مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”12″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” اليوم، نشر محتويات فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

2-4-ب- الهجرة إلى الحبشة ومقاطعة الدعوة وبني هاشم والمطّلب: بيد أن شرّ قريش بظلمها وأذاها وتجبّرها كان في ازدياد واشتداد مع كل خرق ينجزه الرسول وأصحابه في هذه القبيلة أو تلك، وفي هذا المولى أو ذاك لصالح الدعوة، ما جعلها تستشعر الخطر الداهم الزاحف عليها من الدين الجديد، الأمر الذي جعلها مرة أخرى تقسو وتؤذي وتتمادى في شرورها. التي كان النصيب الأكبر منها يتلقاه من آمن بالدعوة، ولم يكن له عشيرة أو قبيلة تمنعه من الظلم وتحميه بفضيلة الحميّة القبلية؛ إن حكاية كل من “آل ياسر” و”بلال” ليست الوحيدة.

2-4-ب- (1)- الهجرة إلى الحبشة: في هذه البيئة التي يسودها الجهل بالدّين الجديد، والجور عليه، والشّرك حيث كان حقد قريش يتعاظم على النّبيّ وأتباعه، كان أبو طالب يحول دون النيل منه على الرغم من بقائه على دين آبائه. ولكن، لا أحد يحول دون تعذيب واضطهاد من كان يؤمن بالإسلام وليس له من يحميه أو يمنعه من جور الظالمين؛ فما كان من الرسول إلاّ أن أمر بضعة عشر رجلاً وامرأة بالهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة لبعثه نبيًا رسولاً، (لقد سمّت “السيرة النبويّة” (5) عشرة رجال وأربع نساء؛ وقيل 12 رجلاً و4 نساء؛ وقيل أيضًا 11 رجلاً و5 نساء)، حرصًا على حياتهم وأمنهم ودينهم لعلمه بأن ملك الحبشة النجاشي ملك عادل ومنصف ولا يُظلم عنده أحد. لقد لبّى هؤلاء طلب الرسول طائعين محتسبين. وكانت بهم الهجرة الأولى للمسلمين.

ولكنهم لم يلبثوا طويلاً حتى عادوا بعد ثلاثة أشهر تقريبًا بعد أن بلغهم أن الظروف في مكة أصبحت مقبولة وآمنة. وعندما وصلوا تفاجأوا بتعاظم شرور قريش واشتداد أذاها مع ازدياد خرق الرسالة للكثير من القبائل. فلم يدخل أحد منهم مكة إلاّ بدخوله في جوار وأمان أحد رجال القبائل فيها. فعاد بعضهم إلى الحبشة ومعه أناس جدد. وبدأت بذلك الهجرة الثانية إلى الحبشة، التي كانت كما يبدو على دفعات تتزامن مع تزايد غضب قريش وشرّها وحقدها وجورها على الدعوة وصاحبها، ومع تزايد قبول الدعوة داخل قريش وخارجها.

وقد بلغت مداها في السّنة السابعة مع دخول النبيّ وأتباعه وبني هاشم والمطّلب في حصار شِعْب أبي طالب في جوار مكة، نتيجة لمقاطعتهم من قبل قريش. وقد بلغ عدد الذين هاجروا هذه المرّة حدود المائة أو أكثر بقليل (لقد سمّت (6) “السيرة نفسها” ثلاثة وثمانين رجلاً وثماني عشرة امرأة). وكأننا بالرسول قد رأى أن يتجشّم هؤلاء المؤمنون مشاق السفر ومعاناة الغربة ومصاعب الحياة والابتعاد عن الأهل والأموال، خيرًا لهم وللإسلام، أو أقل سوءًا مما يكابدونه من الآلام والعذابات والشرور من أهل الشرك في مكة. أضف إلى ذلك أنه يمكن لنا أن نقرأ في هذه الهجرة ما يحفظ بقاء الإسلام واستمراره وانتشاره حيث الأمان والحماية والمنفعة وحريّة ممارسة العبادة، ما يدل على حرص الرسول وبعد نظره في التحوّط، علمًا بأن مكوثهم في الحبشة قد طال وامتدّ هذه المرة حتى فتح خيبر في السنة السابعة للهجرة.

2-4-ب-(2) مقاطعة قريش الدعوة وبني هاشم والمطّلب:لما فشلت قريش في وسائل الضغط على الدعوة وصاحبها من تهديد وأذى وتعذيب، أمام ثبات النبي، وصمود أبي طالب في منعه من الظلم وحمايته، ولما شاهدت أن عدد المستجيبين للدعوة يقوى في قريش نفسها كإسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب وغيرهما من القبائل، وأن الرسول قد وجد مكانًا آمنًا لأتباعه في الحبشة تحت رعايته وحماية النجاشي الذي لم ينزل عند رغبة قريش وضغطها وهداياها لتقليبه على المسلمين عنده؛ ولما جهرت بالعمل على قتل الرسول، وانحاز إليه بنو هاشم وبنو المطلب بمؤمنيهما وهم قِلّة، وكافريها ومشركيها وهم الكثرة العظمى تدفعهم الحميّة القبليّة؛ لما كان كل ذلك، اجتمعت قريش وائتمرت وتعاقدت على النبي وأتباعه وعلى سائر بني هاشم وبني المطّلب، باستثناء أبي لهب الذي ظاهرها عليهم وهو منهم، وتعاهدت على مقاطعتهم اقتصاديًّا واجتماعيًّا في الزواج والتجارة والتواصل بالإضافة إلى عدم الرأفة بهم وعدم الصلح معهم حتى يسلّموا النبيّ محمّدًا للقتل. وقد جعلت ذلك في صحيفة علّقت في جوف الكعبة.

وقد عرفت هذه المقاطعة بحصار الشِّعب حيث انتحى بنو هاشم وبنو المطّلب والنبيّ وأتباعه شِعْب أبي طالب في جوار مكة. وكان ذلك في السنة السابعة لبعثة الرسول، وامتد لثلاث سنوات لا أقسى ولا أطول! ولنا أن نتصوّر كم كان ذلك الحصار قاسيًا وقاهرًا وجائرًا! كم أعاق وأساء إلى الدعوة حيث جعلتها ظروف الحصار في جمود قسريّ! وسرعان ما كانت الأموال التي بتصرّف المحاصرين في الشّعب تنفد، من أموال النبيّ إلى زوجه خديجة، إلى أموال أبي طالب، وأموال الآخرين.

لقد نفدت، وتحدّثت الروايات عن سماع صراخ الأطفال من بعيد، وأمهاتهن المقهورات عاجزات عن تقديم أي شيء إليهم يسدّون به جوعهم، كما تحدّثت عن  اضطرار الناس في الشعب إلى التقوّت بـأوراق الشجر فضلاً عن أعشاب الأرض وحشائشها، وحتى أكل الجلود… ولكن هناك روايات أخرى عن تمكّن قلّة من ذوي الشعور الإنساني بالرحمة ورفض الظلم، من توصيل بعض الطعام خلسة وخفية وتهريبًا إلى الشّعب؛ بيد أن هذا على عظم أهميته وقيمته والحاجة إليه، والشكر له، فإنه ما كان ليغني عن الكارثة التي كانت تهدّد بإبادة جماعيّة، لو أن الحصار قد استمر إلى مدة أطول. لكنّ “العناية الإلهية” ومروءة بعض رجالات قريش وعقلائها، قد أفضيا إلى فك الحصار ونقض الصحيفة وخروج المحاصرين إلى مساكنهم في السنة العاشرة من بعث الرسول. وهذا هو الهام بالنسبة إلينا من مواكبة الرسول في قيادة شؤون وأمور الدعوة وأصحابه أو من آمن بها.

أما كيف تمّ فكّ الحصار الظالم وكيف نقضت الصحيفة فتختلف الروايات في ذلك. فمنها أن الأُرضة (دودة الأرض) قد لحست أو أكلت كل ما كان فيها من ذكر الله وأبقت على ما كان فيها من ظلم وجور وقطيعة. وقد أوحى الله بذلك إلى الرسول الذي أخبر عمه أبا طالب فذهب في مجموعة إلى المسجد، وعرض على قريش ما قاله له النبي عن الأرضة والصحيفة، قائلاً لهم: “إن كان ما قاله ابن أخي صحيحًا فككتم الحصار ونقضتم الصحيفة، وإن كان ما قاله غير صحيح، خلّينا بينكم وبينه، فقتلتموه أو استحييتموه.

قالت قريش: أنصفت. ولما تبيّن صدق الرسول، تراجعت قريش وقالت: هذا سحر صاحبكم. عندئذ تدخّل ذوو المروءة وهم (هاشم بن عمرو، وزهير بن أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود) وتعاقبوا على الكلام وعلى الهجوم على الصحيفة حتى انتهى الأمر بتمزيقها وبفكّ الحصار(7). ومن الروايات أيضًا ما اختلف عن الرواية السابقة بذكر (عدي بن قيس مكان هاشم بن عمرو)، وبأن الأرضة قد لحست أو أكلت عكس ما فعلت سابقًا، وبأن ذوي المروءة، وبعد كلام أبي طالب وعودته إلى الشِّعب، تلاوموا وتسلّحوا وذهبوا إلى الشّعب وأمروا المحاصرين بالخروج إلى مساكنهم(8).

  أما الرواية الثالثة التي نوردها هنا، فقد اتّفقت بذوي المروءة مع الرواية الأولى، ولكنها جعلتهم يقومون بنقض الصحيفة الظالمة وتمزيقها دون أن يكون لأبي طالب أي دور سوى أن النبيّ كان قد أخبره بما فعلت الأرضة وفقًا للرواية الثانية(9).

2-4-جبيعة العقبة والهجرة إلى المدينة: بعد فكّ الحصار ونقض الصحيفة، خرج الرسول إلى مكّة متغلّبًا على ما تركه ذلك في نفسه من ظلم ومرارة، صامدًا ثابتًا واثقًا من نفسه أنه سيؤدي الرسالة ولن يخذله الله… ولكن، لم يمضِ كثير من الوقت حتى مات أبو طالب وهو على دين آبائه، فحزن عليه الرسول كثيرًا؛ ثم لم يطل الوقت أيضًا حتى توفيّت زوجه خديجة فحزن، عليها كثيرًا أيضًا. فقد كان حزنه عليهما كبيرًا لمكانتهما العظيمة في حياته، وقد سمّى عام موتهما بـ عام الحزن. ومما يعبّر عن أهمية عمه أبي طالب ومكانته قوله “ما نالت قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب” (10). وقوله الآخر في السياق نفسه “ما زالت قريش كاعة عني حتى مات عمي”(11).

هذان القولان يعبران أيضًا عن تمادي قريش في شرّها وجورها وتجرّؤها على أذى النبيّ وإهانته. أضف إلى ذلك أن أشرافًا من قريش بينهم أبو جهل وأبو سفيان دعوا الرسول إلى الاجتماع، اتهموه بالإساءة إليهم بأنه سبّ آباءهم، وعاب دينهم، وشتم آلهتهم، وسفّه أحلامهم، وفرّق جماعتهم، ومع ذلك فهم مستعدون، لو أراد، لتمويله وتسويده وتمليكه وتطبيبه حتى يبرأ مما فيه من مسّ أو من رئيَّ (تابع من الجن) تغلّب عليه. فردّ عليهم بأنه لم يرد شيئًا من عرضهم، وليس به مسّ أو رئي، بل هو رسول الله إليهم، ومبلّغهم كتابه الكريم، ومبشّرهم ومنذرهم. فإن قبلوا فهو حظهم في الدنيا والآخرة، وإن رفضوا، يصبر لأمر الله ليحكم بينه وبينهم(12).

ورفض الاجتماع دون ثنيه عمّا هو إليه. وجهرت قريش بالعمل على قتله. وبهذا كان افتقاده أبا طالب كبيرًا. ولكن الرسول لم يعرف اليأس سبيلاً إلى قلبه، ولم يترك بابًا فيه بصيص أمل، ولو ضئيلاً، لصالح الرسالة إلاّ طرقه، مستوعبًا ما يتعرّض له من أذى وإهانة دونها… فخرج إلى  الطائف لعلّه يجد من يستجيب لدعوته في المأوى والنصرة والمنفعة من الظلم والأذى. فلم يجد أحدًا يقبله أو ينصره، بل لم يسلم من أذى أهل الطائف. فقفل عائدًا وقد سبّه وشتمه سفهاؤهم وعبيدهم، فضلاً عن إهانته وخذلانه، حتى أنّه لم يتمكّن من دخول مكة إلاّ بجوار وأمان المطعم بن عدي(13).

  ولكن الأمور ستأخذ مسارًا آخر يقرّب الرّسول وأصحابه والدعوة من فرج ينتظره في مكان آخر بعيدًا عن مكة. أما المسار هذا فهو الخرق الكبير لمصلحة الدعوة تمثّل في بيعة واعدة وهجرة مباركة:

2-4-جـ- (1) بيعة العقبة الواعدة: لقد كان الرسول ينتهز أي سانحة أو فرصة قد يأتي منها خير أو بعض خير من أجل النهوض بالرسالة وتحقيق تبليغها بالتمام والكمال. فقد كان يعرض نفسه على قبائل العرب أن ينصروه ويمنعوه من الشّر، ليبلّغ رسالات السماء، ولهم الجنّة. فلم تفلح مساعيه مع أية قبيلة، حتى كان موسم الحج في العام الحادي عشر من المبعث، توجّه الرسول، كما هو ديدنه، إلى القبائل والجماعات الزائرة، وكان يتبع الحجاج في منازلهم وحيث يكونون في أسواق التجارة والمفاخرة (عكاظ ومجنّة وذي المجاز)، عارضًا عليهم الإسلام، داعيًا إياهم إلى توحيد الله، فلم يستجب له أحد.

ولكن الموسم هذا العام لم يكن كأمثاله في الماضي. بل حمل معه معلمًا جديدًا من معالم مسار جديد: فقد التقى الرسول عند  العقبة رهطًا من ستة أشخاص من الخزرج من يثرب، فدعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقبلوا مصدّقين راجين أن يتمّ إصلاح ذات البين بين قومهم على يدي الرسول، واعدين بنقل الرسالة إلى قومهم، ضاربين موعدًا مع الرسول في موسم الحج المقبل في العام المقبل. وهكذا فقد بدأ الإسلام بهؤلاء في المدينة حيث استجاب لدعوتهم آخرون من الأوس والخزرج وأخذ الدين الجديد يفشو بين الناس.

وفي العام المقبل، الثاني عشر من المبعث، كان الموعد المضروب في العقبة، وكان الرسول يلتقي هناك وفدًا من اثني عشر من المدينة، بينهم خمسة من الرهط الآنف الذكر، واثنان من الأوس. وتمّت البيعة الأولى في العقبة بين الوفد الذي بايع الرسول على عدم الشرك والسرقة والزنا والقتل، وعدم الإتيان ببهتان أو عصيان في معروف، وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر، وبين الرسول الذي وعدهم بالجنّة إن هم وفوا بما بايعوا عليه. وقيل في هذه البيعة إنها كانت على بيعة النساء لأنها تضمنّت ما ذكر في الآية:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصَينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة: 12).

عاد الوفد إلى  المدينة، ودعا الناس إلى الإسلام واستجاب له الكثير من الأوس والخزرج حتى فشا في كل دار في المدينة. وكان في ذلك دور بارز لمصعب بن عمير الذي أرسله النبي لهذه الغاية إلى المدينة: يقرأ القرآن ويدعو إلى الإسلام ويعلّم ويفسّر. (14). وقد ذكر أن الرسول قد أرسله ومعه عمرو بن أم مكتوم (15) أو عبد الله بن أم مكتوم(16)… ومع هذه البيعة،  اتّضح المعلم الجديد للمسار الجديد المشار إليه.

وكانت البشرى العام المقبل، الثالث عشر من المبعث، حيث جاء العديد من الأوس والخزرج زائرين حاجّين في الموسم، مسلمين ومشركين. بيد أن الموعد لالتقاء الرسول كان عند العقبة وليلًا وسرًّا. حضر الرسول ومعه عمّه العباس وهو ما يزال على شركه، وحضر من الخزرج والأوس، سرًّا وليلاً وتسلّلًا، 73 رجلًا وامرأتان (17)وقيل 70 رجلاً وامرأتان(18)، وبعد تبادل الكلام وتوضيح كل الأمور ذات العلاقة وإتمام الاتفاق، قال أهل المدينة للرسول: “هل نبايعك؟ قال الرسول: “على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم، وتمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم، وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنّة”(19).

وطلب الرسول من المبايعين أن “أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبًا حتى يكونوا على قومهم بما فيهم”، ففعلوا: تسعة نقباء من الخزرج وثلاثة من الأوس(20). وقد ذكر أيضًا أن الرسول هو الذي اختار النقباء الإثني عشر (21) أو تخيّرهم (22). ثم انصرفوا. واكتمل للرسول في بيعة العقبة الثانية هذه إنجاز كبير وكبير جدًا، نظرًا لدقة الظروف وحراجتها وخطورتها؛ فقد أمّن له ولأصحابه الفرج والأمن وحرية العبادة والحماية والمنعة من أي شرّ أو جور عليهم في أرجاء المدينة المنوّرة في جوار الأنصار وأمانهم، بل في أهلهم وإخوتهم ومانعيهم مما يمعنون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، الأمر الذي يسّر ومهّد الطريق إلى المعلم الثاني من المسار الجديد ألا وهو الهجرة إلى المدينة.

2-4-جـ-(2) – الهجرة المباركة إلى المدينة: بعد البيعة الواعدة، لم يطل الوقت بالرسول حتى أمرجميع المسلمين والمسلمات بالهجرة إلى المدينة حيث ينتظرهم هناك إخوان وأخوات لهم في الدين يمنعونهم مما يمنعون منه أنفسهم كما ذكرنا. فأخذ أهل الإيمان بالإسلام يتتابعون نحو المدينة، سرًّا وتسلّلاً، خوفًا من أن تحول قريش بينهم وبين ما يسعون إليه. لقد هاجروا جميعًا ما عدا من استضعفته قريش فحبسته في مكة مغلوبًا على أمره، وباستثناء أبي بكر وعليّ اللذين استبقاهما الرسول لأمر يريده من كل منهما. ولما علمت قريش بصحة تحالف النبي مع الأنصار وهم أهل حلقة (سلاح) أشدّاء، وبامتثال أتباعه للهجرة، ولما عرفت بأن الرسول عازم على اللحاق بهم، ولما خشيت ما سيكون عليه المسلمون في المدينة وقد خلت ساحة الفعل لهم ولرسول الله، الأمر الذي سيهدّدهم في حياتهم وتجارتهم ونفوذهم وسمعتهم بين الأقوام والقبائل والجماعات المنتشرة حولهم، غضبت واغتاظت وحنقت وحقدت، فتداعى أشرافها وزعماؤها إلى اجتماع في “دار الندوة” للتشاور بشأن التخلّص من الخطر الداهم عليهم والذي أوشك على طرق أبوابهم، فائتمرت وتآمرت على  الرسول، فلم يرق لها الرأي بنفيه، لأن النفي يفتح أمامه كل فرص النجاح لحلاوة حديثه، وقوّة حجته وسلامة منطقه، ووضوح دعوته، كما أنها رفضت الرأي بحبسه، لأن هذا الأمر سرعان ما يعلم به أنصاره وأتباعه فيعملون على إنقاذه وبذل الأنفس دونه، ليستقر رأيها على قتل الرسول بضربة رجل واحد يقوم بها شاب جلد من كل عشيرة، فيقتلونه ويتفرّق دمه في القبائل، ما يحول دون تمكّن بني عبد مناف من محاربة الجميع، فيقبلون عندئذ بالديّة، وترتاح قريش مما يقلقها ويتهدّد مستقبلها. ولكن ﴿-ويـَمْكُرُوَن ويَـمْكُرُ اللهُ واللهُ خيرُ الـمَاكِرِين﴾(الأنفال: 30).

فقد علم الرسول بما دبّرته له قريش، فطلب من عليّ أن ينام على فراشه ويتّشح ببرده الأخضر، وكلّفه بعد ذلك بأن يؤدي الودائع لأربابها(…). وباقي الرواية معروف ومتداول لدى سائر المسلمين. لقد خرج الرسول من داره دون أن يبصره الفرسان المندوبون لقتله، بعناية من الله الذي يقول:

﴿وَجعَلْنَا مِن بَينِ أَيْدِيِهمْ سَدًّا ومِنْ خَلْفِهِم سَدًّا فَأَغَشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُون﴾ (يس: 9). ذهب الرسول إلى أبي بكر، وغادرا مكّة ليلاً وتمكّنا من الاختباء في غار ثور، فتعقّبتهما قريش حتى بلغت باب الغار، فإذا “العناية الإلهية” مرة ثانية تجعل على باب الغار بيتًا للعنكبوت، وحمامتين تعششان فيه، ما جعل متعقّبي النبي وصاحبه يعتقدون أنهما ليسا في الغار، فقفلوا عائدين خائبين عارضين الجوائز الكبيرة لمن يردّهما إلى ملكوت قريش وجبروتها. ويروى أنهم عندما كانوا عند باب الغار، قد شوهدت أقدامهم من داخله؛ ولو نظروا إلى أسفل أقدامهم لظفروا بالرسول وصاحبه؛ حينئذ، بكى أبو بكر فقال له الرسول: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: 40).

ولقد دخل “غار ثور” في التاريخ من بابه العريض بإيوائه الرسول الهادي وصاحبه الصدّيق ثلاث ليال ليخرجا منه بعدها إلى المدينة. لقد كان كتاب الله يحضّ الرسول على المضيّ في ما هو إليه متجشّمًا المشاق والمصاعب وغدرات الزمان والطريق الطويلة، بعد تيقّنه من عدم صلاح المجتمع المكّيّ القرشي لانتشار الدّعوة، ومن مناصبته العداء له وللدعوة منذ البداية، وباطّراد، عارفًا أنه رسول لكلّ النّاس، وقريش ليست كل الناس، سامعًا مطيعًا لقوله تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (سبأ: 28)؛ كما كان يأتمر بأمر الله ويمتثل طائعًا عاملاً به، والله يحميه من الناس ويخبره أنه لا يهدي الكافرين إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 67).

وكان النبي في سيره نحو المدينة مطمئنًا إلى عناية الله وثابتًا في إيمانه، بينما كان أبو بكر قلقًاعلى رسول الله. لقد تمكّن نبي الهدى والرحمة وصاحبه من اجتياز الطريق الطويلة إلى المدينة مع كل ما فيها من مصاعب ومكاره ووصلاها في الثاني عشر من ربيع الأول سنة 622 م. وكان بانتظارهم المهاجرون والأنصار. وكان الفرج، وكان الفرح. وكان الترحيب. وكانت الحماية.. وكان التهليل بطلوع البدر على هؤلاء وأولئك. وبذلك انقضت ثلاث عشرة سنة مكيّة من المعاناة والألم والصمود والثبات والصبر وتعزيز الإيمان بوحدانيّة الله، وترسيخه بالبعث، يوم القيامة. أضف إلى ذلك كلّه أنه أصبح لدى الرسول ومن قبل أن يهاجر، قناعة تامّة بأن الحق مهما يكن صحيحًا وعادلاً ومشروعًا وواضحًا، ومهما تكن الحجج والبراهين بشأنه دامغة قاطعة،

فلا يأخذ طريقه إلى التحقق والاستقرار والاستمرار من دون قوّة تحميه وتصونه، وأن هذه القناعة ترفدها قناعة أخرى وفّرتها له البيعة الثانية في العقبة، ألا وهي أنّ المدينة وناسها والمهاجرين إليها سيكونون البيئة الحاضنة للرسالة وانتشارها وغاياتها، والبيئة الناهضة بالجميع بقيادة وريادة النبّي المصطفى. ويلتقي هنا، في هذه البيئة، وعد البيعة وبركة الهجرة ليكوّنا على يد الرسول نقطة تحوّل تاريخي ينطلق منها الإسلام في مسار جديد ومغاير لما كانت عليه الأمور في مكة حيث لا يستقيم التقايس بينها وبين ما ستكون عليه الأمور في المدينة: فقد كان التمهيد المكّيّ للانطلاق المدنيّ من طبيعة مغايرة لما كان عليه المجتمع المكّي الذي كان ساحة للشرك والجور والظلمات، بينما جاء التمهيد من ثناياه وجنباته بالإيمان والعدل والنور والهدى والرحمة.

وهكذا نرى أن زمن النبوّة المكيّ، وعلى الرغم من أنه لم يكن فيه بين يدي الرسول جماعة من البشر تملك أرضها وسيادتها عليها، وثرواتها ومواردها وأموالها حتى يصحّ الكلام على أن النبي كان حاكمًا فيها يسوسها ويدير شأنها الاقتصادي، فإنه رسّخ الإيمان في نفوس أهله، أضف إلى هذا أنّ ما تمتع به النبي الهادي من مرونة كبيرة، وقدرة عالية على استيعاب الشّرّ والجور، وحكمة في تصريف أمور أتباعه في الظروف القاسية القاهرة، وصبر بالغ على الشدائد، وثبات وصمود على ما يؤمن به ويعمل له، وإصرار دائم على إحداث خروقات في جدار الظلم والحصار والتجبّر، الذي كان مضروبًا حوله يحاصره ويحاصر الدعوة جميعًا، وخلق عظيم شهد له به الخالق العظيم، أن كل هذا وذاك، سيكون ما يؤسّس عليه زمن النبوّة المدني في خروج الإسلام إلى ساحة الفعل. فإلى هذه الساحة.

2-5- صلاحيّة الإسلام في زمن النبوّة المدني: إن زمن النبوّة الذي يمكن فيه الكلام على حياة يقودها الرسول في الدين والدنيا، هو الزمن الذي يمتد عشر سنوات منذ وصوله المدينة سنة 622 م وحتى وفاته سنة 632 م، وهو الزمن الذي تحرّر فيه من شرور قريش المباشرة، ومكائدها وجورها وصلفها حيث أصبح المرجع الأوّل والأخير “للمجتمع الجديد” في المدينة المنوّرة. ولكنّ هذا التحرّر الذي صاحَب الهجرة، وعلى الرغم من أنه كان نقطة تحوّل تاريخي بالنسبة إلى الدعوة وصاحبها وأهدافها والغايات، وبالنسبة إلى ما يترتّب عليها من تغيرات أحدثها الإسلام والمسلمون، وكانت أصداؤها في زمن قليل نسبيًّا، تتردّد في سائر شبه الجزيرة العربية، وفي بلاد الشام وفارس ومصر ومنها جميعًا في أرجاء المعمورة كلّها. هذا التحرّر ما كان ليجعلنا ننأى بأنفسنا عمّا كان عليه من سوء الوضع الجديد العام من ضيق وعسر وحرج وتعقيد.

لقد وصل المهاجرون والنبيّ إلى المدينة وقد فارقوا الكثير من الأهل والمال والممتلكات، لتقضّ مضاجعهم الغربة وقلّة – حتى لا نقول ندرة – توافر أسباب الحياة. ولم يكن بين يدي النبيّ من الأموال أو الأراضي أو الموارد، ما يعتدّ به، أو يتدبّر به معالجة الأمور القائمة، فضلاً عمّا يترتّب على تغيّر أنماط الحياة من مشكلات من بينها المرض. أضف إلى هذا، ما كان في “المجتمع  المدني” من عشائرية وقبليّة وأميّة وعداوات وخصومات وتباينات في المعتقدات، الأمر الذي يعرّضه إلى التجزئة والتفرقة وتشتيت قواه، ويجعله ذا أرضية متحرّكة تُهشّ الاستقرار فيه، وتعيق العمران، وتستثير العدوان عليه.

أضف إلى ذلك أيضًا، أنّه لم يكن بتصرّف النبيّ شيء من التشريع الإلهي الذي يساعده في التدبير والتصريف. ولكن، وحتى لا تبقى الصورة سوداوية إلى هذا الحدّ، يجب أن نذكر أن ما أبداه الأنصار من صدق وإخلاص والتزام وترحيب وكرم، قد خفّف كثيرًا مما أحاق بالمهاجرين من ضيق وهموم وشجون، كما شجّع الرسول على المضي قدمًا في ما ندبه إليه ربّ العالمين. فكيف ساس وقاد، وتدبّر وتصرّف في غياب التشريع؟ وفيم كان التشريع؟ وكيف صرّف الأمور بعد التشريع؟

2-5-أ- التدبّر والتصرّف في غياب التشريع: لا يسع المرء إلاّ أن يثمّن عاليًا، ويكبر ويقدر كثيرًا ما قام به الرسول، وما أحدثه من تدابير ومعالجات وإنجازات آلت إلى نجاحات كبيرة بتوقيعه، وإذا بها أمثولات يتعلّمها أهل الإسلام ويحتذون بها منهاجًا للحياة. إن ما بادر إليه وجسّده على أرض الواقع يدل على فهم متعمّق، ورؤية ثاقبة شاملة في حسن قراءة الواقع، والإحاطة به، الأمر الذي يجعل تدبيره وتصريفه مصبوغين بمبادرته المحسوبة، ويبعد عنهما التهوّر والتسرّع. ففيم وكيف كان هذا؟.

2-5-أ-(1)المصالحة بين الأوس والخزرج: لعلّ الرسول كان يعلم ما كان بين الأوس والخزرج من عداوة منذ أن التقى الرهط من الخزرج في العقبة سنة 11 من المبعث حيث روي له أنه سيكون الأعزّ والأمنع بين هؤلاء القوم إن هو تمكّن من إصلاح ذات بينهم، فاجتمعوا بعد تفرقة، واستجابوا لدعوته، نابذين الأحقاد والضغائن والخلافات، قابلين السلام والصلح والوئام.

وها هو الآن بين القوم الذين بايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، فوجد أنه من مصلحة  الجميع وصالح أمرهم أن يكون أهل الإسلام من الأوس والخزرج على وفاق ووئام تجمعهم وحدة العقيدة الإسلاميّة، وتتوحّد بها جهودهم وأفعالهم وقواهم بحيث تثمر خيرًا وقوة وعزّة، ومزيدًا من المنعة لهم، ومزيدًا من القدرة على النصرة التي التزموا بها نحو النبيّ والدعوة والأتباع. فكانت المصالحة أو الصلح بينهم، وقد أحدثه رسول التوحيد والسلام والرحمة.

أضف إلى هذا أنه كان لبناء مسجد قباء دور ميسّر في مسيرة  الدعوة في المدينة لجهة العبادة والاجتماع والتشاور.

2-5-أ-(2)المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين: لعلّه من نافل القول أن نشير إلى أن الهجرة كانت بعد أن أذن بها ربّ العالمين، وبعد أن اطمأنّ الرسول إلى صدق مسلمي المدينة وإخلاصهم والتزامهم بحمايته وأصحابه، وبالذود عن الدعوة، والامتثال لقيادته وطاعته في ما يأمر به وينهى عنه. ولقد أشرنا سابقًا إلى الوضع الحرج الذي وجد المهاجرون أنفسهم فيه في المدينة، والذي لا يحسدون عليه؛ ولكنهم ومع ذلك، يغبطون على ما لاقوه من كرم الأنصار والاحتضان لهم.

ففي هذا السياق من الظروف القاسية والملابسات، وبعد أن اطمأنّ إلى وحدة الأوس والخزرج وهم جميعًا أنصار الرسول والدعوة والأتباع، دعا النبيّ المصطفى الأنصار والمهاجرين إلى أن يقيموا بينهم مؤاخاة تجعلهم متماسكين كالبنيان المرصوص، في التواد والتراحم والتعاطف والمؤاساة في عسر الحياة ويسرها، مؤاخاة تتجسّد بينهم على  الحق والمساواة وحتى على التوارث بعد الممات، مؤاخاة أساسها الرابطة الدينية التي تتجاوز الرابطة العشائرية أو القبلية، وتشق الطريق واسعًا وتمهّده وتسوّيه وتيسّره أمام نشوء أمّة إسلامية تنمو وتنهض فاعلة في محيطها المعادي. وكأننا بالرسول كان ينظر إلى تحقيق هذه الصورة الجميلة والمتقدّمة والصادمة للمألوف بين العرب، عندما أمر الأنصار والمهاجرين قائلاً لهؤلاء وأولئك: “تآخَوْا في الله أَخوَيْنِ أخوَيْنِ”(23)

لقد رأى الجابري(24) أن المؤاخاة قد توّجت اهتمام الرسول بالقضية الأولى التي تواجهه في المدينة وهي “عيش” المهاجرين… ثم ينتقل إلى المسألة الثانية التي لا تقل أهمية عن سابقتها ألا وهي مسألة تنظيم “تعايش” مختلف الفئات التي تقطن المدينة، الأمر الذي يفضي إلى الإسهام الكبير في نجاح ما كانت من أجله الهجرة. والمسألة الثانية هي موضوع الفقرة التالية:

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى