مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”18″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
… 3-2- في طاعة أولي الأمر: إن الأساس في طاعة ولي الأمر الحاكم أنّها مشروطة بإقامة كتاب الله في المحكومين، وفي حال التنازع، بردّه إلى الله ورسوله، إلى القرآن وسنّة نبيّه، عملاً بقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ… ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء:59)، وبقول الرسول في خطبة الوداع “يا أيّها الناس، اسمعوا وأطيعوا وإن أُمّر عليكم عبد حبشيّ مجدّع ما أقام فيكم كتاب الله”. بيد أن الحكّام الذين اغتصبوا السلطة وتربّعوا على عرشها بالقوة والغلبة من غير شرعية أو قاعدة حقوقيّة، سرعان ما التفّوا ويلتفّون على ذلك الأساس – القيد وغيّبوه من ساحة استبدادهم وظلمهم وقمعهم واستئثارهم بالقوة والغلبة نفسيهما، وبالتواطؤ مع ذوي نفوذ في التشريع والفقه والاجتهاد والتأويل والافتاء، فإذا بهؤلاء المتغلبين هم “أولياء الله” في أمر الناس ونهيهم ومن “عصاهم فقد عصى الله”… ومن أجدر منهم “بالدفاع عن الله”؟!…
ولعلّه من الأهمية بمكان أن لا نغفل أصواتا لذوي شأن كبير في ما ذكرنا من نفوذ، دعت وتدعو إلى الثورة ضد الحاكم الجائر، وحضّت وتحضّ على معارضة الحكم المستبدّ في ارتكابه وفساده وفسوقه؛ ولكن الشائع السائد عكس ذلك “رفعًا للفتنة، وحرصّا على السلّم الأهلي والوئام والسلام، واتّقاء للشرّ والأذى والفساد والظلم”، هذه المساوئ التي ستكون أكبر وأخطر وأسوأ في حال مواجهة الجور والاستبداد والفساد والطغيان من حال الانصياع والإذعان والسكوت عن الحق، مع تعليل النفس بأن الله سيغيّر الحال إلى أحسن حال… لذلك يستغل المتغلّبون بل يستثمرون رؤوس أموال “ثقافة شرعيّة” من قبيل “من اشتدت وطأته وجبت طاعته”؛ و”من قويت شوكته قبلت سطوته”، ولو قست وجرحت وأدمت؛ ومن هيمنت “غلبته” أٌذْعِنَ له ولو استبدّ وجار وطغى وقمع…
وحتى في زماننا الراهن، كثيرًا ما نقرأ، امتدادًا لمثل هذه الثقافة، وتمسّكًا وتشدّدًا بها عند بعض علماء الأصوليات، أن طاعة الخليفة واجبة برًّا كان أو فاجرًا، ما لم يأمر بمعصية الله، سواء أرضي الناس به أم غلبهم بسيفه. وهل من شيء أسهل استثمارًا في سوق “الحكم المتغلّب”؟!… أما شجاعة الحاكم الأدبية العليا في مواجهة النفس ومحاسبتها وتأديبها فربما ذهبت مع الخليفة عمر بن الخطّاب إذ قال أمام الملأ: “قد أصابت امرأة وأخطأ عمر”؛ كما أنه من المرجّح أن عدم الخوف أو الأخذ في الله من لومة لائم” قد ذهب هو أيضًا مع الصحابي أبي ذرّ الغفاريّ وأمثاله. ولعلّ خير ما ننهي به موضوع الاستغلال السلبي للطاعة من قبل “الحكم المتغلّب” ذي النزعة الاستبداديّة، تمهيدًا لاستتباع الدين هو أن نتأمّل ونتّعظ بما قرره الله من أنّ من يمتثل لأوامر الرسول ونواهيه فقد امتثل لله في ما أمر ونهى، باعتبار الرسول لا يخرج عن طاعة الله ولا يعصيه، ولكنّ الله لم يأمر بمحاسبة من يعرض عن طاعة الرسول أو بعقابه أوقمعه، ولا حتى بلومه أو معاتبته فضلاً عن تعنيفه، إذ قال في كتابه المبين:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.(النساء: 80)، فمن يا تُرى أجدر بالطاعة، الرسول أو”الحاكم المتغلّب”؟! وإذا كان الإعراض عن الطاعة جرمًا، فأين يكون الارتكاب أكبر، أفي معصية الرسول واستتباعًا معصية الله أم في معصية “الحاكم المتغلّب”؟!… ومع ذلك، تتسع مساحة الدعاء للأخير بالخير والسعادة، وبتثبيت خطاه، والأخذ بيده حيث يجب الأخذ عليها، كما تزداد دائرة المديح والثناء له حيث يجب التمرّد والثورة عليه!
3-3- في تأليف القلوب على الإسلام:إن القاعدة الشرعية الأساس لتأليف أو لتألّف القلوب على الإسلام بمعنى جعل ذويها يؤمنون بالله ويستجيبون للإسلام رسالة ربّانية تهتمّ بحياتهم في الدنيا والآخرة، أو ترسيخ الإسلام في نفوسهم، إنها قائمة في القرآن حيث جعل الله “للمؤلّفة قلوبهم” نصيبًا معيّنًا من الصدقات (الزكاة) فريضة منه:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(التوبة: 60).
كما أنها قائمة في السّنّة النبويّة حيث توسّع الرسول واجتهد فأعطى “المؤلّفة قلوبهم” مالًا من غنائم “حُنين” التي خصّص إنفاقها قرآنيًا أساسًا على الذين يقاتلون في أربعة أخماسها، وفي خمسها على الله والرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل(29). أمّا “المؤلّفة قلوبهم” فهم من “أشراف العرب” الذين لهم نفوذهم ومكانتهم في قبائلهم وقومهم… فكان بتأليف قلوبهم على الإسلام تعزيز له في توسيع رقعة انتشاره، وكثرة الداخلين في رحابه، بالإضافة إلى دعم السياسة التي انتهجها الرسول في قيادة الأمّة الناشئة مؤازرة وتقوية ومنعة وسلطة. إن أموال “التأليف” كانت وسيلة شرعيّة من أجل غاية هي الدين، كما كانت وسيلة لتحقيق هدف سياسي، ما جعلها وسيلة مظلّلة بالدين من أجل غاية هي السياسة. وهي لم تكن لتندرج في نطاق الرشوة مباشرة لأنها علنيّة وذات شرعية، بينما الرشوة تتم بالسّر والكتمان بين طرفيها، ويصاحبها شعور منهما بأنها مخالفة للعرف والقانون، وأنها عيب ورذيلة أخلاقيًا ودينيًا، وفساد اجتماعيًا؛ وهي لم تكن أيضًا لتندرج في نطاق التجارة، لأنه إذا جاز أن تكون الأموال سلعًا، فليس الدين سلعة، وإن أمكن تسليع السياسة؛ بينما التجارة بيع وشراء وهذا قوام حركتهما أو تحريكهما السّلع.
أما “تأليف القلوب” القابل للاستغلال السلبي أو “الاستثمار” في تثبيت السياسة المتغلّبة المستبدّة، وترسيخها وتبريرها وتغطيتها بالترغيب والأموال والمناصب والامتيازات، فسرعان ما ينزلق إلى رشوة تعيث فسادًا في حقوق الناس وحاجاتهم، وينقلب من تأليف القلوب على الإسلام، ودعم السياسة النبويّة الحكيمة العادلة البعيدة عن الجور والأهواء الدنيئة، إلى تأليف “الإسلام والمسلمين” على الاستبداد السياسي وإفرازاته من الجور والطغيان والقمع والارتكاب ليغطيها ويبرّرها… فهل هناك إنسان عاقل حرّ يصدّق ما يعلنه نظام سياسي قام على القوّة والغلبة والهيمنة واستبدّ به حاكم منفرد، من صحّة نتائج انتخابات سياسية فيه من حيث الحريّة والشفافية والنزاهة والاستقامة؟! إنّه لا يصدّق، بل يقرأ مثل هذه النتائج على أنها جاءت كذلك لأنه شابها التزوير، وعابتها الرشوة، وانتهك لها القانون، وشوّه شفافيتها الغشّ والخداع، وروجّت لها وسائل إعلام النظام كذبًا وبهتانًا، الأمر الذي يفضي إلى تتبيع الناس للحكم القائم، وتعويدهم على استبداده مع إسكات الأصوات المعارضة وقهرها وقمعها “بشرعيّة” أمر الواقع المفروض. وفي هذا كلّه، يدعو الدّين ويشكر ويثني ويبارك… إنّ الأمر كلّه لا يعدو كونه مسيرة “تدجين منهجيّ” للرعيّة وتسكينها لتستمر في الخضوع والإذعان والتبعيّة بكل الوسائل المتاحة والمباحة لدى نظام الحكم المتغلّب، وما أكثرها ترغيبًا! وما أكثر ترهيبًا! وما أبعدها عن الشرعية التي تلبّست مضمونها اللاشرعية!… وتصبح القاعدة الصحيحة الضابطة لقراءة ما يعلنه المتغلّب المستبدّ أن يتمكّن القارئ من فهم نقيضه أو عكسه؛ فعلى سبيل المثال، إذا روّج هذا الحكم لفعل سياسي اجتماعي قد تمّ وأبصر النور بنزاهة واستقامة وعدل وحرية ومشاركة وديمقراطية، وجب أن يفهم القارئ الحر ومن دون مغالاة، أن فعله هذا قد دُبّر بليل بغش وتجاوز وظلم وتبعيّة وحرمان وشمولية ليس إلاّ. ومع ذلك، يلمّع الدين المستتبع صورة النظام ويكبّر ويبجّل ويعظّم…
أضف إلى ذلك أن لتأليف القلوب أثرًا سلبيًا في نفوس الذين لم يصحّ إسلامهم من “المؤلّفة قلوبهم”: روى الطبري عن “صفوان بن أميّة” أنه قال: “لقد أعطاني رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، وإنّه لأبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحبّ الناس إليّ”(30). لم يقل مثلاً: لقد أعطاني وإني غارق في ظلمات الجاهليّة، فما زال يعطيني حتى أخرجني من الظلمات إلى النور؛ إنما كان”البعير والشاة” جوهر محبتّه للرسول… وهكذا يتبيّن لنا كيف يمكن استغلال “تأليف القلوب” واستثماره سلبًا في تأليف الدين لمصلحة السياسة المتغلّبة، ما يعزز نزعة المستبدّ إلى استتباع واستلاب أي شيء لأغراضه ومصالحه وأهدافه حتى لو كان الدّين الموحى به من ربّ العالمين، لترسيخ وتبرير تسلّطه.
3-4- في المبايعة مقابل الجنّة: إنّ القاعدة الأساس في الإسلام بشأن المبايعة هي الحريّة من قِبل الطرفين، البائع والشاري، وفي حال إنجازها، يكون كل من الطرفين بائعًا وشاريًا في آن معًا: فالله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم من أجل الجهاد في سبيله مقابل الجنّة في آخرتهم، الأمر الذي يحقق به الله إرادته في انتصار الإيمان على الكفر، ويسود حكمه بشريعته بالرجوع إلى القرآن المبين، بالدعوة إليه والحكم بموجباته وأوامره ونواهيه.
وهذا ربح لله المستغني عنه، والمغني به المسلمين يسعدون به في حياتهم الدنيا وقد أخرجهم فيها من الظلمات إلى النور والهدى، وأبصروا صراطهم المستقيم المؤدي بهم إلى نعيم الآخرة في عالم الغيب؛ وفي الوقت نفسه، يكون الله قد باع المؤمنين أن تكون الجنّة سكناهم في أخراهم؛ وهذا ربح لا يعدله ربح، قد جعله الله لهم على بيعهم الذي بايعوا به وهو أعظم ما يفوز به المؤمنون في مرضاة الله وطاعته. ولعلّه من الواجب والضرورة بمكان أن نعرف أن الله في بيعه وشرائه لا شيء ينقص من ملكه ولا شيء يزيد فيه، وهو خالق كل شيء. أما المؤمنون فقد باعوا – فهم بائعون- الله أنفسهم وأموالهم من أجل الجهاد في سبيله إزالة للكفر، وإقامة للإيمان به، وسيادة للحكم بما أنزله في الكتاب العزيز، مقابل الجنة في أخراهم؛ لقد اشتروا – وهم شارون – من الله هذه الجنة مقابل أنفسهم وأموالهم كما سبق الكلام على ذلك، وقد عرفوا أن ما أراده الله من المبايعة من نشر الإيمان وحكم الإسلام يعنيهم قبل غيره، ويقطفون ثماره لهم ولأولاهم وأحفادهم والأجيال من بعدهم.
وهذه الثمار لا تقل ثمنًا عن الأنفس والأموال؛ فتصبح الجنة ربحًا خالصًا لبيعهم؛ لذا وصفه الله بالفوز العظيم. فالمبايعة بين الله والمؤمنين قد تمّت وهم مستجيبون لله برضاهم واختياره وحريتهم دون أي إكراه في البيع أو الشراء. أما من جانب رب العالمين فليس هذا مطروحًا لأنه تعالى مطلق الحرية والإرادة والقدرة، وأمره أن يقول كن فيكون… وهذا القرآن يؤكّد المرجعيّة لكل ما سبق الكلام عليه في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة : 111).
أمّا في السنّة، فمعروف أن النبي المصطفى كان قد عقد مبايعة في العقبة بينه وبين الأنصار: هم يمنعونه مما يمعنون منه أنفسهم وأهلهم وأولادهم مع الاستجابة للإيمان بالله والدخول في الإسلام؛ وهو “جعل لهم على الوفاء بذلك الجنة”(31). ففي هذه المبايعة اشترى النبيّ منعته وحمايته من الأنصار مقابل الجنة، وباعهم أن ينعموا بهذه الجنة في حياتهم الأخرى، من أجل تمكينه من تبليغ الرسالة، وقيادة الأمّة الناشئة؛ وفيها (المبايعة) أيضًا، اشترى الأنصار من النبي هذه الجنة مقابل منعهم وحمايتهم إياه من الاستجابة للإيمان برسالة الإسلام، حتى لو كلّفهم هذا أنفسهم وأموالهم؛ لأنهم باعوه إياه وقد عرفوا أنه جهاد في سبيل الله وسبيل إعلاء كلمته في الحق والعدل والإيمان والخير والتقدّم، كما عرفوا أيضًا أنه يعنيهم ويجعلهم ممن يكوّن ويؤسّس للأمة الناشئة، فضلاً عن أنّه لا يقل عن الأنفس والأموال ثمنًا وقيمة؛ وبذلك، تصبح الجنة ربحًا خالصًا للأنصار المبايعين، بل فوزهم العظيم في بيعهم العظيم، وقد قبلوه واختاروه وهم أحرار راضون…
أما في “الحكم المتغلّب” ذي النزعة الاسبتدادية، فكل الاهتمام أن يتمكّن الحاكم من السلطة منفردًا بها، فلا يقبل فيها معارضة ولا مشاركة ولا نقدًا ولا انتقادًا ولا تقيّدًا بشريعة الإسلام أو بأي شريعة أخرى سوى ما يراه، ويرغب فيه هو، ويهواه هو من قبيل ما يدغدغ مشاعره في سلطانه وكبريائه وتعظّمه (حتى لا نقول تألّهه)؛ فهو يرتعب لذلك من الكلمة الحرة الناقدة الإصلاحيّة الحاضّة على الوعي، فيواجهها بكل وسائل القوة والترهيب تسكيتًا وإخراسًا، أملاً منه في تتبيع قائلها له ولحكمه، وإلاّ، فالقمع أو الحبس والتعذيب أو النفي أو حتى التصفية التي لم تكن نادرة، حتى لو كان صاحب هذه الكلمة حكيمًا عاقلاً، أو عالـمـًا كبيرًا، أو مصلحًا ناصحًا، أو فقيهًا لا يخاف في الله لومة لائم؛ وأما إذا كان صاحبها سياسيًا يختلف مع الحكم في ما يراه، أو ذا غرض سياسي، فتكون جريمته الموصوفة أنه جاء من والدين لم يحسنا ترويضه على حب الحاكم، ويكون قد ولد في الزمكان الخطأ للحكم المتغلّب القائم؛ فإن كتب له عمر، قضاه كمدًا في غياهب السجون، أو غصبًا وقهرًا في منفى قطعه من وطنه وأهله والثقافة.
ففي مثل هذا الحكم المستبد، ليس المراد من المبايعة أو الانتخابات السياسية سوى الخضوع والإذعان والتهليل والتبجيل من قبل الشعب أو الأمة أو القوم أو الجماعة أو الرعية أو الناس، نحو الحاكم وحكمه، والشكر والحمد والثناء لربّ العالمين الذي “ميّزهم وأنعم عليهم بعلمه وقضائه وقدره” وجعلهم في عهدة هذا الحاكم “المتفاني في خدمتهم ورعايتهم”، لذا تُرتّب له البيعة طوعًا أو كرهًا، وتجرى الانتخابات وتحصى الأصوات وتُجمع لصالح النظام سواء أكانت مؤيّدة أو معارضة فلا فرق، ولا بأس من بعض الزيادات في الأرقام هنا وهناك إذ ما دعت الحاجة إلى ذلك… وتُعلن النتائج بكل الوسائل الإعلامية الوطنية والأجنبية المتاحة والمباح لها بكل “نزاهة” واستقامة وشفافية”، وهي مسجّلة ومسطّرة بأوراق رسمية معدّة وفقًا للمواصفات العالمية… ويفوز الحاكم، المرشح الوحيد غالبًا، بأصوات كل الناخبين، وببعض منها من غير الناخبين؛ وتتمثّل المعارضة المعبّرة عن الرأي الآخر المختلف وعن حرّيّة تعبيره بنسبة تقل كثيرًا عن الواحد في المائة؛ وإن تعاظم الصوت المعارض فحدوده بين طرفي الخمسة الأخيرة في المائة… إنّه تأييد لنظام الحكم المتغلّب منقطع النظير، لا بل تتكرر نظائره في أمثاله…
ولعلّنا لا ننصف إذا ما جعلنا كل الأمور تجري في ظل الحكم المتغلّب وفقًا لما ترسمه القوة والقمع من أساليب وطرائق وتخطيطات؛ ذلك لأن الحاكم لا يألو جهدًا في الاسترشاد بالتراث الديني، فيرجع إليه، ويسقط فيه ما يراه ويحتاج إليه، فيلجأ إلى المبايعة، فيشتري ببعض الأموال والمناصب والامتيازات أنفسًا طائعة، وذممًا مهزومة، وأقلامًا منكسرة تتسكّع على أبوب السلطان، سرعان ما تنقلب سيّالة مع رضا الحكم، “فتبدع” له، غبّ الطلب، وتلمّع وتجمّل وتدافع وتبرر وتغطي عملاً بمقولة “من اشتدّت وطأته، وجبت طاعته” حتى لو جار وفجر وفسد وأفسد، وتناغمًا مع “النفس الأمّارة بالسوء” التي تستضعف صاحبها، وتجعله يرضى “بجنة الأرض”، ويحصل عليها في دنياه ولو فسدت ثمارها؛ أما في آخرته، فهناك “رحمة الله التي وسعت كل شيء”؛ هذا، طبعًا، باعتبار بقية من الإيمان الصادق، والإسلام الأصيل…. فلا شيء يجعل الحاكم المتغلّب يمتنع عن مثل هذه المبايعة وعن تلك البيعة؛ إنه لا يرى في الدين سوى ما يبرّر له ويغطيه في ظلمه وارتكابه؛ لذا يتوسّل الدين كلّه في دنيويّته وأخرويّته لترسيخ حكمه وتثبيته و”شرعنته”، تحقيقًا لنزعاته ومصالحه والأهواء، وفي سلطته وسيطرته والاستبداد.
3-5- في القضاء والقدر:(32) إن ثقافة القدر المنتشرة على نطاق واسع في حياة أهل الإسلام في أماكن تواجدهم في بلدان العالم بوجه عام، وبوجه خاص في الدّول الإسلامية حيث يشكلون فيها غالبية بين شعوبها وسكانها، ترجع في جذورها الإسلاميّة إلى القرآن حيث يقول الله:
﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾(القمر: 49). و﴿قُلِ اللهمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ أنك عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (آل عمران: 26)؛ كما ترجع أيضًا إلى السّنّة النبويّة حيث يقول الرسول في الإيمان بعد سؤال جبريل عنه “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه”(33)، وفي الإطار نفسه يقول:
“لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه”(34) ، فمعنى الإيمان بالقدر الشائع والسائد هو الإيمان بأن كل شيء مهما كانت طبيعته وشأنه سواء أكان في عالم الغيب أم في عالم الشهادة، فهو بعلم الله ومكتوب له في اللوح المحفوظ، ومخلوق له بإرادته وقدرته وحكمته، وهو بقضائه وقدره… لعلّ مفهوم القضاء والقدر المنتشر بهذا المعنى أكثر ما استغلّ في تغطية سوء استعمال السلطة في السياسة الاستبدادية، بل أكثر ما أسيء وساء استغلاله فيها نظرًا لاستلابها الدين استلابًا فادحًا إذ صادرت فاعليّته في الفعل السياسي الذي طغت فيه الدنيوية على الأخرويّة بما لا يقاس، منذ أن آلت الخلافة الإسلامية إلى معاوية بالقوة والغلبة، وتربّع على عرشها اغتصابًا، ليستمر التعاقب والتناوب على اغتصابها حتى إلغائها على يد مصطفى كمال أتاتورك.
ولعلّ الحكّام المتغلّبين المستبدين بالسلطة يجدون حجّة دامغة لهم في وجه خصومهم أو من يعتقدون أنه ينازعهم الملك، في ما ذهبت إليه الآية الثانية الآنفة الذكر حيث تجعل الملك والعزّة والخير رهن مشيئة الله، وهو على كل شيء قدير، كما يجدون الحجّة نفسها في قول الرسول إن الإيمان يستلزم الإيمان بالقدر كلّه، خيرًا كان أو شرًّا. ولقد ارتاح معاوية إلى مسألة أن كل شيء بقضاء الله وقدره وإرادته وعلمه وحكمته، لذلك اعتبر أن الخلافة آلت إليه بمشيئة الله؛ ولو لم يشأ الله ذلك، لما كان متربعًا على عرشها؛ ولذلك أيضًا، لاقت الجبرية التي تذهب إلى أن العبد لا يملك من أمره شيئًا وأن كل شيء مرجعه إلى الله، لاقت هوى في نفسه، فعمل هو وبنو أميّة على نشرها وإفشائها بين الناس، فإذا بالدّين يبرّر ويشرعن ويغطي استبداد الخلفاء الأمويّين بالخلافة والسلطة والسياسية…
وفي زمن الخلفاء العباسيين في بغداد، استمرّ استتباع الدين مع اغتصاب الخلافة بالقوة والغلبة واستمر توظيفه في تبرير السياسة المفصّلة على مقاسات كل من هؤلاء الخلفاء الذين اعتبروا أنفسهم أولياء الله، أولي أمر الناس، يحكمونهم بإرداته وقضائه وقدره وحكمته، ومن يعصهم فقد عصى الله، والعياذ بالله تعالى، والذين اعتبروا أنفسهم أيضًا الأحق بأمر الخلافة لقرابتهم من الرسول من طريق عمّه العباس؛ فالقرابة هذه وإرادة الله تلك تكفيان من حيث الشرعيّة، لتغطية استبدادهم بالخلافة والحكم والسياسة… ولكن هوى السلطة أخذهم بعيدًا فلم يروا، مثلاً، أي شرعيّة أو أحقيّة أو مكانة لقرابة الرسول من طريق شيعة ابن عمّه علي بن أبي طالب وهو من هو… ولقد فهم المماليك أيضًا أهمية أن تكون إرادة الله هي العليا، وقضاؤه وقدره هما في واجهة الحكم، في نظر الرعيّة المؤمنة، لذا قد استعادوا الخلافة للعباسيين في القاهرة، بعد أن هزموا هولاكو، وجعلوها غطاءً شرعيًا لحكمهم، كما أقاموها خالية من السلطة الفعلية التي مارسوها، هم بمشيئة الله التي تمثّلت شكلاً بالخلافة إرادة وقضاء وقدرًا. والشيء نفسه كرّره، بشكل أو بآخر، الحكّام المتغلّبون العثمانيون، سلاطين خلفاء، أو سلاطين وخلفاء. إن ثقافة القضاء والقدر ذات الجذور الإسلامية في القرآن والسّنّة، بدت وتبدو بمثابة المفتاح الأهم لفتح باب استغلال الدين واستلابه واستتباعه لمصلحة السياسة المتغلّبة الاستبدادية يبررها ويغطيها في ارتكابها وفسادها وظلمها، ويشرعنها ويقوّيها ويعزّزها نفوذًا ومكانة ومهابة في العالم.
أجل، على هذا النحو كان استغلال العثمانيين للدّين برفع راية القضاء والقدر دون تجنٍّ أو تحامل أو مغالاة. وهل نتجنّى أو نتحامل أو نغالي فيما لو قلنا براحة من ضمير لصدق القول إن الحكم المتغلّب بالقوة والاغتصاب، والنازع إلى الاستبداد بالسلطة من دون شرعيّة معتبرة أو قاعدة حقوقية حقيقية، والمحتاج لذلك إلى الدين للتبرير والتغطية والشرعنة، لما لهذا الدين من مكانة وأهمية وقيمة في حياة الناس الدنيا، ومن أمل ورجاء في الفوز بالجنّة ثوابًا لهم على صالح أعمالهم في حياتهم الأخرى، إن هذا الحكم يجد بين يديه قضاء وقدرًا من لدنّ الله يستغل ويستثمر بهما الدين كله في ما يحتاج إليه؟! وهل نرتكب أو نتعدّى حدودنا، أو نثير البلبلة والفوضى، أو نقوّض الاستقرار، أو نزعزع السلم الأهلي، أو نهدّد الأمن القومي فيما لو قلنا أيضًا بشيء من شدّة القلق والحرص والخوف على مستقبل الجميع، إن الاستبداد وقد خبرناه، يؤول إلى المزيد من التسلّط والجور والفساد والقمع، ما يفضي إلى انتهاك للحقوق متفاقم، وتعثّر للتقدّم حتى الشّلل والجمود(…)، وإلى اتهام وجيه للدّين وقد شارك في ذلك الاستبداد حيث خاف القيّمون عليه في الحق والعدل والله لومة الحاكم المتغلّب، بل تواطأوا معه وله بحجة “دفع الفتنة”، بل بحجة “لا حول لنا ولا قوة إزاء قضاء الله وقدره”؟!…
لعلّ مثل هذا التساؤل يتحدّى الإنسان في مصيره فيخرج رهين كسبه.
3-6- في الفهم المتعدّد المتنوّع للإسلام: ليس في الإسلام ما يستغلّ تعدّدًا وتنوّعًا فيه حتى يستغلّه السياسي في استتباعه كما هي الحال في الاستخلاف والطاعة وتأليف القلوب والمبايعة والقضاء والقدر؛ ولكن الفهم البشري له هو الذي عدّده ونوّعه تفقّهًا واجتهادًا وتأويلاً، وقد حضرت السياسة في كل ذلك، منذ الصراع على خلافة الرسول في سقيفة بني ساعدة… ولأن الإسلام متواجد حصرًا نتيجة لهذا الفهم، ومتماهٍ فيه، فأصبح استتباعه له أمرًا قائمًا لا ريب فيه من وجهة نظرنا حتى وإن رفض ذلك القائلون به، جاعلينه يعبرّ عن “الإسلام الحقيقي” وفقًا لرأيهم واجتهادهم، محتكرين صحته وحقيقته ورسالته، مستأثرين بالمرجعيّة له، ما يعني أن “إسلام الفهم المختلف” غير حقيقي، ما يعني أيضًا وبالدقّة، أن الإسلام القرآني المحمّدي الأصيل قد صادره الفهم المتعدّد المتنوّع، وجعل الرجوع إليه فهمًا جديدًا وإسلامًا جديدًا ومشروعًا سياسيًا جديدًا، يبدّل في هوية الإسلام الذي يصبح وجهة نظر، سرعان ما تزيده إسلامًا آخر، حتى أمكن لنا أن نعمّم بأن وراء تولّد أي حركة أو جماعة أو تيار أو مذهب أو حزب بصفة إسلامية، مشروعًا سياسيًّا جديدًا باسم الإسلام يختلف بقدر أو بآخر مع المشاريع السابقة والراهنة على ساحة الإسلام والمسلمين في العالم.
لذلك، فإننا نرى أن الفهم المتعدّد المتنوّع للإسلام لم يكن خيرًا أو نعمة أو غنى لا بالنسبة إلى الإسلام وقد صادر هويّته، ولا إلى المسلمين وقد شتّت شملهم ومزّقهم وفرّقهم ومذهبهم وسيّسهم ضد بعضهم البعض إلى حد التكفير، بل العكس هو الصحيح، فهو شرّ ونقمة وإفقار للإسلام والمسلمين في آن معًا، حتى لا نقول هو لعنة عليهما، لأنه لم يبقَ اختلافًا يغني الإسلام في إطاره الواحد، ولا وسّع من ساحة حركة المسلمين وفاعليتهم في إطار وحدتهم في إيمانهم به على الأقل ولا وسّع هامش خياراتهم، بل صار خلافًا تقسّم به الإسلام وتنافر فيه المسلمون وتدابروا وتلاحدوا وتنازعوا.. فذهبت ريحهم، وأفل نجمهم وعزّ تقدّمهم… وحتى لا يذهبن بنا أحد إلى أننا نبتعد عن واقع الحال، فإننا نستعرض ضربًا من الفهم دون الدخول في مدى صحّة أو في إقامة الدليل والبرهنة الكافيين، أو الغوص في الاعتبارات والحيّثيات والمستندات بشأن هذا الموقف أو ذاك، مكتفين بالكلام على ما هو قائم ليس إلاّ. ففي الآيات الأربع التالية:
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: 55)، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(المائدة 3)،
و ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾(الأحزاب: 33)، و﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 67)،
في هذه الآيات، يرى فريق من المسلمين أنها تحسم موضوع أحقّية أمر الخلافة أو الإمامة من بعد وفاة الرسول: فذهب في الآية الأولى إلى أن “الذين آمنوا” تعبير عن الولي الإمام علي بن أبي طالب، باعتباره تصدّق بخاتمه وهو يصلي راكعًا حين نزول الآية؛ كما أنه، اقتطع الكلام من “اليوم يئس”… لغاية “الإسلام دينًا” من الآية الثانية، فرأى فيه أن “إكمال الدين” و”إتمام النعمة” هما بالوصية والإمامة لعليّ؛ كما رأى أيضًا في الجزء الأخير من الآية الثالثة من “إنما يريد” عصمته، وفي الآية الرابعة، أن الموضوع المطلوب تبليغه هو إمامته…
هذا، بينما لا يرى فريق آخر من المسلمين رأي هؤلاء لا من قريب ولا من بعيد: ففي نظرهم أن “الولي” هو الله وقد جاء مفردًا، فلم يرد الجمع “أولياء” ثم إن العطف جاء على سبيل التبع، في الآية الأولى، وأن الكلام المقتطع من الآية الثانية لا يخرج عن السياق، ويندرج في بيان الحلال والحرام…الخ؛ أما “أهل البيت” فهم “أهل بيت النبوّة” في الآية الثالثة، والتبليغ في الآية الرابعة لا يخرج عن إطار الرسالة، ولا يتطرق بالتالي إلى الإمامة.. هذا تعدّد وتنوّع في فهم الإسلام في القرآن.
أما في السّنّة، وفي الموضوع نفسه، فنجد الفريقين نفسيهما على خلاف جذريّ في فهم أقوال الرسول التالية في علي بن أبي طالب: ” من كنتُ مولاه فعلي مولاه” و”من توّلاني، فليتوّل عليًّا” و”اللهم والِ مَن ولاه”. ففي الوقت الذي يؤكد فيه الفريق الأوّل من خلال هذه الأقوال “الولاية والوصيّة والإمامة” لعليّ، يرى الفريق الثاني في القول الأول أن كلمة “المولى” تعني “الناصر”، فتصبح الأقوال على النحو التالي: “من كنت ناصره، فعلي ناصره” و”من نصرني فلينصر عليًّا” و”اللهم أنصر وأحب من نصره وأحبّه”.
إن مثل هذا الضرب من الفهم للإسلام، قرآنًا وسنّة، لم يترك الإسلام قائمًا بوحدته، بل عدّده ونوّعه بمعنى أن كلًا من الفريقين، بل من الفرق التي نشأت وأنشئت في المناخ العام لكل منهما، وفي مناخ كل من غيرهما، قد جعل “الإسلام الواحد الموحّد الحقيقي الأصيل القرآني المحمدي”، قائمًا فيه هو دون غيره، ولو أظهر نحو غيره أو بعض غيره، أحيانًا، شيئًا من الاعتدال أو المرونة أو التفّهم أو الاعتراف أو التقدير أو المشاركة أو التسامح، فضلاً عن الشيء الكثير من المجاملة.
أضف إلى ذلك أنّ حديث “الفرقة الناجية” الذي مؤدّاه (افتراق أمّة النبيّ محمّد إلى ثلاث وسبعين فرقة جميعها هي النار إلاّ واحدة هي الفرقة الناجية) قد فاقم التنوّع التابع للتعدّد حدّةً، علمًا بأننا ممّن يشك في صحة هذا الحديث باعتبار الافتراق قد تجاوز الـ 73 فرقة كثيرًا وكثيرًا جدًا، و”الحبل على الجرّار”… وللتدليل على خطورة الفهم المتعدّد المتنوّع للإسلام في تبعيّته للسياسة من حيث انعكاسه السلبي على نفسه وعلى المسلمين، نشير إلى واقع حالهما في وقتنا الراهن في بلدين اثنين على سبيل المثال ليس إلاّ: هذا أحدهما يحكمه نظام سياسي بعنوان الشريعة الإسلامية وفقًا لفهم مذهب الأكثرية من سكانه، فيشعر فيه أتباع المذاهب الأخرى، وهم أقَلّيّات بطبيعة الحال، بأنهم مغلوبون على أمرهم من حيث المساواة والعدالة والحرية والمشاركة، خاصّة إذا كان واقع الحال يحول دون وصولهم إلى سدّة الحكم أو حتى إلى مناصب ذات شأن في الحياة العامّة؛ وهذا البلد الآخر الذي لا يبعد عن السابق يحكمه أيضًا نظام سياسي بعنوان الشريعة الإسلامية نفسه، ولكن وفقًا لفهم مذهب آخر للأكثرية من سكانه، فيشعر أتباع المذاهب الأخرى شعور أمثالهم في البلد السابق..
وهكذا تصبح الشريعة الإسلامية في البلدين شريعتين تلبّست كلًّا منهما هويّة المذهب الحاكم باسمها، ويصبح في هذه الحال، حديث مثل “الناس سواسية كأسنان المشط” وآخر مثل “كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه” لا يعنيان جميع المسلمين على نحو متساوٍ، بل يذهب مضمونهما، فهمًا وتطبيقًا، إلى كنف المذهب الحاكم الذي يمثّل “الإسلام الحقيقي” بنظر منظّريه… إن الفهم المتعدد المتنوّع للإسلام أخذه رهينة لأهداف وأغراض وغايات ومصالح ومطامع وأهواء تدور جميعًا في فلك الشخصي والخاص والأناني للمتنفّذ المهيمن، وتتحقق له في دوائر نفوذه وقد برّرها له الدين وغطّاها، بل برّرها وغطاها المذهب الذي تلبّس الإسلام باجتهاد مجتهد، وتأويل مؤوّل وفقه متفقّه، وإفتاء مفتٍ…
إن هذا الفهم للإسلام، وإن حلا للكثيرين من القيّمين عليه أن يصفوه بأنه نعمة ورحمة للمسلمين، فقد ذهب بالإسلام والمسلمين إلى صراع بلغ في بعض الأحيان، حدّ اللامعقولية، إمعانًا في الصراع المذهبي حتى بين أتباع المذاهب التي لا تختلف لا في الأصول ولا في الأركان ولا في العقائد، بل ينحصر اختلافها في هوامش ضيّقة جدًّا في فهمها للإسلام. فليس من الضروري أن يكون بين المذاهب خلاف كبير وجذري لينشب الصراع بينها. لنتأمل جيّدًا في الحدث التاريخي الذي أورده ابن ابي الحديد(35)، في النصف الأول من القرن السابع الهجري في أصبهان (أصفهان) حيث كان بين أتباع “الشافعي” وأتباع “أبي حنيفة” صراع واقتتال في المدينة؛ ومع ذلك فقد منعوا التتار من الاستيلاء عليها من سنة 627 هـ إلى سنة 633 هـ حيث اتصلت فيها جماعة من الشافعية بالتتار وأخذت عهدًا منهم بالقضاء على الأحناف والعفو عن الشوافعة، مقابل فتح أبواب المدينة أمام جيش التتار. فسارع قاآن بعد وفاة أبيه جنكيزخان، إلى إرسال جيشه إلى المدينة. فقضى أولاً على الشافعية ثم على الحنفية ولم يوفّر أحدًا من الناس سبيًا وتقتيلاً وتخريبًا وعيثًا بالفساد، وإحراقًا للمدينة التي تركها تلالًا من الرماد.
هذا ما حدث بين المذهبين بإيجاز.. فأي اختلاف أو سبب أو ضرورة، يمكن أن يجعل هذا التحالف أو التآمر مع التتار ضد الأخوّة في الإيمان والإسلام معقوليًّا أو مستساغًا للعقل؟!… ليس هذا “نبشًا للقبور”، وليس حدثًا يتيمًا أو نادرًا أو محصورًا بين أتباع المذهبين المذكورين، إنما هو للتدليل على أن التعدّد في فهم الإسلام، قرآنًا وسنّة، يستتبع التنوّع فيه، والتنوّع يسيّسه ويصادر هويته سواء أكان الإسلام يحكم مباشرة أو يُحكم باسمه، أم معبّأً ومعبئًا للحكم عبر مشروع يحمله هذا المذهب أو هذا التيار أو هذا الحزب أو هذه الحركة أو هذه الجماعة… وما إلى ذلك…
وبعد أن أقررنا بأن السلطة الحاكمة ضرورة يقتضيها الاجتماع البشري، ومع تتبعنا إيّاها بعلاقتها بالثلاثي (السياسة والإسلام والعقل) في السياق التاريخي، وبتبييننا مواطن الاستغلال السلبي في الإسلام لمصلحة السياسة الاستبداديّة، لعلنا نكون قد هيّأنا الأرضية الكافية لصورة واضحة عنها بعلاقتها بهذا الثلاثي. فإلى أي مدى تمّ لنا ذلك؟



