وقصرًا، وفي هذا يصل ضوء الشمس إلى القسم المكشوف من الأرض لها، وفي ذاك ظلام يغطي القسم المحجوب عنها من الأرض. وفي هذا وذاك، آيات ودلائل وبراهين تحضّكم وتكفيكم، أيها الناس ذوو العقول لتتعظوا وتعتبروا وتؤمنوا بوحدانية الخالق القادر، وبما أوحى به إلى رسوله الأمين. وفي هذا السياق، لنتأمّل وإيّاكم في الآية:﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (المؤمنون:80)..
وبعد، فان ما استشهدنا به من القرآن بشأن حض الإنسان العاقل على إعمال عقله ما هو إلاّ غيض من فيض. وهو دعوة صريحة وبليغة إليه بحيث يتمحور حول الفهم والمعرفة، ما يجعل صاحبه على بيّنة من أمره بصدد ما ينبغي له أن يقرّره ويفعله: يقدم على ما فيه صلاح أمره وخيره، وكم للخير من وجوه تعلي من قدر الإنسان ويرقى بها إلى إرجاء التمدّن! ويحجم عمّا يرى فيه فساده وشرّه، وكم للشرّ من وجوه تحطّ من قدر الإنسان وتنحدر به إلى بشاعات التوحّش!.. هذه الدعوة القرآنية إلى إعمال العقل تتميّز بأنها.
– أولًا، تنحصر وتقتصر في الآيات على حسن إعمال العقل وتدبيره؛
– ثانيًا، لا تقف عند حدود الدين، بل تتعداه إلى كل ما يهتم به الإنسان في حياته؛
– ثالثًا، تبرز إعمال العقل طليقًا خاليًا من الشروط والقيود والحدود: فالآيات لم تحلل للعقل النظر في هذا الموضوع دون ذاك، ولم تحرّم عليه النظر في أي شيء يعني الإنسان في حياته؛ فهي، مثلًا، لم تقل له: اعقل هذا ولا تفكر في ذاك، أو اعلم هذا الأمر ولا تنظر في غيره، أو افقه هذه الآية ولا تتذكر تلك، أو اشعر بهذا ولا تعتبر بذاك…؛
- رابعًا، تحض الإنسان العاقل على أن يلوذ بعقله في الفهم والمعرفة ولهما؛
- خامسًا، تبدي تأكيدًا على مرجعية العقل في حياة الإنسان، وعلى وسعه والعقل من هذا الوسع.



