مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”38″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير  الراحل مصطفى حمّود.

بين العقل والنقل

      إننا تحت هذا العنوان وفي إطار ميزان الإنسان، نؤكد على الحقائق التالية:

4-1- النقل لا يقيد العقل:

      لعلّ النتيجة الكبرى التي يمكننا الخروج بها مما سبق الكلام عليه بشأن الموضع السليم للعقل هي أنه ليس في الإسلام ما يحول دون إعمال العقل، بل فيه حض عليه ودعوة صريحة بليغة إليه؛ وليس فيه ما يقيّده أو يكبّله أو يحدّه: ففي القرآن قد تبيّنت لنا هذه الحقيقة بوضوح لا لبس فيه، وفي السّنّة، طالعنا الرسول الأمين في اضطلاعه بأعباء الرسالة وفي قيادته الأمة بأنه قد فعل ذلك تحت مظلة العقل وهو ما عبّرنا عنه بـ “قيادته الرشيدة الرائدة، ومبادرته المحسوبة”(6).

4-2- الفهم البشري المتألّه للدين يقيّد العقل:

      ان من يستقرئ الثقافة السائدة والشائعة في الإسلام وبين أهله، يجد أن مقولة “العقل يتبع النقل الذي يحدّه ويقيّده” ما هي إلا ضرب من التضليل، لأنها في واقع الحال، والحقيقة المطابقة لواقع تلقي الدين، ليست إلاّ نتاجًا للفهم البشري المتألّه للدين، الذي يقف وراءه إعمال عقول المنظرين في الإسلام وله حيث نقرأ عند كل منظّر منهم حدودًا وقيودًا قد رسمها إعمال عقله، وألّهها، واستتبع بها الأتباع والأشياع والمريدين، وفرضها على غيرهم، وأنكر أن يكون لسواه حدوده وقيوده… ونحن لم نجد في ما قرأنا من الآيات الحاضات على إعمال العقل أي شيء قد يفهم منه أنه قيد أو حدّ أو تكبيل للعقل.

4-3- العقل من طبيعة الإنسان، والنقل مما يكتسب به:

      أنقيم مقارنة بين النقل والعقل بالنسبة إلى الإنسان الذي لا يكون بشرًا سويًا من دون الأخير، ويكونه من دون  الأول؟! وإذا جاز لنا ذلك، فماذا نقول فيهما؟

– أولًا، نقول في العقل ما فيه وله: إنه من طبيعة الإنسان، يلازمه في سويّته، وينمو ويكبر باكتساب المعرفة والخبرة ومراكمتهما؛ بيد أنه، بالإضافة إلى ذلك، هو آلة لصنعهما وإنتاجهما، ويسهم في توظيفهما بعد أن يكون صاحبه قد أصبح بإعماله على بيّنة من أمره بشأن ما يقرر ويفعل. وبإعمال العقل نفسه، يتميّز الإنسان من غيره ويتفوّق عليه، ويزن الأمور؛ وبه يكون ميزان كل شيء في عالم الشهادة، وبوجه خاص، في أرجاء خلافته وسيادته، وليس بأي شيء آخر. فالعقل باختصار شديد، هو ملاذ الإنسان لفهم ومعرفة كل ما يعنيه إيجابًا وسلبًا، كما سبق كلام كثير على هذا.

– ثانيًا، ونقول في النقل ما فيه وما له: إنه رسالة علوية أوحى بها الله إلى الناس من طريق نبيّه المختار؛ إنها من عالم الغيب، نقرأ فيها أخباره من جنّة ونار، وملائكة وجنّ، وبعث وحساب، وحياة أخرى لا يهدّدها الموت في شيء؛ ونقرأ فيها أيضًا من الأوامر والنواهي والأحكام والتعليم والإرشاد والبيان والهدى، ما يدعو الإنسان إلى حياة فاضلة يعيشها في الدنيا، ويكسب بها نعيم الآخرة… ولكن الدين، ومع ذلك، ليس من طبيعة الإنسان ولا هو آلة لإنتاج المعرفة وتحصيلها على نحو ما هو العقل. فهو ما يكتسبه الإنسان بإعمال عقله وبه فحسب. ولعلّه من نافل القول إن العقل ليس مما يكتسبه الإنسان بالدين…

      ان النقل والعقل بالنسبة إلى الإنسان مثل “الإسوار والزند”. وفي هذا السياق، ان المثل السائر “أحبك يا إسواري، ولكن مثل زندي لا” معبّر جدًا. إن الإنسان يحتاج إلى العقل ليكون إنسانًا ومتفوقًا على سواه، وليكون له دين يختاره. والدين عند الإنسان، اكتسابًا واستمرارًا، يتوقّف على إعمال عقله فيه، والعكس ليس صحيحًا.

      ويحضرنا في هذا السياق، ما روي عن أبي البشرية آدم أنه اختار العقل على الدين والحياء اللذين أبيا إلاّ أن يكونا حيث يكون العقل. وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الرواية أو الحديث، فإننا نعتبر أن في هذا الاختيار بميزان الإنسان، من بعد النظر والحكمة والريادة والاستشراف، ما لا يكون لغير خليفة الله في الأرض. ماذا كان ليفعل بالحياء أو الدين، وقد غرق في ظلمات الجهل المطبق، وبقي هذا وذاك غير مفهومين أو معروفين أو مقبولين؟! إن الدين مهما علا شأنه، وعظمت مكانته، وأشع هداه، يبق فهمًا بشريًّا من صنع إعمال العقل، والعقل لبشر.

الحواشي:                                                                             

  • “النقل” يعني الإسلام، قرآنا وسنّة، وقد ورد المعنى نفسه بلفظ كل من “الخبر” و”السّمع”.
  • أنظر بشكل خاص الفصلين الأول والرابع.
  • سيأتي الكلام عليه.
  • التعبير من الآية 40 من سورة يوسف.
  • أنظر الفصل الثالث.
  • أنظر الفصل الثالث نفسه.

الفصل التاسع: تغيّر عالم الشهادة وتاريخيّة الرسالات السماويّة

      ان الله، إسلاميًّا، هو الواحد الأحد الصمد، الكائن الأزليّ الأبديّ، العليم المريد القادر الخالق المطلق في كل شيء، كان ولم يكن سواه، من غير تكييف أو تعليل. ثم شاء أن يكون كل ما هو كائن في عالمي الغيب الشهادة، فكان استجابة وامتثالاً وخضوعًا لأمره له “كن”، دون تكييف أو تعليل أيضًا؛ لأن ذلك كله يخرج عن إمكانات علماء الناس وعلومهم، كما يتجاوز طاقات ذوي الألباب، ودوائر معقوليّاتهم. إنه الخلق لعالمي الغيب والشهادة، المنوط حصرًا بالله المقتدر، والعاجز عنه المخلوق، أيًّا كان هذا المخلوق. ولكن هذا لا يمنع الإنسان الذي خصّه الله، ومنّ عليه، بنعمة العقل الذي أهّله أو تأهّل به لخلافة الأرض والسيادة عليها، لا يمنعه من إعمال عقله في عالم الشهادة بحدود إمكاناته وطاقاته وأهليّاته لجهة تغيّره ونسبيّته… فإلى أي مدى يمكننا الحكم على عالم الشهادة هذا بما فيه الأرض خاصة التي استخلفنا فيها رب العالمين، بأنه في حال من التغيّر والنسبيّة لا تترك أي مكان فيه للسكونية والمطلقيّة، لكونه مخلوقًا بما ومن فيه؟… ماذا عن الإنسان متغيّرًا ومغيّرًا؟ هل في نشاطه كلّه ما يمكن وصفه بالكمال أو المطلق؟ كيف يتعامل مع الرسالات السماويّة الموحى بها إليه في إطار أهلياته وإمكاناته وسيادته وحريّته المسؤولة؟ هل هي مطلقة تتعالى على زمانه ومكانه، أم هي نسبيّة تاريخّية ترتبط بهما؟ وما العيب والإثم في أن تكون تاريخيّة كما هي فعلاً في فهم البشر؟…

  • عالم الشهادة في تغيّر دائم:

      إذا كان عالم الشهادة (الكون) في حال حركة وهو كذلك؛ وإذا كانت الحركة لا تكون من غير تغيّر، فإن هذا العالم هو في حال تغيّر ثابت ودائم لكونه في حركة دائمة إلى أن يفنى بأمر من خالقه… ان التغيّر هو انتقال الشيء من حالة إلى حالة أخرى تختلف عن سابقتها بشيء قليل أو كثير، قابل للاختلاف أو التغيير بالإضافة أو الحذف أو التجديد أو التحسين أو التكبير أو التصغير أو التبديل أو الإلغاء أو ما إلى ذلك. فماذا عن تغيّر عالم الشهادة بشكل عام وموجز؟

1-1- عالم الشهادة أكبر متغيّر وأكبر عمليّة تغيير: ان التغيّر في عالم الشهادة أو الكون، هو حقيقة قائمة وثابتة، دينيًّا وعلميًّا، وإن اختلفت وجهات النظر في التكييف والتعليل.  بيد أن الكلام في توجّهنا يتركّز على الإطار الديني الذي يحكم هذه الحقيقة، دون أن يعني ذلك أننا نرفض الحقائق والقوانين  العلمية بشأنها، بل إننا نؤكّد قبولنا بهذه الحقائق والقوانين لكونها مما كشفه واكتسبه خليفة الله في الأرض في نطاق أهلياته وإمكاناته وسيادته وحريّته المسؤولة. فخلق عالم الشهادة بما ومن فيه، هو دينيًّا، أكبر عمليّة تغيير أحدثها الخالق كما وعاها ويعيها الإنسان وإن بمعرفة ناقصة لمحدوديّة جهازه المعرفي ووسعه إزاء هذا الخلق الذي لا يملك حياله سوى العجز. وها هم أهل الإيمان يسارعون إلى التسليم بعجيب ما  أبدع القادر، خاشعين متّقين معتبرين بين يدي هذا الخلق الذي يمكن وصفه بالخواصّ التالية:

1-1- أ- إن عالم الشهادة كان قد صار إلى الوجود استجابة لأمر الله له “كن”؛ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(يس:82).

1-1- ب- إنه عمليّة إيجاد انتقلت به من “العدم إلى الوجود”، وكأننا بالعدم مادّة لخلقه! على أية حال، إنه على الله يسير.

1-1-جـ- إن إيجاده من اللاشيء، ومن حيث طبيعة هذا الإيجاد، وكيفيّته وحجمه وكبره وضخامته والمترتّبات عليه، لا يقارن ويا يضاهى ولا يقاس بسواه. إنه تعالى على كل شيء قدير.

1-1-د- كان عالم الشهادة عقب خلقه، سماوات وأرضًا ملتحمتين في كتلة واحدة كما تخبرنا بذلك الآية﴿-أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (الأنبياء:30)، ثم حوّلهما الله إلى ما هما عليه.

1-1-ه-كان مع صيرورته إلى الوجود، بدء الزّمن الذي لا يمكن فهمه من غير تغيّر. والزمن جزء من عالم الشهادة المحدث، علمًا بأن مقولة أن الكون قديم أو موجود منذ الأزل غير مقبولة دينيًّا، لأن القدم لله وله فحسب.

1-1-و- إنه في حركة وتغيّر لا ينقطعان إلاّ بأمر الله بإفنائه الذي لا يعرف توقيته غيره تعالى…

      وبعد هذه الخصائص المتقضبة جدًّا، لا يسع الإنسان العاقل المؤمن إلاّ أن يرى نفسه خاشعًا بين يدي هذا التغيير الأكبر وهذا المتغيّر الأكبر، ولكن، ماذا يكون قد حدث أو أحدثه الله في هذه الكتلة الواحدة التي ضمّت السماوات والأرض تعبيرًا عن عالم الشهادة؟

1-2- فتق السموات والأرض: تقول آية “الرتق الفتق” كاملة:﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء:30). قبل دخولنا في ما سمحنا لأنفسنا بتناوله من هذا الموضوع (خلق عالم الشهادة) الشائك المعقّد الذي نجهل تمامًا ما إذا كان بوسع الإنسان أن يتوصّل في الحياة الدنيا إلى كشف ألغازه وأسراره ومراميه ليصبح في مخزونه المعرفي الذي يطّرد فيه تراكم وتنامي العلوم والخبرات والكفايات كمًّا ونوعًا، قبل ذلك نسارع، في إطار ما توحي به إلينا هذه الآية، إلى تسجيل الملاحظات الأربع التالية: – الأولى هي ان “الرتق”، يوحي بأنه قد سبقه فتق بمعنى الشقّ أو الفصل بين السماوات والأرض، وأن “الفتق” يوحي في ما يوحي به بأن السموات والأرض في رتقهما كانتا على جانبي خطّ شقّ الله فيه كلًّا منهما عن الأخرى.  – والثانية هي أنه يحلو للبعض أن يتحدّث عن فتق السماوات والأرض وكأنه “خيال علمي” جعله التقدّم العلمي “حقيقة واقعة” إذ قال في تكوين الكون كما هو عليه بأنه نتيجة لـ “انفجار عظيم” قد أصابه وهو كتلة واحدة ليبدأ معه تشكّله على ما هو عليه. بيد أن فتق الرتق الذي التحم أو أُلْحِمَ فيه كلّ من السماوات والأرض يختلف كثيرًا عن “الانفجار العظيم” الذي جعل الكتلة تتشظّى وتتناثر في الفضاء الكوني، الأمر الذي يجعلنا ننحاز إلى أنه لا العلم قد وصل إلى اليقين بتعليله العلمي، ولا الدين قد بلغ هذا اليقين في تفسيره الاجتهادي، وإن ساد التسليم في الدين، وبقي القلق في العلم. – أما الملاحظة الثالثة فهي أن “رؤية الرتق الذي أصابه الفتق” بشأن السماوات والأرض ليست رؤية إبصار لا عند الذين كفروا ولا عند الذين آمنوا لأنّه لم يكن متاحًا أمام البشر أن يبصروا لا الرتق ولا الفتق المعنيين؛ إنما هي رؤية تأمل وتفكّر واعتبار عند ذوي الألباب. – وأما الرابعة فهي أن الفتق تم بين طرفين أحدهما الأرض التي تكاد لا تذكر لضآلة حجمها في الكون الذي يشكّله الطرف الآخر تحت عنوان السماوات. بيد أن الإنسان المستخلف في الأرض يعطيها من القدر والقيمة ما يحوّل النظر عن الأحجام إلى مكانة الأرض وقد سخّر الله لسيّدها كل ما يمكن أن يخدمه وينتفع به في حياته عليها… فماذا عن هذا الفتق بما ترتّب عليه؟ – إن فتق السماوات والأرض بما ترتّب عليه من تغيّرات تكوينية كبيرة أفضت إلى تشكيل عالم الشهادة كما وعاه الإنسان، لهو التغيير الذي أصابه بعد أن صار في الوجود وهو رتق جمع فيه السماوات والأرض. إن هذا الفتق لا يقل إعجازًا عن خلق الكون إلاّ بأنه قائم في الوجود… لعلّ فتق الرتق يتيح لنا في إيحاءاته في الآية المذكورة، الحديث عن بدايات تكوّن هذا العالم، أو الأسس التي قام عليها بالصورة التي عرفه عليها الإنسان. فماذا عن هذه البدايات أو الأسس؟

1-2-أ- تشكّل الكون أو عالم الشهادة: لقد شقّ الله كلًّا من السماوات والأرض عن بعضهما البعض، وفصل بينهما، ليأخذ الكون سبيله إلى التكوّن على  الصورة التي وعاها الإنسان له وهما فيه مفتوقتان. لقد فتق السماوات، ورفعها من غير عمد يراها البشر ليتكوّن بذلك الكون بفضائه وما فيه من الأجرام السماوية من قبيل النجوم والكواكب والتوابع والشهب والنيازك والمذنّبات بالإضافة إلى  الغبار الكوني والغازات وما إلى ذلك مما قد يكتشفه الإنسان، وقد جعل كلًّا منها يجري لأجل مسمّى، وسخّر الشمس والقمر لخدمة الناس، ووضع الأمور في مواضعها، وأدار الشؤون، وبيّن البراهين والدلائل والبيّنات للإيقان به وفقًا لما نفهمه بهذا الصدد من الآية:﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ (الرعد:2). ومما يذكره علم الفلك أن النجوم قد جُعلت في تجمعات أو تشكيلات سميّت “المجرّات” في كل منها ملايين وبلايين النجوم، وأن المجرّات هذه تقارب بعضها من بعض وشكّل مجموعات منها سميّت “عناقيد المجرات”. إن الأرقام الهائلة التي بالملايين والبلايين، والمسافات الهائلة أيضًا التي تقاس بالسنة الضوئية، وحال المجرات التي في حركة تباعد دائمة، وكأنها تتدافع، إن كل ذلك لأمر يجعل الإنسان العاقل المهتمّ علميًا بالكون واتساعه متهيّبًا قلقًا، والمؤمن بقدرة الخالق على خلقه يزداد خشوعًا وورعًا وتقوى… إننا في هذه العجالة، نحط برحالنا دينيًا، عند مقولة “إن الله فعّال لما يريد وهو الأعلم والأحكم بما لا يقاس”، وعلميًّا، عند مقولة “أيّها الخليفة السّيد، أطلق العنان لخيالك العلمي ولا تأل جهدًا في تحويله إلى كشف علمي تزداد به خلافتك وسيادتك تحصينًا ومنعة وحريّة ومسؤوليّة”. ونكتفي بأن نؤكّد على أن الكون كلّه هو في حركة وتغيّر دائمين منذ خلقه وصيرورته رتقًا في الوجود تحت عنوان “السموات والأرض” ثم “فتقهما ورفع السموات ومدّ الأرض”. ليتمّ بذلك تشكيله… وجاء في الكتاب المبين﴿-كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾(الأنبياء:33) و﴿- كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾(الرعد:3).

1-2-ب- تشكّل الأرض وفيها وعليها تغيّرات: ان آية “الرتق والفتق” توحي لنا بأن الله قد فصل الأرض عن السماوات لتأخذ هي الأخرى طريقها إلى التكوّن بالصّورة التي عرفها الإنسان لها منذ تواجده عليها، وقد جعل لها حيّزها في الكون، وجعلها تتميّز منه بالحياة الغنيّة وغير المعروفة لغيرها حتى الآن من النبات إلى الحيوان وإلى البشر. فماذا عن تكوّنها وحيّزها في الكون؟ وماذا عمّا يصيبها من التغيّر؟

1-2-ب-(1)- تكوّن الأرض وحيّزها في الكون: لقد فصل الله الأرض عن السماوات بالفتق وجعلها في الصورة التي هي عليه. إنها كرويّة الشكل وفي حركة دائمة: تدور حول نفسها مرة كل يوم وتشكل بذلك تعاقب الليل والنهار اللذين هما أيضًا في تغيّر دائم طولًا وقصرًا؛ ويرتبط بها القمر ويدور حولها؛ كما تدور مرة حول الشمس في كل سنة ميلادية، الأمر الذي يفضي إلى تشكيل الفصول الأربعة المعروفة والتي ليست واحدة على أية حال على سائر سطحها مناخيًا. وتخضع الأرض لجاذبيّة الشمس وضوئها وحرارتها. وهي في ذلك جزء مما يسمى “النظام الشمسي” أو “المجموعة الشمسية” المؤلّفة من الكواكب (عطارد والزهرة والأرض والمريخ والمشتري وزحل وأورانس ونبتون)، والتوابع (الأقمار) والكويكبات والشهب والنيازك والمذّنبات والغازات والغبار الكوني، بالإضافة إلى الشمس التي تشكل الغالبيّة الساحقة من كتلتها، والتي تعتبر واحدة من عدد النجوم الذي يشكّل مجرّتنا، درب التبانة. فالأرض في حيّزها من الكون ليست مركزه علميًا… أما بالنسبة إلى تكوّنها، وبالرجوع إلى آية “الرتق والفتق”، وإلى الآية:﴿وَهُوَ [الله] الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الرعد:3)، فإنه يمكننا القول، دينيًّا، بأن الله هو الذي خلق وفتق ومدّ ودبّر ونظّم وفصّل، فكان للأرض ماؤها أنهارًا وبحيرات وبحارًا ومحيطات، قد جعله شرطًا لا بدّ منه لأي كائن حيّ؛ وكان لها برّها الذي تشكّله التضاريس المختلفة من سهول ووديان وجبال وهضاب وصحارى؛ وكان لها هواؤها المنتشر حولها مشكّلًا لها غلافها الجوي؛ وكان لها نباتها في أنواعه وألوانه، وحيوانها المتعدّد والمتنوّع في برّها ومائها وهوائها، وإنسانها، سيّدها وخليفة الله فيها، وسيّد كل ما سخّره الله له فيها وفي غيرها من عالم الشهادة…

1-2-ب-(2)- في الأرض وعليها تغيّرات: إن الأرض في تغيّر دائم، لأنها في حركة دائمة في دورانها المزدوج حول نفسها وحول الشمس. ولعلّ ما يتفاعل في بطنها سرعان ما يعبّر عن نفسه في براكين تنفجر هنا، وتنشط هناك، مخرجة أثقالها، ما يحرّك ويغيّر في أماكن تواجدها؛ كما يعبّر عن نفسه أيضًا وهو مكبوت ومكفوف ومضغوط، بالزلازل التي إذ جاءت شديدة قوية، خرّبت وهدّمت وقتلت وسبّبت انخسافات وانهيارات أرضيّة تقلب الأمور رأسًا على عقب حيث تحدث، أضف إلى ذلك، موج البحار والمحيطات الذي لا يهدأ، وحركتيّ المدّ والجزر كذلك. أما المناخ فهو أيضًا في حركة وتغيّر دائمين: رياح وعواصف وأعاصير، وارتفاع وانخفاض في درجات الحرارة، وفي الضغط الجوي، وفيضانات مطريّة ونهرية وبحرية، ومتساقطات بكل أشكالها قد يترتّب على كثرتها ووفرتها كثير من الضرر والأذى، وعلى ندرتها وقلّتها جفاف ينابيع واضمحلال أنهار وبحيرات، من غير أن نتجاهل الحاجة الماسّة إليها لضرورتها وخيرها العميم ونعمها بالنسبة إلى سائر الكائنات الحيّة وسائر حركة استعمار الأرض واستثمارها من قبل سيّدها الإنسان؛ أضف إلى ذلك أن ذوبان الجليد في القطبين، فيما لو حصل، يؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحار وإلى ما قد يترتّب عليه من تهديد لحياة الكثير من البشر والحيوان والنبات. أما النبات هذا فهو في تحوّل دائم بدءًا من بذرته وانتهاءً بما تصير إليه: فالبلوطة تصير سنديانة، وحبّة الذرة تصير عرنوسًا، وحبة الحنطة تصير سنبلة، على سبيل المثال. أما الحيوان فلا يختلف في حركته وتغيّره جرّاء التحوّلات التي يمرّ بها منذ البويضة الملقّحة إلى صيرورتها الحيوان الكائنة له، لا يختلف عن النبات بغير حريّة الحركة والتنقل والإحساس. أما الإنسان الذي تميّز بالجهاز المعرفي ويتفوّق به على سواه، فلا يشذّ عن القانون الذي يحكم حركته وتغيّره في سائر التحوّلات التي يمرّ بها؛ ولعلّنا نجد ما يكفينا في ما نحن بصدده، في الآية ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾(غافر:67)؛ وفي السياق نفسه، نذكر الآيات ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (المؤمنون:12،13، 14، 15). أضف إلى ذلك أن التغيّر في الكائن الحي يأخذ منحى آخر بعد أن تنتهي به الحياة إلى الفناء، كأن يجفّ أو يحرق أو يتحلّل أو يعدم الوجود كما تدل الآيات التالية:﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن:26)، و﴿-كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾(القصص:88) و﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم:48)؛ علمًا أن البشر سيبعثون من جديد ليلقوا حسابهم وجزاءهم بين يدي الرحمن الرحيم العادل الذي لا يظلم الناس أشياءهم.

      وهكذا يمكن لنا الخروج مما أوجزناه بأن عالم الشهادة (الكون) هو في تغيّر دائم لأنه في حركة دائمة، وقد ثبت، علميًّا، أن جزيئات الذّرّة في المادة هي دائمة الحركة والتغيّر… فماذا عن النشاط البشري؟

  • الإنسان بنشاطه في تغيّر دائم:

      نركز الكلام في هذا العنوان على نشاط الإنسان في حياته الدنيويّة دون غيره من الكائنات من حيث المحدودية والتغيّرية والنسبيّة. فلماذا اختصصنا النشاط البشري بذلك؟ ماذا عنه في حركة التغيّر والتغيير في عالم الشهادة؟ أيأتي الكمال والمطلق على يدي الإنسان؟ أم إن نشاطه محكوم بالمحدودية والتغيّرية والنسبيّة؟ هل يجري على ما يتلقاه من دين أو ما يعتقنه من رسالة سماويّة ويمارسها، ما يجري على سائر نشاطه غير الديني أو غير الرسالي؟ هل فهمه للوحي الإلهي يندرج في دائرة الكمال والمطلق؟ أم هو نسبي تاريخيّ خاضع لظروف الزمان والمكان؟… لنتابع رحلة الاستقراء في الإسلام، لعلنا نوفق في الوقوف على إجابات عن مثل هذه الأسئلة في الإطار الديني.

2-1- الإنسان هو أهم المخلوقات وأكرمها وأخطرها على الأرض: ان البشر في الحياة الدنيا هم الغاية التي ينتهي إليها كل بحث أو درس أو تجربة تمتّ إليهم بصلة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنهم مختصون بحياة أخرى في عالم الغيب.إن الإنسان محور نشاطه، وقد ميّزه ربّ العالمين من سواه، ورعاه وعني به بما يتناسب مع المكانة التي جعله يتبوّأها دون غيره، ما يعبّر عن اهتمامه تعالى بشكل واضح وبيّن. ويتبيّن لنا كل هذا وذاك في الكتاب المبين مما جاء فيه بشأنه من بيّنات وبراهين وأدلّة لعلّنا نحسن تدبّرها. ففيم هذا؟

2-1-أ- في خلق الإنسان: لقد أبدع الله كل شيء في السماوات والأرض وما بينهما، وأتقنه ونظّمه ودبّره وفصّله وجعله في موضعه، وهو العليم الحكيم القدير. وقد استثنى الإنسان من خلق “كل شيء”، ليبدأ خلقه من التراب من البداية، وقد اختصّه بعنوان من الخلق تقديرًا له واحتفاءً به، وفقًا لما نفهمه من الآية: ﴿الَّذِي [الله] أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴾(السجدة، 7). مما يدل على التقدير والاحتفاء، هو أن الله أعلم الملائكة بأنّه ذاهب إلى خلق بشر من تراب طبقًا للآية:﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾(ص:71)، كما طلب منهم أن يسجدوا لأبي البشر آدم (الإنسان)، سجود احترام وتقدير لا سجود عبادة، فأطاعوا وامتثلوا لأمره إلاّ إبليس الذي رفض واعترض وأبى وعصى، كما جاء في الآية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾(طه:116)؛ علما بأن إبليس طلب من الله أن يُنْظِرَهُ في الحساب إلى يوم البعث، فأنْظَرَه، وفقًا لما نقرأه في الآيتين:﴿قَالَ [إبليس] أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ [الله] إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾(الأعراف:14و15). وكان التقدير والاحتفاء الكبيران للإنسان من الله، عندما أخبر الملائكة بما اختصّه به من مهمّة كبرى ألا وهي استخلافه إياه في الأرض. فتساءل الملائكة مستفهمين من الله كيف يستخلف في الأرض من يعيث فيها فسادًا ويسفك الدماء… ومن ظاهر الكلام، يمكن المرء أن يلحظ وراء هذا التساؤل شيئًا من الامتعاض، بيد أن الله قد طمأنهم بأنه يعلم ما لا يعلمون، ليقولوا في مكان آخر إنه لا علم لهم إلاّ ما علّمهم العليم  الحكيم(1).  أمّا الآية المعنيّة في هذا المقام فهي: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(البقرة:30). أضف إلى ذلك، أن الله قد جعل خلق الإنسان في أحسن تكوين من حيث الشكل والمضمون والقيمة والأهمية والمكانة والاهتمام والعناية والرعاية، كما أخبرنا في كتابه الكريم في الآية :﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين:4).

2-1-ب- في أهليّة الإنسان: إنها لأهليّة مميّزة ومتفوّقة. لقد﴿عَلَّمَ [الله] الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:5) و﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا -﴾ (البقرة:31)، وزوّده بجهاز معرفيّ ينعم بنوره وهداه، ويرأسه العقل الذي يحضّ الله على إعماله في كل ما يعني صاحبه، إيجابًا وسلبًا، في حياته الدنيا، والذي يميزّه من سواه، ويتفوّق به عليه، وبه يكسب المعرفة وينتجها، ويمكّنه من تدبّرها وتوظيفها في سدّ حاجاته، وفي كل ما يقوم به من نشاط. لقد كرّم الله البشر فجعلهم من ذوي العقول والعلم والمعرفة، ومكّنهم من التنقّل على ظهور الإبل والخيل والحمير والبغال في البّر، وعلى المراكب والسفن في البحر، وأغدق عليهم من ألوان الطعام ما يشتهون، وفضّلهم بل فوّقهم على سائر خلقه من جماد ونبات وحيوان مصداقًا للآية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70). ولقد أكرمه إكرامًا لا مثيل له إذ سخّر له، وجعل في تصرّفه، ورهن حاجاته ورغباته كلّ ما يمكنه الإفادة منه في عالم الشهادة، من جماد ونبات وحيوان، ومن الشمس والقمر، والليل والنهار وما إلى هذا وذاك. وقد بلغ التمييز والتكريم للإنسان ذروته إذ جعله الله خليفته في الأرض، وسوّده عليها، طالبًا منه عبادته باختياره ورضاه وحريّته، حاثًّا إيّاه على استعمار الأرض واستثمارها دون إفساد فيها، آمرًا إياه أن يحكم بالحق والعدل وألّا يتبع الهوى، ولا يظلم ولا يعتدي، الأمر الذي يعبّر عن أهليّة يفتقر إليها سواه.

2-1-جـ-الآخرة امتياز للإنسان دون سواه:

      يمكننا، من وجهة نظر دينية، اعتبار أن يكون للإنسان حياة أخرى باقية، امتيازًا وتفضيلًا وتكريمًا وتقديرًا وتفريدًا له بحيث لا يضاهى ولا يقاس تميّزه وتفوّقه وتفرّده في الحياة الدنيا، الأمر الذي يجعل عالم الغيب يظلّل عالم الشهادة، ويؤثّر في إنسانه من خلال رسائله إليه، في عمله وفعله وخلقه وإيمانه وممارسته: فإن أطاع وائتمر بأوامر الله، وانتهى بنواهيه، وعمل بأحكامه، وقام بالفرائض وعمل الصالحات، فله أن يتوقّع الفوز بنعيم الآخرة، أما إذا عصى وخالف الأوامر والنواهي والأحكام، وأهمل بالفرائض، وأتى بالطالحات، فلا عجب إن ساقته شروره ومعاصيه إلى جحيم الآخرة. أضف إلى ذلك أن الإيمان بحياة أخرى في عالم الغيب يريح الكثير من العقول القلقة التي لا تجد إجابة عن السؤال: “ماذا بعد الموت؟”. فتكبر الأماني، وتلوح الآمال ويعظم الرّجاء بذهاب فكرة “أن الوجود الإنساني ما هو إلا عبث في عبث” من عقول الكثير الكثير من الناس.

      وهكذا نرى في هذا الامتياز (الآخرة)، وتلك الأهليّة (علم وعقل وسيادة)، وذلك  الخلق (خلق الإنسان) ثلاثيًا يجعل من صدقية “أهمية الإنسان وخطورته وإكرامه” ومن تفوّقه فيه على سائر المخلوقات في الأرض شهادة بيان وإثبات من توقيع القرآن الكريم… والآن، ماذا عن الإنسان متغيرًا ومغيّرًا؟

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى