مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”42″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
4-2-أ- (4)- سنّة الله في من يتبع ومن لا يتبع هداه: لنتأمّل ونتفكّر في ما سنّه الله لمن يستجيب فيمتثل لأمره ونهيه وحكمه وحلاله وحرامه، من معيشة هانئة يسيرة وقد ظللها الإيمان بالله والعمل بهداه والتزام سواء السبيل والصراط المستقيم، وفي ما سنّه أيضًا لمن يعرض عن ذكره فلا يستجيب لشريعته، من معيشة صعبة شقية عسيرة لعصيانه الله إن لم يكن لكفره به، وضلاله وانحرافه عن المنهاج القويم. هذا ما نفهمه من الآيتين:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾(طه:124,123).
ولكن، في الوقت الذي نجد فيه هذه السّنّة تنطبق على الكثير من أهل الإيمان المطيعين المتبعين لهدى الله حيث يعيشون ميسورين متمتعين بنِعَم الأرض وخيراتها، وعلى الكثير من أهل الكفر العاصين المعرضين عن هدى الله حيث يعيشون حياة شقاء ومعيشة ضنكا وقد كثرت عليهم نِقَم الحياة ومنغّصاتها، فإننا نجد في الوقت عينه الكثير من أهل التقى والورع والإيمان يعيشون معيشة ضنكا، والكثير من أهل الضلال والعصيان والكفر يعيشون حياة وقد كثر نعيمها ويسرها خلافًا لما ذهبت إليه سنّة الله في هؤلاء وأولئك…
وفي السياق نفسه، يمكن أن نجد أن الكثيرين من أهل الضلال الذين يخدعون ويضللون آخرين وينصبون لهم الأفخاخ ويحيكون لهم المكائد طمعًا في انتفاع غير مشروع، يقعون في سوء ما مكروا فيه ودبّروه من الأذى والشّرّ مصداقًا للآية: ﴿-وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ -﴾(فاطر:43).
ولكن هناك أيضًا الكثيرين من الماكرين السيئين والظالمين والمستبدين والمفسدين على حساب مصالح الآخرين وحقوقهم، يتمتعون بثمرات مكرهم السيئ ونعيم شرورهم في عالم الشهادة، خلافًا لما سيكون عليه الأمر في الآخرة حيث العدل الإلهي الذي لا يظلم فيه أحد… أما ما يجعل سنّة الله على الأرض وفي إطار البشر، لا تأخذ مداها المرسوم لها فهو إمكانية تعرّضها للتمرّد عليها من قبل الإنسان، خليفة الله في الأرض، السيد الحر في خلافته وفي طاعة الله ومعصيته بالإضافة إلى ما يعكسه من إرباك عليها تفرّد الناس المختلف في ما بينهم، الأمر الذي يفضي إلى تحويل وتبديل بهذا القدر أو ذاك في سنّة الله.
4-2-أ- (5)- سنّة الله في الضرورة: ان المواقف الصعبة جدًّا والحرجة جدًّا، والتي يضطر فيها الإنسان الى المعصية، أو يكره عليها أو يرى فيها ضرورة من أجل إنقاذ حياته، كأن يأكل مما حرّم عليه أو يعلن كفره بالله وقلبه مفعم بالإيمان الثابت به، ان هذه المواقف تحرم الإنسان من حريّته، وتعدمه الحيلة، الأمر الذي يجعل معصيته مباحة لا إثم فيها عليه كما تذهب إلى ذلك الآيتان:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ-﴾(البقرة:173)، و﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل:106).
ولكن يكون هذا الإنسان قد تصرف في ذلك على نحو يناقض فيه تمامًا السّنّة التي تقضي بالعمل بما حرّمه الله، وما حلّله، وبالتزام الإيمان والجهر فيه في عالم الشهادة. أضف إلى ذلك أن العمل بالتقيّة، وهي أن يظهر الإنسان ما لا يبطنه، اتّقاء للشّرّ المهدد للحياة، وحفاظًا عليها، يندرج في السياق نفسه، كما جاء في الآية: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً -﴾(آل عمران:28).
وإننا لنؤكّد، مرة ثانية، ومن وجهة نظرنا التي قد يشاطرنا فيها الكثيرون، أن الله لا يخضع للضرورة ولا للاضطرار، لأنه المطلق في كل ما يليق بذاته تعالى. بيد أنه جعل الإنسان أن يجد فيهما رخصة له لمعصية سنّته التي تتغيّر في الإطار الإنساني. وفي هذا المقام، يحضرنا شيء لا نراه من وجهة نظرنا أيضًا يجوز أن ينسب إلى ربّ العالمين، ألا وهو “النسخ” وهو إبطال حكم أو تغييره بحكم آخر يلغيه.
إن النسخ في هذا المعنى يندرج في المستوى البشري، ويجب أن يبقى للإنسان الذي يتخذ قرارًا في أمر ما، فيكتشف أن فيه نقصًا أو عيبًا، أو خطأ، أو أنه لا يكفي أو لا يفي بالغرض، أو أنه جاء متسرّعًا أو في سورة غضب، أو أنه كان من الخطأ اتخاذه، فيجب التراجع عنه، إلى ما هنالك من احتمالات دفعت إلى اتّخاذه، الأمر الذي يجعل “النسخ” خاصيّة بشريّة تتناسب مع نسبيّة الإنسان في كله وفي بعضه. فالنسخ لا يعقل أن يصدر عن الله المطلق في مشيئته وقدرته وعلمه وحكمته وكماله… أما الأخذ بالنسخ المنسوب إلى ربّ العالمين فلا يتعدّى كونه فهمًا بشريًا، علمًا بأنه تغيير كامل في سنّة الله. لنتفكّر في الآية:
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(البقرة:106).
4-2-أ-(6)- الفهم البشري يغيّر في طبيعة الرسالات السماوية: لقد تحدّثنا بما فيه الكفاية عن “الفهم البشري المختلف المتألّه للإسلام” (15). فلا نرانا بحاجة إلى التكرار. بيد أنه لا بدّ لنا من التذكير بأن هذا الفهم قد صادر الإسلام المحمدي في هويته ووحدته، وشرذم أهله.
أضف إلى ذلك أن الإنسان في كل ما يقوم به من نشاط يتغيّر في الزمان والمكان والظروف والأحوال، الأمر الذي ينعكس في فهمه المختلف المتألّه للدين والذي يجعل هذا الدين مختلفًا متغيّرًا تبعًا لوجهات نظر فقهيّة واجتهاديّة وتأويلية، كما يجعله أيضًا متماهيًا في بشريّة الإنسان فهمًا وإيمانًا وممارسة؛ والدليل الساطع على ذلك والذي لا يختلف فيه عاقلان، هو ما هو قائم بشأن الإسلام وأهله في الواقع المرير الذي يحتضن السّنّة أو السّنّن الإلهيّة في منظومات من الأحكام والشرع تختلف مع كل مذهب أو فرقة أو جماعة أو تيار أو حزب أو حركة حيث يدّعي كل منها أنه الإسلام الصحيح السليم الحقيقي دون غيره…
لعلّنا نكتفي بهذا القدر من استقراء تغيّر السّنّة الإلهية في القرآن الكريم، لنكمله في السّنّة النبويّة.
4-2-ب- في السّنّة النبويّة: إننا لا نطيل في تتبّع ما يدل على تغيّر السّنّة النبوية تبعًا لما كان يراه الرسول المختار من معطيات وظروف وأحوال تحيط به وبدعوته إلى الدين الجديد انطلاقًا من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة في زمن نبوّته في شبه الجزيرة العربية، فنقف عند الوقائع التالية:
4-2-ب- (1)- في تبليغ الرسالة وممارستها: لقد انتهج النبي المصطفى أكثر من أسلوب وأكثر من طريقة في سنّته في تبليغ الدعوة إلى الإسلام ونشره، وفي ممارسته له، متدبّرًا شؤونه وفقًا لما قرأه في ميزان القوى بين الاستجابة له ممن آمن به من جهة، وبين من نصب له العداء من جهة أخرى. ففي زمن النبوّة المكّي حيث كان الجو السائد معاديًا للدين الجديد وللمبشر به، اعتمد الرسول السّرّيّة في تبليغ الدعوة لمن يثق به مدة ثلاث سنوات مع توخي الحيطة والحذر والتخفي اتقاء لقوة قريش وصلفها وعصبيتها، وحرصًا على عدم ضياع الدعوة.
ثم جهر بالدعوة، فثارت ثائرة قريش وآذته واضطهدت أتباعه ممن لا حماية قبلية له. فتحملوا وكابدوا وعانوا لائذين بالصبر والتوكّل على الله إلى أن تمّت لهم الهجرة إلى المدينة، ليبدأ ميزان القوى يتعدّل لصالح الدعوة حتى رجح لها كليًّا مع فتح مكّة، مارًّا بمستويين من استثمار القوة التي صارت بتصرف الرسول في زمن نبوّته المدني: الدفاع ورد الاعتداء وقتال المهاجمين المعتدين، ثم الدفاع وأخذ المبادرة في الهجوم ومجابهة كل ما كان يقف في وجه تقدّم الدعوة ونشرها وسيطرتها. فمن الوضوح بمكان أن السّنّة النبوية في قيادة الدعوة قد تغيّرت بالنظر إلى ما فرضه ميزان القوى المعني من السّرّية إلى الجهر بها فإلى الدفاع عنها والهجوم بها.
4-2-ب-(2)- الرسول يغيّر من سنّته: لقد كان الرسول قد استن “التوارث بالمؤاخاة” بين الأنصار والمهاجرين عندما أرساها فيهم عقب استقراره في المدينة المنوّرة، كما كان قد قسّم “غنائم بدر” بالتساوي بين المقاتلين. ولكن، سرعان ما غيّر ما استنّه، فجعل التوارث في أولي الأرحام، وقسمة غنائم الحرب بحيث يكون للمقاتلين أربعة أخماسها، وخمسها لله ورسوله وقرابته واليتامى والمساكين وابن السبيل؛ أما الغنائم التي تتم من غير حرب فهي فيء بتصرف الرسول. ولقد فعل كل ذلك التغيير استجابة للتشريع القرآني الذي أنزل إليه(16).
4-2-ب-(3) الرسول يعطي “المؤلّفة قلوبهم” من غنائم “حنين”: لقد جعل الله نصيبًا “للمؤلّفة قلوبهم” من الصدقات كما استنّ ذلك في الآية:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:60). بيد أن الرسول فكّر ودبّر وأغدق على هؤلاء المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين من دون الرجوع إلى التشريع القرآني، ما جعل الأنصار يشعرون بالغبن إلى حين أطلعهم النبي على ما رمى إليه من اجتهاده هذا.
لعلّ أخذ الظروف والأحوال والمعطيات في واقع الأمر بعين الاعتبار لم يكن شيئًا نادرًا وحصريًّا في سنّة الرسول: لقد أوقف العمل بنصيب المؤلّفة قلوبهم في خلافة أبي بكر آخذًا برأي عمر بن الخطاب؛ وهذا تغيير في إحدى سنن الله.
أضف إلى ذلك أن أراضي العراق بعد فتحه لم توّزع على المقاتلين، إنما تركت لمالكيها والعاملين فيها، وقرّر الخراج عليها لبيت مال المسلمين؛ وهذا مغاير للتشريع القرآني ولسنّة الرسول في آن معًا: كان الرسول قد جعل “خيبر” فيئًا للمسلمين بعد تخميسه، و”فدك” فيئًا خالصًا له(17).
وبعد، يمكننا أن نرى بوضوح تام أن الإسلام في سنّته، بل في شريعته، وفي مرجعيها، القرآن والسّنّة، يتغيّر في الزمان والمكان، ويراعي الظروف والأحوال الدائرة في فلك البشر، والمقيّدة لحياتهم، ما يعني أن سنّة الله تنطوي على التغيير، على التحويل والتبديل، في حياة الناس، بل يبرز هذا التغيير شيئًا ملازمًا لطبيعة سنّة الله وجوهرها في حياة خليفته في الأرض… ويصبح بالتالي، المعنى الإجرائي لعبارتي “لا تجد لسنّة الله تحويلأً، ولا تجد لسنّة الله تبديلًا” على النحو التالي: “لا تجد لسنّة الله تحويلًا عن التحويل، ولا تجد لها تبديلًا عن التبديل” في شؤون البشر. ولكن، هل تفلت من التأريخ؟
4-3- في تاريخيّة الإسلام: دينيًا، أحاط الله بكل شيء علمًا، وقدّره تقديرًا، وقضى بشأنه قضاء، وقال لما شاء له أن يكون “كن” فكان. وأمره هذا كان كافيًا لإيجاد أو إحداث أو خلق عالمي الشهادة والغيب الذي يختص بعلمه وحده، ومن أنعم عليه وخصّه ببعض علمه ممن شاء من هذين العالمين. أما عالم الشهادة فقد جعل الله الإنسان خليفة له فيه. وهو يعنينا لذلك في بحثنا الذي يتمحور في الكوكب الذي يعيش عليه الإنسان بالإضافة على نباته وحيوانه.
والله مع خلقه عالم الشهادة هذا، فقد خلق فيه ما يحكمه من سنن أو قوانين أو نواميس، فأمكن انتظامه وبقاؤه واستمراره في الوجود إلى حين لا يعلمه إلاّ هو، كما خلق أيضًا الزمن الذي يلازمه (عالم الشهادة) على نحو ملازمة ما يحكمه، فأمكن التأريخ له، ولكل ما يحدث فيه بفعل قادر مطلق هو الله الذي يُؤْمَنُ به واحدًا أحدًا صمدًا، أو بفعل قوى خارقة وفقًا لمعتقدات أخرى، أو بفعل فاعل حرّ مسؤول هو الإنسان، أو بفعل عوامل لا إرادية من قبل الجماد أو النبات أو الحيوان…
فالسؤال الكبير الذي تبتّ الإجابة عنه فيما إذا كان الإسلام تاريخيًّا هو: هل ما كان تحقيقًا لأمر الله “كن” بشأن عالم الشهادة هو تاريخي أم هو يفلت من التأريخ؟ – لنرَ ما يأخذنا إليه الاستقراء بشأن هذا السؤال وبما يستلزمه من إجابة، استجابة للحض الإلهي في القرآن على إعمال العقل مصداقًا للآية:﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ –﴾(العنكبوت:20)
4-3-أ- مما كان بأمر الله “كن”: ان الكلام على ما كان بأمر الله “كن” يطول ويكاد لا يحصى ولا ينتهي إذا شئنا أن نتتبّعه. لذا فإننا نكتفي بالكلام على عنوانين كبيرين، ونحصره فيهما، لأنه يفي بالغرض بهما، ألا وهما عالم الشهادة (الكون) والإنسان (الجنس البشري). فماذا عن كلّ منهما؟
4-3-أ- (1) – عالم الشهادة أو الكون… تاريخي: ان عالم الشهادة (الكون) في خلقه بـ “كن” وفي وجوده “رتقًا بين السماوات والأرض، ثم فتقًا بينهما” وفي “رفع السماوات ومدّ الأرض” وفي تشكّله على الصورة الراهنة له مع الأخذ بعين الاعتبار للتغيّرات والتحوّلات التي طرأت عليه وهو يتشكّل، وفي امتداد فضائه واتساعه، وفي غباره وأجرامه وكواكبه ونجومه ومجرّاته، وفي كل وجه من وجوه تشكّله، إنّ له بداية عامّة شاملة ذات تاريخ محدّد بدأ ببدء الزمن فيه ومعه، وله بقاء واستمرار في الوجود في الزمن، وله أيضًا نهاية ينقطع فيها عن الوجود فناء أو هلاكًا، وينتهي معها التأريخ والتاريخ وكل ما يرتبط به (الكون) من زمن وسنن حاكمة له، كما أخبرت الآية:
﴿-لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾(القصص:88). ولعلّه من نافل القول إن البداية لعالم الشهادة، ومدّة استمراره في الوجود، ونهايته بهلاكه، كل ذلك هو في علم الله لا يعرفه الإنسان حتى تاريخه. ولكن هذا لا يعني أنه لا تاريخ لبداية الخلق أو لا تاريخ لنهايته، أو لا تاريخ لكثير من أمر الله في تشكّل الكون، من قبيل متى كانت السماوات والأرض رتقًا، ومتى كان فقتهما، ومتى كان رفع السماوات، ومتى كان مدّ الأرض… الخ،
بل لكل ذلك تواريخ محدّدة إلاّ أنها غير معروفة لنا نحن البشر حتى الآن. ولكن، كيف استقر الرأي عندنا على أن الكون هو تاريخي؟- لأنه إذا لم يكن له بداية فهذا يعني أنه أزلي، وإذا لم يكن له نهاية، فمعناه أنه أبدي. ومن المعروف، بل من المسلّم به، دينيًا، أن لا شيء يشارك الخالق في أزليته أو في أبديّته. لذا وجب أن يكون عالم الشهادة أو الكون مرتبطًا حكمًا بالزمان والمكان والظروف والأحوال، لا يفلت منه شيء من التاريخيّة.
4-3-أ-(2)- الإنسان أو الجنس البشري… تاريخي: لقد كان عالما الشهادة والغيب ولم يكن بعد الجنس البشري فيهما حتى كان أمر الله بخلق آدم ثم خلق حوّاء، فجعل لهما حياة رغيدة في الجنّة. بيد أنهما خالفا تحذيره لهما وأكلا من الشجرة التي نهاهما عن الاقتراب منها. فكان أمره بهبوطهما من الجنة في عالم الغيب، إلى الأرض في عالم الشهادة، ليبدأ بذلك الجنس البشري ويستمر بالتناسل من طريق الزواج، ويكون للإنسان، فردًا وجماعة، مستقرّ في الأرض، ويتمتع بخيراتها إلى حين انقطاعه عن الحياة بالموت فردًا، وإلى حين النشر أو البعث يوم القيامة حيث ينتهي الجنس البشري بانتهاء عالم الشهادة عن الوجود بالهلاك…
وهكذا نرى أن لكل من آدم وحواء بداية وهي تاريخ مجيئهما إلى الوجود وعاشا مدّة معينة من الزمن في الجنة. ثم لهما تاريخ هبوطهما إلى الأرض حيث بدأت حياتهما في عالم الشهادة. وهذا التاريخ هو تاريخ ظهور الإنسان في هذا العالم. ولكل من أفراد الجنس البشري عمر يبدأ بتاريخ ولادته وينتهي بتاريخ وفاته، وللجنس البشري هذا تاريخ ظهوره على الأرض مع وبهبوط آدم وحواء إليها وهو تاريخ وجوده فيها وله تاريخ نهاية وجوده يوم القيامة…
فالإنسان، فردًا وجماعة، له بداية ونهاية فهو تاريخي، ويستحيل أن يكون أزليًا أو أبديًا، لأن الأزلية والأبديّة هما خاصتان بالله وحده، لا يشاركه فيهما أحد أو شيء. وكل الأجناس الأخرى هي مثل الجنس البشري بفارق أن الله قد اختص الإنسان بحياة أخرى في عالم الغيب. وفي الوقت الذي تكثر فيه معرفة الإنسان بتاريخ البشرية وعالم الشهادة، فإنها لا تعوّضه عمّا لا يعرفه من الكثير الكثير عن الجنس البشري ومصيره، فضلًا عمّا يجهله عن الأجناس الأخرى.
4-3-ب- القرآن يؤّرخ للكتب السماويّة، وللرسل والأنبياء: ان القرآن يشير إلى خلائق عالم الشهادة وإلى بعض خلائق عالم الغيب. بيد أننا نركّز على الرسالات السماوية وعلى من كلّفه الله بتبليغها الناس، لنسارع إلى القول إنها تاريخية وإنهم تاريخيون كما سنرى في إطار ما يعقله العقل بشأنهما من أدلّة وبينات وبراهين حفلت بها آيات عديدة من القرآن الكريم. والجدير بالذكر في هذا المقام، ان الحديث عن الرسائل يستدعي الحديث عن الرسل والعكس صحيح. وفي هذا السياق، سنجمل في تأريخ الرسائل والرسل عامّة، وسنفصّل بعض الشيء في تأريخ الإسلام:
4-3-ب-(1)- في تأريخ الكتب السّماوية ومبلّغيها: لقد أعلم الله في كتابه العزيز، نبيّه المصطفى بأنه أوحى إليه كما أوحى إلى سواه من الأنبياء والرسل من قبيل نوح والنبيّين من بعده، وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وأيوب ويوسف وهارون وسليمان؛ وآتى داوود الزبور؛ وأخبره أيضًا بأنه قصّ عليه بعضهم ولم يقص بعضهم الآخر، وبأنه جعلهم مبشّرين منذرين حتى لا يحتجّ على الله بعد الرسل محتجّ (18).
لقد بشّر هؤلاء الرسل والأنبياء أقوامهم بما أوحاه الله إليهم من لدّنه من الرحمة ونور العلم والهدى والصراط القويم، وأنذروهم بسوء عاقبة عصيانهم وتكذيبهم بما جاءهم من ربّ العالمين. لعلّه غني عن البيان أن هؤلاء الرسل والأنبياء وأقوامهم كان لكل منهم موطنهم وزمنهم، وكان لكل رسالة إلهية مع المكلّف بتبليغها بداية ونهاية وظروف وأحوال سجّلت بحيثياتها كلها في كتاب عالم الشهادة، وإن لم نقرأ منه إلاّ القليل… فهذه التوراة كتاب أنزله الله إلى نبيّه موسى، فيه نور وهدى لقومه بني إسرائيل، كما جاء في الآية:
﴿وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾(الإسراء:2). لقد آتاه التوراة من بعد ما استأصل الظلمة والكفرة والكذبة من الأمم القديمة، الذين عصوا رسلهم وكذّبوهم من أمثال قوم نوح، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، وقوم لوط، والذين أسماهم الله “القرون الأولى”، تبصيرًا وتنويرًا وهداية ورحمة للناس، كما أخبرت الآية:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾(القصص:43) . أضف إلى ذلك أن في التوراة ما يمكّن النبيّ موسى من إخراج قومه من ظلمات الشرك والكفر والضلال والجهل إلى نور التوحيد والإيمان والعلم والهدى كما أعلمت الآية:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ-﴾ (إبراهيم:5)… فهذا غيض من فيض مما آل إليه تبليغ النبي موسى قومه التوراة منذ تنزيلها إليه من رب العالمين إلى آخر شيء بشّرهم به وآخر شيء حذّرهم منه، وأنذرهم بسوء عاقبته بالإضافة إلى سائر الأحداث والأمور التي جرت خلال فترة التبليغ. فلكل شيء يمت بصلة إلى النبي موسى وقومه، حيثياته من مكان وزمان وظرف وحال وسبب وغاية وما إلى ذلك وله تاريخ، بل هو تاريخيّ…
وهذا الإنجيل كتاب أنزله الله على السيد المسيح عيسى بن مريم، فيه من الرحمة والهدى ونور العلم ما يكفي ليأخذ بيد من تبعه، وآمن بما جاء به من لدن رب العالمين، إلى التوحيد والإيمان والهدى والرحمة والتسامح والمحبّة، كما جاء في الآية:
﴿-وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً-﴾ (الحديد:27). ان السّيد المسيح، كرسول، قام بكل ما طلبه الله منه لتبليغ رسالته الناس، كما كان قد قام به رسل كثر سبقوه في الزمن، وعانى الكثير ممن كفر بما جاءه، وكذّبه وظلمه وآذاه، كما عانى أولئك الرسل من أذى أقوامهم وكفرهم وظلمهم وتكذيبهم، الأمر الذي يقدّم الحجّة الكافية لله في إهلاكهم كما أشرنا إلى ذلك منذ قليل.
إنه قدر الرسل والأنبياء أن يتحمّلوا أعباء رسالاتهم، ويصبروا على مشاقهم، ويكتفوا برضا الله عليهم، وحمايته لهم، وأجرهم العظيم من عنده. والسيد المسيح رسول قد مضت من قبله الرسل، مصداقًا للآية:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (المائدة:75). فالشيء نفسه الذي قلناه بشأن النبي موسى ورسالته يمكن تكراره هنا بشأن السّيد المسيح ورسالته لجهة تاريخّيتهما. ترى، أيمكن تكرار هذا الشيء نفسه بشأن النبيّ محمد ورسالته التي تخبر أهل الإيمان في أمّته بأن سننا ورسالات إلهيّة قد سبقتهم في الزمن، وتأمرهم أن يتعقبوا آثارها، ويتعظوا بما آل إليه مصير الكفرة والظلمة والكذبة، ويحسنوا أخذ العبرة، ويثبتوا على الإيمان، ويلتزموا سواء السبيل والصراط المستقيم، وفقًا للآية:
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾(آل عمران:137)؟ لننظر في هذا السؤال بشيء من التفصيل.



