مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”7″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” اليوم، نشر محتويات فصول المحور الاول من كتاب: “صرخة الإسلام”  للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

1-3- في الشّورى:1-3-أ- في معنى الشّورى: إنّ الشورى أو التشاور “أو المشاورة” بين قوم، أو أي جماعة أو أشخاص، وإن اختلفت في صيغها، فهي تعني الوقوف على رأي الآخر ونصيحته وفهمه في أمر يعنيهم، أو تبادل الرأي والتناصح والتفاهم في هذا الأمر؛ وإذا كانت الشورى صفة عرف بها القوم، فإنها تعني أنهم، قبل أن يتخذوا أي إجراء أو تدبير أو تصريف أو حكم أو موقف بشأن الأمر، يقفون على آراء أهل “الحلّ والعقد” منهم، الذين يتمتعون بتأثير اجتماعي واسع فيهم، أو أهل الرأي والمعرفة والخبرة ورجاحة العقل، المشهود لهم بذلك في قومهم، أو المقدّمين في ناسهم؛ ثم يتناقشون فيها، ويقلبّونها، ويمحصّون فيها، ويقوّمونها بنحو من المحاكمة العقلية التي تقضي بهم إلى ما يرونه الأصح والأنسب بشأن الأمر الذي أثار اهتمامهم؛ وبعد ذلك يجري تبني ما وصلوا إليه، ونشره وتعميمه بحيث يأخذ طريقه إلى التنفيذ والتحقيق وفقًا لآليات تواضع عليها هؤلاء القوم(6).

1-3-ب- في فضيلة الشورى: هذا النوع أو النمط من التفاهم وتبادل الرأي والتناصح، يبعد القوم عن الكثير من الخطأ والضرر والتهوّر وتعرّض مصالحهم للشرور والضياع، ويقرّبهم في الوقت نفسه من الكثير من الصواب والنفع والترّوي وصون مصالحهم وحفظها، وجني الخيرات لجميعهم؛ كما أن مثل هذه الشورى يعمل على تقوية أواصر العلاقات القائمة بين القوم حيث يتغلّب الوئام على الخصام بينهم، ويقلّل من فرص تفرّخ الأهواء ونمائها في بيئة التفرّد الأناني بالرأي، لصالح تزايد التعاون والتكاتف والتآلف والتكامل حيث يؤدي هذا المنحى الجماعي إلى تشجيع قبول تحقيق المصالح الخاصة في أطر المصالح العامّة للقوم. وبنمط  الشورى هذا، يشعر ولي أمر القوم المنوط به سياستهم وحكمهم بأنه ليس وحده في تحمّل المسؤوليات والتبعات والأعباء.

أضف إلى هذا، أن هذه الشورى التي عملت على تظهير رأي النخبة واعتماده، فإنها كانت معروفة قبل الإسلام بهذه المعاني على مستوى سياسة القبائل وحكمها حيث كان للقبيلة مجلسها برئاسة سيّدها الذي ينتخب بعيدًا عن الوراثة غالبًا، وحيث تتخذ القرارات بالإجماع أو الأكثرية؛ كما تحدّث القرآن عن معناها محصورة في الاستشارة حيث يبقى الأخذ بها أو عدمه منوطين بالرئيس كما حصل لملكة سبأ بلقيس مع النّبي سليمان، ولفرعون مصر مع النبي موسى، ولملك مصر مع النّبي يوسف، الأمر الذي يراه الإسلام مختلفًا عن الشّورى في ظلّه كما سنرى.

ولكن الأمور لا تجري دائمًا على هذا المنوال من اليسر والسلاسة المثيرة إلاّ إذا غابت الأغراض والأهواء عن الحكم، وهذا من الصّعب جدًّا، إن لم يكن مستحيلاً؛ لأن الحكم بشري، والبشر لهم أغراضهم وأهواؤهم ومصالحهم ورغباتهم وما إلى ذلك، ولأن مع تقدّم الزمن بالمجتمع، والتطوّر والتحوّل فيه، تتعقّد الأمور أكثر ويتصعّب مسار الشورى أكثر، خاصة أنها لا تكون بالإجماع غالبًا، وأنها ليست نظامًا سياسيًا أو نظرية في الحكم أساسًا. ولكنّ هذا كلّه لا يقلّل من الخدمة  الجليلة التي تقدّمها للحاكم وأعوانه ووزرائه وأمرائه وكبار موظفيه في ما يقومون به من حكم وسياسة.

1-3-ج- الشّورى في “النّظام السّياسي الإسلامّي” لقد شاع مفهوم الشّورى وطارت شهرته كأساس ومرجع للحكم والسياسة في الإسلام عند الغالبية العظمى فيه، على الرغم من أنها ليست نظامًا سياسيًّا أو نظريّة سياسيّة كما أشرنا منذ قليل، ومن أن ما يسمّى “النظام السياسي الإسلامي” ليس مستقلاً في نظرية مستقلة، بل هو وجه من أوجه النظام الإسلامي العام الشامل الكامل الصالح لحياة البشر، أو هو جزء منه… فكيف تتجلّى لنا الشورى في الحكم والسياسة إسلاميًّا؟

في السّنة النّبوية، كان النبي المصطفى خير من استشار وشاور أصحابه، وخير من طبّق الشورى وعمل بها، وخير من علّمها أصحابه وجعلهم يقتدون به فيها: ففي غزوة بدر، أخذ برأي “الحباب بن  المنذر” في التموضع للتحكّم بمياه الشرب ومنع الخصوم من الوصول إليها؛ وفي غزوة أحد، نزل عند رأي الأكثرية في ملاقاة ومواجهة قريش خارج المدينة في أحد، في الوقت الذي كان يرى فيه أن تتم المواجهة وهو والمجاهدون في المدينة؛ وعمل برأي الصحابي “سلمان الفارسي” في حفر خندق حول المدينة يحول دون دخول خيول الأعداء إليها في غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب… وباختصار، كان النبي قدوة يحتذى بها في تطبيق الشورى.

أما في القرآن، فإن مفهوم الشورى يرد في ثلاث آيات، يعبّر في كل منها عن تبادل الرأي لنفعه، أو عن الاستعانة برأي الآخر لأهميته في موضوع حيوي وهام جدًا، ولكنه بعيد جدًّا عن الحكم وسياسته. ففي موقف خاصّ بالأنصار إذ لبّوا دعوة ربّهم إلى الإيمان به وعبادته وطاعته وأداء الصلاة، واتصفوا بتبادل الرأي بينهم في ما يعنيهم من أمور، وبإنفاقهم الحلال مما رزقهم الله. فالشورى عند هؤلاء جاءت بمثابة صفة من صفاتهم بالإضافة إلى استجابتهم لاعتناق الإسلام. لنتأمّل في الآية:﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الشورى:38). وفي موقف آخر، ورد المفهوم بصيغة “وشاورهم” حيث الضمير يعود إلى جماعة غزوة أحد، الذين خالفوا وعصوا أوامر الرسول بتركهم مواقعهم في الجبل طمعًا في الغنائم حين لاحظوا راية المسلمين تخفق انتصارًا على قريش، ما جعل الخصوم يستغلون ذلك ويلتفون على المسلمين، محوّلين انتصارهم إلى هزيمة، فكان الرسول، وبرحمة من الله، قد أبدى لهم وعلى الرغم ممّا فعلوه، اللين والرفق واللطف، ولم يكن قاسيًا أو جافيًا أو منفّرًا أو زاجرًا أو فظًّا في معاملتهم؛ فلو كان كذلك لتفرّقوا وابتعدوا عنه. وطلب الله منه أن يتجاوز فعلتهم وإساءتهم، ويسامحهم، ويستغفر لهم، ويقف على رأيهم في الأمر الذي يريده. وبعد ذلك، وعندما يصمم على أمر يراه فليفوّض أمره لله رب العالمين، الذي يحب المعتمدين عليه. فمفهوم الشورى هنا جاء في سياق درس تعليمي إرشادي أخلاقي قدووّي من جهة، ومن جهة أخرى، جاء احتواء لما قام به المخالفون والعاصون للأوامر في غزوة أحد بحيث لا يبتعدون عن سكة الإيمان والإسلام.

لنتفكّر في الآية: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾(آل عمران: 159). أما في الموقف الثالث، فورد مفهوم الشورى بصيغة “تشاور” في حق الولد بالرضاعة وحال والدته مطلقة، فعليها إرضاعه حولين كاملين، وعلى الوالد نفقتها وكسوتها بالمتعارف عليه وبحسب الطاقة والوسع دون إسراف أو تقتير، إذا توافقا على ذلك دون وقوع الضرر على أي من الأطراف. أمّا إن رأى الوالد والوالدة مصلحة للولد في عدم إتمامه الرضاعة لحولين، وأرادا فطامه عن تراضٍ وتفاهم فلا إثم عليهما.

فمفهوم الشورى هنا جاء بمعنى التفاهم لمصلحة الولد حيث تقول الآية في ما تقول: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا -﴾ (البقرة 233). وهكذا لم نرَ أي إشارة إلى الحكم والسياسة في المواقف التي ورد فيها مفهوم الشورى، ولكن، وبشيء من  توسيع أو تعميم “الأمر” إلى كل ما يعني جماعة “أحد” المخالفة والعاصية لأوامر الرسول، وكل ما يعني جماعة الأنصار المستجيبين لربّهم، يصبح متاحًا لنا أن نرى الحكم أو السياسة واحدًا من الأمور التي تعني هؤلاء وأولئك، فضلاً عن كل جماعة أخرى.

أضف إلى ذلك أن المسلمين قد اختلفوا بشأن الشورى لجهة اختيار الحاكم عقب وفاة الرسول؛ وقد تكرّس هذا الاختلاف في ما ذهبت إليه المذاهب والفرق لاحقًا: ففئة قالت بأن الحاكم أو الخليفة أو الإمام لا يأتي بالشورى ولا بالاختيار، بل بالنّص والتعيين، وفئة قالت بأنه لم يكن هناك لا نص ولا تعيين، بل هما الشّورى والاختيار اللذان يؤديان إلى أن يكون للمسلمين حاكمهم… فكيف طبّقت الشورى بعد وفاة الرسول؟

أما خلافة أبي بكر الصدّيق فقد حسمها بضعة من الصحابة. كيف؟ – بعد وفاة الرسول، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وانحازوا لسعد بن عبادة؛ علم بالأمر أبو بكر ، فذهب ومعه عمر بن الخطاب وعبيدة بين الجراح، إلى السقيفة، وجثمان الرسول لم يدفن بعد؛ أُفصح عما في نفس سعد، فقال أبو بكر: هذا الأمر لا يكون إلاّ في قريش، وفي المهاجرين منها؛ وخطب عمر بلهجة أشد وقال: إن هذا الأمر للمهاجرين؛ وقال أبو عبيدة موجّهًا كلامه إلى الأنصار:

أنتم أول من نصر وآزر فلا يصح أن تكونوا أول من يبدّل ويغيّر… طلب أبو بكر أن يتمّ الاختيار بين عمر أو أبي عبيدة؛ فسارع هذان إلى أبي بكر وبايعاه؛ ثم قام الصحابيّ قيس بن سعد من الأنصار وبايع أبا بكر قائلاً: “كرهت أن أنازع قومًا حقًا جعله الله لهم”. ثم توالت البيعة لأبي بكر، خليفة لرسول الله… أما بشأن خلافة عمر بن الخطاب، فقد استشار أبو بكر بعض الصحابة بشأنه، ثم  استخلفه فكان الخليفة الثاني، وتمّت له البيعة. أما عثمان بن عفان فكان أحد ستة من الصحابة اختارهم عمر للتشاور في ما بينهم واختيار أحدهم، فوقع الاختيار عليه، فكان الخليفة  الثالث. وفي خلافة علي بن أبي طالب، بايعه القوم وامتنع عن مبايعته معاوية بن ابي سفيان… ولما آلت الخلافة إلى معاوية بعد تنازل الحسن له عنها، برزت الوراثة وحجبت الشورى عن ساحة الفعل، بل اغتصبت دورها في تنصيب الحاكم وهيمنت على الأمر زمنًا مديدًا.. وبعد، هل نبالغ إذا ما قلنا إنّ الشورى لباس متلوّن أجاد تلبّسها النّزوع إلى السّلطة؟!

1-3-د- الشّورى في ميزان الفكر السّياسي: لم تكن الشّورى في أساسها فكرًا سيّاسيًا إسلاميًّا، أو نظامًا للحكم، أو نظرية في سياسته كما أشرنا آنفًا. فمعناها كان ينحصر في تبادل جماعة الرأي بين أعضائها في موضوع يهتمون به وله، ويتفاهمون على الأنسب والأصحّ بشأنه، أو في الاستعانة برأي الآخر لأهميّته في أمر ما. هذا المعنى وإن بدا منفتحًا على أمر الحكم والسياسة، أو قابلاً للتحوّل إليهما أساسًا أو قاعدة أو نظرية، إلاّ انه ظل خجولاً يلفّه بعض الغموض لجهة مدى تمثيله ووظيفته وآليات تنفيذه وتطبيقه في اختيار الحاكم أو الخليفة بعد وفاة الرسول…

فمن جعل أمر الخلافة لا يكون إلاّ في قريش؟ وأين جعله الله لهم حقًا لا ينازعهم إيّاه “قيس بن سعد”؟ وهل استشار أبو بكر كل الصحابة أو كل أهل “الحل والعقد” بشأن عمر؟! ومن أعطاه حق الاستخلاف، الأمر الذي لم يعمل به الرسول نفسه من قبل؟! وكيف كان لعمر أن يختصر أهل الشورى في ستة اختارهم هو نفسه؟! أو هل من الشّورى أن يستبق كل الآراء ويجعل أحدهم الخليفة؟! وهل من آلية في الشّورى كان لها أن تحول دون انقلاب الصحابيين طلحة والزبير على الخليفة الرابع علي بعد أن كانا قد بايعاه؟! وهل فيها مما كان يحول دون إفساد ممارسة الحكم على الخليفة علي نفسه بتمرّد وعصيان معاوية، فضلاً عن  انقسام المسلمين ذلك  الانقسام الفتنوي الخطير؟! .. الخ، نكتفي بمثل هذه الأسئلة الجديرة بالتأمّل والتفكّر من وجهة نظرنا، ونعود إلى الشّورى ومن وجه آخر.

إن الشورى وبعد التعديلات والإضافات والإسقاطات التي أجريت على معناها ودلالاتها، أصبحت سياسة أو نظامًا للحكم الإسلامي عند  الغالبية من المسلمين، وأصبح مجال معانيها ودلالاتها مرسومًا ومحدودًا ومقيّدًا بأحكام الشريعة الإسلامية، وأصبح أهل الشورى أو أهل “الحل والعقد” هم حصرًا تقريبًا ذوي الدّين وعلم الشريعة والآراء والخبرات التي تدور في فلك الإسلام وأحكامه؛ كما أصبحت مطروحة ومتبناة دينيًا بمثابة البديل السياسي من الديموقراطية التي ابتكرها وأبدعها العقل البشري، الذي يصول ويجول فيها تعديلاً وتطويرًا استجابة لحاجات البشر ومتطلبّات حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية من دون أن يغفل حقوق الإنسان التي سادت فيها الصفة الإنسانية الشاملة لجهة الطبيعة البشرية، والشعور بالانتماء إليها.

ولكننا يجب أن نعترف بأن الشورى، على الرغم من كل ما أُضيف إليها وأُسقط فيها من معانٍ ومميزات ووظائف، لم تتمكّن من أن تكون مقبولة عند جميع المسلمين، وإن ردّها المؤمنون بها، والمنظرون لها إلى القرآن والسّنّة. فها هم الإماميون يرون الحكم بالإمامة التي أساسها وشرعيتها في النص والتعيين، وليس في الشورى والاختيار، هذا من وجهة نظر إسلامية….

أما إذا نظرنا إلى الأمر من خارج إطار الدين، فإننا نرى التشابه ضعيفًا وهشًّا حتى لا نقول مضللاً بين الشورى والديمقراطية. ففي الشورى، يتم التمثيل أوّلاً من طريق نخبة من المتقدّمين المجلين في علوم القرآن والسّنّة بشكل خاصّ، ويتوقّع أو يفترض أن يكون لهؤلاء تأثير اجتماعي واسع في الأمّة، ويكون اختيارهم للحاكم مبدئيًا وتكون شرعيّته في البيعة الخاصة من هؤلاء أو من أكثرهم؛ ثم يتم التمثيل في الحصول على البيعة العامّة التي تشمل سائر الأمة.

والجدير بالذكر هنا، هو أن الناس في البيعة العامة لهم أن يقبلوا أو يرفضوا تأكيدًا للحرية السياسية، أو لحقّهم في ذلك؛ ولكن نظام الشورى يتوجّس شرًّا ممن يعارض، ويضيق ذرعًا بمن لا يبايع. أضف إلى ذلك، أن هذا  التمثيل يرجع في مصدره إلى حاكميّة الله تعالى المتمثّلة بـ “ما أنزل الله في القرآن” وبـ “ما سنّه المصطفى في نبّوته، علمًا بأن ما سنّه لا يخرج عن الإطار العام لما أنزل في كتاب الله إلى الناس أجمعين.. أما في التمثيل الديمقراطي، فيكون مصدر الحكم وسلطته وسياسته في إرادة الشعب عن طريق الاقتراع السّرّي حيث يكون للمواطن الحريّة التامة في  اختيار من وما يريد، وفي رفض من وما لا يريد؛ وفي الديمقراطية مرونة وقابلية ومواكبة للمستجدات، واستعداد للتكيّف معها أو لتكييفها مع متطلبات وحاجات الناس؛ وفيها الطرق مفتوحة أمام العقل الذي يواكب التقدّم والتغيّر والتطوّر، وهو اللّاعب الفاعل فيها جميعًا لكونه مرجعية أصيلة لها؛ وفوق هذا وذاك، يتم فيها تداول السلطة بوضوح وشفافية حيث يشعر الشعب بأنه صانع كل ذلك…

فمثل هذه المرونة والقابلية للتغير والعقلانية يكون في نطاق ضيّق جدًّا أو هامش منحسر جدًّا، إن لم يكن معدومًا، في نظام الشّورى؛ لأن التغيّر يستدعي إعادة نظر في القرآن والسّنة، وهذه من الصعوبة بمكان إن لم تكن مستحيلة، لاعتبارهما صالحين لكل زمان ومكان. ثم إنّ نظام الشورى يسعى بالناس إلى كسب الآخرة عبر الدنيا، ويجعل من هذه وسيلة لتلك، باعتبار عالم الشهادة آيلاً إلى الزوال والفناء، في حين أن عالم الغيب دائم وخالد. والناس سيتوزّعون في الآخرة وفقًا لأعمالهم: سيكون مصير أصحاب الأعمال الطالحة الشريرة في جهنمّ يشقون بجحيمها، ومصير أصحاب الأعمال الصالحة الخيّرة، في الجنّة يسعدون بنعيمها. بينما يركز النظام الديمقراطي على حياة الناس في دنيا الشهادة دون أن يكون العالم الآخر من اهتماماته. ولكنه لا يمنع القيّمين على الدّين من إعداد أتباعهم للحياة الأخرى.

أضف إلى ذلك، أن عالميّة نظام الشورى تنتهي عند حدود أهل الإيمان به، بمصدره ومرجعيّته، بالقرآن والسّنة، وأن أهميّة الرأي الآخر ومكانته وشرعيّته فيه تتوقف على مدى دورانه في فلك كتاب الله وسنّة نبيّه؛ بينما عالميّة النظام  الديمقراطي تقف عند حدود الإنسان مهما يكن موقفه من الدّين، وعالم الغيب وطبيعة اعتقاداته، كما أن الرأي الآخر وأهميته ومكانته وأصالته يتوقّف فيه  على ما يقدّمه من نفع وخدمة وحل وعلاج بشأن ما يعني الإنسان دون اعتبار لما يؤمن به صاحبه أو يكفر…

1-3-هـ- في صلاحيّة الشورى في الحكم والسّياسة: ليس من شك في أن الشورى في معناها الأساس كثيرة النفع، وجليلة القدر، وعظيمة الأهمية حيث تفضي بالمتشاورين إلى الرأي الأفضل والأنسب والأصوب، في الأمر موضوع التشاور. وهذا من الفائدة بمكان بالنسبة إلى الحاكم وأعوانه، كما ذكرنا سابقًا… أما في معناها المطوّر إلى نظام حكم، فإنها ترضي أهل الإيمان به على الرغم من أنه يبطّئ حركة التغيّر والتطوّر إلى درجة خطيرة نظرًا لاعتباره قائمًا على كتاب الله وسنّة نبيّه الصالحين لكل زمان ومكان في نظر هؤلاء، بالإضافة إلى أن نخبة قليلة من العلماء في الدين يستعينون بالله وكتبه وسنّة نبيّه، ويختارون الحاكم الذي يجنح بدوره إلى الحكم بإرادة الله واسمه، الأمر الذي يجعل مراقبته ومحاسبته ومساءلته من الصعوبة بمكان، على الرغم من أهمية المبايعة أو البيعة العامة.

وللشورى أهميّة كبرى في اهتمامها وتقديرها لرأي الآخر، ولكن هذا ساري المفعول ما دام هذا الآخر في رأيه، مؤتلفًا موافقًا منسجمًا مع رأي الطرف الأوّل، أو ما دام طرفا التشاور يرجعان إلى مرجعية الشورى ومصدرها، أي إلى القرآن والسّنة على نحو ما جعل من الشورى نظامًا للحكم. أمّا إذا تباين الآخر واختلف في ما يرجع إليه في رأيه، فيقصى ويخرج من دائرة الاهتمام والتقدير، وبالتالي يصبح الانفتاح على الآخر محدودًا في نطاق ذوي الاعتقادات الواحدة المتماثلة ليس إلاّ.

لعلّه من نافل القول، إن رأي النخبة من العلماء أو من أهل “الحل والعقد” يأتي أنضج وأرقى وأوفى وأكفى في مسألة تشاوروا بشأن حلّها أو معالجتها؛ ولكن هذا الخير يكون أعمّ وأجدى بما لا يقاس إذا جاء نتيجة لنخبة من العلماء الذين لا يقتصرون على المنظور الديني الذي ينتهي في القرآن والسّنّة لجهة المعرفة والعلم والخبرة، يخبرون الحياة ويواكبون مناحيها كلها في السياسة والاجتماع والتربية والهندسة والطب والزراعة والصناعة والاقتصاد والرياضيات والفيزياء والكيمياء، وعلم الأحياء والثقافة، والأبحاث والتجريب، وما إلى هذا وذاك، مما يخرج عن طاقة ووسع علماء الدّين الذين يرون الإطار المرجعي العام والشامل والكافي للحياة في تطوّراتها وتعقيداتها ومستجداتها في القرآن والسّنة دون الحاجة إلى غيرهما.

أما رأي العامّة، أو البيعة العامة التي تتبع البيعة الخاصة التي أسّست للحكم والحاكم، فإن دورها هام وهام جدًا مما ليس فيه شك، لأنها تتوّج اختيار القلّة القليلة بالموافقة والولاء، الأمر الذي ييسّر للحاكم الحكم في تدبير أمور الناس، وتصريف شؤونهم، تبعًا لإصلاح الدّين وأهدافه وغاياته. ولكن المبايعة والشورى كلتيهما من النادر جدًّا ما تكونان بالإجماع، بل هناك دائمًا معارضون ولامبالون. وهؤلاء على الرغم من أنهم أقلية قليلة بالنسبة إلى أكثرية الموالين والمبايعين، فإنهم موضوع قلق بالنسبة إلى الحاكم وحاشيته، ولا يجدون من الحرية ما يتيح لهم ممارسة التعبير عن آرائهم، وغالبًا ما يواجههم الحكم بالقمع وشلّ فعلهم، متهمًا إياهم بالخروج عن الشّرعية، ومخالفتهم الأحكام الشرعية التي يكون الحاكم حاكمًا عندما يأتي بها سدّة الحكم وفي إطارها… فإذا كان هناك حريّة سياسية فعلاً في أن يقول الناس نعم أو لا في أمرها، فالاستجابة بــ “لا” لا تقل أهمية عنها بــ “نعم” في العمل السياسي، وينبغي لها أن تأخذ فاعليتها في طريق مراقبة الحكم ونقده، كما ينبغي أن يكون لها حق ممكن ومشروع في تداول السلطة. ولكن، هل هذا متاح في نظام الشورى؟ وهل شرعيّة الحكم تطيق أن يكون للمعارضة شرعيّة في فعلها؟!

1-4- في الحرّيّة: 1-4- أ- في معنى الحرّيّة: يمكن النظر إلى حريّة الإنسان في مجتمع يحكمه نظام سياسيّ معيّن، في مدى تمكّنه مما له من حقوق ومن التمتع بها وفقًا لرغباته وإرادته شرط ألّا يضرّ بالغير، ولا يعتدي على حقوق الآخرين في ذلك، وفي مدى التزامه بالقيام بما عليه من واجبات وتكاليف تجاه نفسه والآخرين والمجتمع، أو في تمكّنه من القبول والرفض، من قول نعم ولا، وقدرته عليهما في ما يراه في أمر يعتقده ويرتإيه في نطاق الأطر المرجعية الاجتماعيّة العامّة التي يرجع إليها تحديد الحقوق والواجبات، وتنظيم الآليات للقيام بهذه والتمتع بتلك… فمدى  الحريّة التي يتمتع بها  الإنسان يتوقف على النظام السياسي الذي يعيش في ظلّه، وعلى مدى احترام هذا النظام “حقوق الإنسان”، وصحة وصدق تطبيق مع ما يعلنه بشأن الحقوق والحريات.

والحريّة على هذا النحو ليست واحدة في كل مجتمعات البشريّة، بل هي في واقع الحال مختلفة، وباختلافها يختلف النظر إلى كرامة الإنسان تبعًا للمنظور السياسي المعتمد والمطبق في هذا المجتمع أو ذاك. وبالطبع ينسحب ذلك الاختلاف على مناحي الحياة وأسبابها وقيمها وحركة تقدّمها ورقيّها في سياق تقدّم ورقيّ البشرية جمعاء. فما مدى الحريّة والسّياسة في القرآن والسّنة اللذين يستمد الحاكم حكمه منهما، مما أنزله الله في كتابه، ومما كان من سنّة نبيّه؟

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى