مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة “19”..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

4- تبلور علاقة السلطة الحاكمة بالثلاثي: السياسة والإسلام والعقل:

إن علاقة السلطة الحاكمة ذات الطابع الاستبدادي الطاغي منذ تغلّب معاوية وتبوئة عرش الخلافة بالقوة التي رجّحت له ميزان القوى، إنها علاقة استلاب مع السياسة والإسلام والعقل، كما أشرنا إلى هذا في مقدّمة هذا الفصل. وقد تبدّى لنا هذا الاستلاب في ما عرضنا له، وتبيّن لنا الخلل الخطير والسّيئ والفاسد الذي أطاح التوازن والتناغم والتكامل في قيادة الأمّة الناشئة على الرابطة الإسلامية، وفي إدارة مصالحها، وتدبير أمورها، وتصريف شؤونها، الأمر الذي انعكس وينعكس فسادًا وإفسادًا في مفاصل ومؤسّسات الحكم، وتعطيلاً لمشاركة الناس فيه، وتعويدًا لهم على القبول بالجاري من الامور بشأنه، وعلى الخضوع والطاعة له وإن كان فيه جور وفساد وأثرة، امتثالاً لمشيئة ربّ العالمين في قضائه وقدره، كما انعكس وينعكس شللاً عارمًا في فاعليّة الأمّة العامة، وجمودًا فادحًا في حركة التغيّر والتطوّر والتقدّم في سائر مناحي الحياة، وقمعًا للحقوق والحريات، ومدرسة تربّي الأجيال على الولاء التام “للقائد الرائد”، وعلى وضع الآمال والمصائر كلها في عهدة “حامي الحمى”، المضحّي المتفاني، الحاكم الاستثنائي، ولي الأمر المفدّى، هبة الله لعباده الصالحين الطائعين… أما الأميّة التي “تخفق راياتها جهلاً” هنا وهناك، وتفشّي الفقر المدقع هنا وهناك أيضًا، حتى لا نقول الجوع، والوضع المذري صحيًّا الذي يئن تحت وطأته “كم هائل” من البشر الذين “شاء القدر” أن يكونوا مسحوقين عاجزين عن التداوي والعلاج مما يفترسهم من الأمراض، والقصور والتقصير، وضآلة المشاركة والمواكبة في الركب الحضاري التقدمي الإنساني(…)، فهي أمور تنبري لها تلك المدرسة لتقول إنه الكفر العالمي الذي لا يريد الخير ولا التقدّم للمسلمين، وإنه التآمر الخارجي الذي يكيد لنا الشرّ والتأخرّ فلا ييأس من المكائد والدسائس علينا؛ أما نحن – تتابع المدرسة نفسها – فلهم بالموصاد نعدّ لهم ونعبّئ سائلين الله أن يجعلنا قادرين دائمًا على صمودنا وثباتنا في وجه أعداء الترقي والتطوّر والتقدّم… هذا بإيجاز كبير عمّا تترتّب ويترتّب على علاقة الاستلاب بين السلطة الحاكمة و”الثلاثي” المذكور… فإلى أي مدى أصبحت هذه العلاقة واضحة متبلورة؟ بل كيف ينتظم “الثلاثي” في علاقته مع السلطة الحاكمة في السياق الاستلابي؟

4-1- السياسة الاستبداديّة تستتبع الدين وتقمع العقل الحرّ: إن السياسة الاستبدادية برزت وشغلت السلطة الحاكمة التي اغتصبها الحاكم بالقوة والغلبة دون أي شرعية أو قاعدة حقوقية. “فالحاكم المتغلّب” ينحو نحوًا دنيويًّا رئيسًا في السياسة، ويصبح “الحكم بما أنزله الله” كما يراه هو على الأرض متناسبًا مع تطلعّاته الدنيوية بدلاً من الاهتمام بالإعداد إلى الآخرة، وداعمًا لتمسّكه بالسلطة والانفراد بها وليس لمشاركة الناس في نعيمها، ولتبقى بالتالي جنّة أحلامه، وهدفًا يستقطب كل ما يمكن أن يخدم أو يسهم في تحقيقه. إذًا، هي السياسة تعلو كل شيء، يستلب بها “الحاكم المتغلّب” كل شيء، وفي مقدّمة هذا، الدين والعقل لعظم شأنهما وفقًا لإرادته ورغباته ومصالحه ونزواته ومطامعه والأهواء؛ وإذا كان صحيحًا أن “الإناء ينضح بما فيه” وهو صحيح بالتأكيد، فإن السياسة المتغلّبة المستبدّة “تشع استلابًا” على كل ما تستقطبه وتستتبعه حتى لو كان الدين إلهيّ المصدر، لتوظّف ماله من قيمة ومكانة وأهمية وعظمة في النفوس المؤمنة من أجل تغطية إفرازات استبدادها، وشرعنتها أو السكوت عنها في الحد الأدنى؛ وهل يفرز الاستبداد شيئًا غير الظلم والفساد والطغيان والقمع والحرمان من المشاركة في الحكم، وخنق الحريّات وتشويه حقوق الإنسان؟!…

كما أنها “السياسة المتغلّبة” لا ترعوي عن استلاب العقل فتحرّم على صاحبه إعماله في السياسة المغايرة أو المعارضة، أو حتى في السياسة الحاكمة القائمة إذا لم يكن تأييدًا وتبريرًا لها، وتهليلاً بها، وتبجيلاً للقيّمين عليها؛ أما إذا أبى ذو العقل إلاّ أن يعمله في ما يراه تحت عنوان حريّة الرأي والتعبير، فإن مساحة الجحيم تتسع له ولأمثاله من ملاحقة وقمع وحبس وتعذيب وإقصاء ونفي، وحتى التصفية التي حرمها الله إلاّ بالحق، لا يعدم الاستبداد وسيلة “لابتكار هذا الحق” ليصبح القتل “قانونيًا وشرعيًّا”!

4-2-  الدين يغطي استلابه ويسفّه العقل في غير النقل: إن  استلاب الدين الذي نحن بصدده نراه في المدى الخطير الذي استتبعته فيه السلطة الحاكمة التي سادت وتمتّ لسياسة الحاكم بالقوة والغلبة والقهر. إنّه هوى السلطة أو هوى السياسة، أو بتعبير أدق، هو هوى الحاكم في السياسة الذي جعل حكمه يقوم على العنف؛ ومع ذلك، لم يغفل أهمية الدين ومكانته في حياة المؤمنين به وهم الرعيّة أو السواد الأعظم منها. فكان الاهتمام المغرض به، وكان التفنّن في إمكان استغلاله من مصدريه، القرآن والسّنّة، لأغراض السياسة الحاكمة المتغلّبة كما رأينا تحت عنوان (في الاسلام ما يستغّله الحكم المتغلّب في نزعته الاستبدادية)، وقبله تحت عنوان (السلطة والسياسة والعقل في السياق التاريخي). فاستلاب الدين لمصلحة السياسة رافق استبدادها فجعلته تابعًا لها “يؤلّف القلوب والنفوس” بهذا القدر أو ذاك، على الرضوخ والسكوت والإذعان بعنوان وجوب طاعة ولي الأمر التي أفتى بها القيّمون على الدين والموالون للسياسة المتغلّبة، “حرصًا على الاستقرار والسلم الأهلي، واستتباب الأمن، وتذرعًا بإتقاء شرور الفتنة التي تتجاوز في سوئها وخطرها على الأمة ما يقترفه الحكم المتغلّب في استبداده وجوره وفساده”! لذلك فهم يبرّرون له ما يقوم به ويغطّونه ويشرعنونه بكل علّاته وارتكاباته، ويدعون للحاكم بوافر الصحة وتمام العافية والخير العميم والعمر المديد… ولعلّنا نقصّر كثيرًا ان نحن قصرنا استلاب الدين على استتباعه من قبل السياسة المتغلّبة الحاكمة، لأنه في واقع الحال خاضع وتابع للسياسة التي يحملها فهمه المتعدّد المتنوّع. ولعلّنا لا نغالي إذا ما رأينا وقلنا إن هذا الاستلاب لا يقل شرًّا وخطرًا وسوءًا عن سابقه، عليه وعلى المسلمين لأنه يصادر هويته الأصيلة كما مرّ معنا ذلك في غير مكان. وبذلك، يصبح التعبير “مع كل فهم للدين، سياسة جديدة، وإسلام جديد” مقولة صحيحة، كما يصبح مع ذوي كل فهم له معبّرًا عن الفهم الحقيقي للإسلام وعن سياسته الحقيقية دون كل فهم يراه آخرون… ومما يعبّر عن هذه النزعة الاحتكارية الاستئثارية الأحادية للإسلام، تعابير يغيب عنها لفظ “الإسلام” ليأخذ محله لفظ “الهوية البديلة المتماهي فيها” للمذهب أو الفرقة أو الحركة أو التيار أو الجماعة أو الحزب، باعتبار الهوية البديلة هذه هي التي تعبّر عن “الإسلام الأصيل القرآني المحمدي”، “الإسلام الحقيقي”؛ فنسمع ونقرأ مثلاً “نحن أتباع المذهب أو الفرقة أو الحركة أو التيار أو الجماعة أوالحزب، نؤمن بكذا، ونلتزم بكذا، وسياستنا كذا…الخ”. وهكذا نرى، في مثل هذا الإطار، الدين كلّه يبرّر ويغطي السياسة كلّها وهي لا تخرج عن كونها فهمًا بشريًّا كلّها…

أضف إلى ذلك أن الدين يستفزّه إعمال العقل الحرّ، تمامًا كما يستفزّ السياسة الاستبدادية. فالاستبداد السياسي والدين المستتبع يلتقيان ويتآزران في محاصرة إعمال العقل الحرّ. هذا لا يريده في غير النقل باعتبار ما فيه كافيًا وافيًا للحياة البشرية التي أرادها الله للإنسان على الأرض وفي السماء؛ فيحظر عليه، مثلاً، البحث في سياسة اقتصادية ناجعة، أو في نظام سياسي يستجيب لحاجات الناس، ويعالج مشكلاتهم ويعبّر عن تطلّعاتهم، أو في حقوق الإنسان بما يختلف مع النقل، أو في الأحوال الشخصية، يحظر عليه كل ذلك بالرجوع إلى مخزونه من المعارف والخبرات والخيارات؛ أما السّياسة الاستبدادية فلا تريده يعمل خارج دائرة التأييد والتبجيل والتبرير للحكم؛ فتحظر عليه أن يكون ناقدًا أو إصلاحيًا أو حرًّا أو معارضًا… وبهذا وذاك، يتعطل الكلام المفيد، وتبطل لغّة العقل الحر، المقموع سياسيًّا والمسفّه دينيًا.

4-3- العقل يعقله التواطؤ السياسي – الديني عليه: إذا كانت السياسة الاستبدادية تقمع إعمال العقل في كل ما قد يمس الحكم بكشف عيب هنا، أو ارتكاب هناك، أو ظلم هنالك، وإذا كان الدين يسفّه إعمال العقل في غير النقل، وإذا كان النقل في نظر القيّمين على الدين والمؤمنين به، كاملاً شاملًا كافيًا وافيًا بكل شؤون حياة الناس، فماذا يبقى أمام العقل ليعمل فيه سوى التبرير والتسويغ والتغطية والمديح والتبجيل لما يريده كل من طرفي التوطؤ، ويرغب فيه ويهواه؟! وإذا توافر لهما كل هذا من العقل كلّه، فهل يمكن لنا أن نتوقع من أنفسنا شيئًا نتقدّم به إلى الأمام؟! أم إننا نستمر في ما نتخبّط فيه مما يفرضه علينا التواطؤ داعين الله أن يغيّر الحال إلى أحسن حال؟!.. إن عملية عقل العقل كما ورد في العنوان تخلو من أي شيء إيجابي بالنسبة إلى إعمال العقل الحر؛ إنها لا ترمي، مثلاً، إلى الفهم أو التفهم أو الوظائف النفسية العليا التي يشغلها العقل في كسب المعرفة وتطبيقها، وفي إيجاد الحلول للمشكلات التي تعترض الإنسان، وفي سدّ الحاجات التي يحتاج إليها؛ إنها تخلو من كل ذلك وما إليه. ولكنها بالمقابل، تشمل كل الأشياء السلبية التي تحول دون إعماله في غير ما يقتضيه التواطؤ. فكيف يبدو لنا مثل هذا العقل في ظل هذا التوطؤ؟ – إنه يتجلّى في عدة مستويات إجمالية وعامّة، منها:

4-3-أ- العقل الموالي لطرفي التواطؤ: هذا العقل يجعل ثمرة إعماله في  ما يخدمهما: يؤيد ويبرر ويمدح الحكم المتغلّب ذا النزعة الاستبدادية، كما يغطي تبعيّة الدين له ويدافع عن ذلك؛ فهو في هذا يصول ويجول في رحاب النقل الذي سقفه وحدّه القرآن والسّنّة، ويثني على وجوب طاعة الحاكم “ذي الوطأة الشديدة” اتقاء للفتنة كما ذكرنا في غير مكان؛ كما أنه لا يرى حرجًا في تبنّي التوجّه الانفرادي في السلطة والإساءة في استعمالها ما يجعلها تسلّطًا، باعتباره هذا التوجّه هو الحكم الناجع لهذه الأمة أو الشعب أو الرعية، طبقًا لمقولة “الحكم ملح الأرض” التي يفهم من طعم الملح فيها استساغة الشدّة والقوة في الحكم… ويمكن أن نميّز في العقل الموالي، “العقل المقتنع الصادق الحر المختار” وهو قليل ويبدو بمثابة الشّاذ المؤكّد للقاعدة، “والعقل الخائف على لقمة العيش ومن القمع” و”العقل التجاري المتسلّع”  و”العقل المنافق الانتهازي” و”العقل المهزوم المنكسر” و”العقل الانفعالي أو المفعولي”.

4-3-ب- العقل المعتزل لطرفي التواطؤ: إنه ينكفئ عنهما ويؤثر الابتعاد عن المأثم في الاستبداد وفي تغطيته، وقد يعتقد أنه لا يقدر أن يغيّر من الأمر شيئًا، وكأننا به لا يقوى على احتمال القمع، ولا على احتمال الاتهام بالخروج عن النقل، فيفضّل الانكفاء على نفسه، رافضًا، ضمنًا، شرور التواطؤ. إن مثل هذا العقل لا ينجو تمامًا من كل الإزعاجات أو الضغوطات، فيقبل غير مختار أن يكون مراقبًا من قبل طرفي التواطؤ، ويكتم غيظه لنعته من قبل معارضي الأمر الواقع بـ “الشيطان الأخرس” لسكوته عن قول الحق؛ وقد يتألم لخيبات “العقل الموالي” في ما يعتبره إنجازًا له، وقد يسعد بإنجازات العقل المعارض. إنه في نهاية المطاف، عقل يستأنس بشكل أو بآخر، بمقولة “السلامة غنيمة” وبـ “الابتعاد عن الشرّ” دون أن يغنّي له.

4-3-ج- العقل الناقد الحرّ: هذا العقل تأبى فاعليّته الإذعان للجمود، فيعارض ويقاوم ويقدّم الحلول والبدائل من أجل هزّه ومعالجة أسبابه، وخلق آليات لتسريع حركة التغيّر والتطوّر والتقدّم في كل الميادين والمجالات والمناحي الحيوية، من قبيل السياسة والاقتصاد والاجتماع؛ إنه عقل يستفزّه الاستبداد وتبعيّة الدين له، فلا يستكين لهما، ولا يخاف في الحق لومة مستبدّ أو متواطئ معه، بل يسعى لتغيير الظروف والعوامل الداعمة لهما بالدعوة إلى الإصلاحات الضرورية في السياسة المتغلّبة من قبيل ما يفضي الى حكم يستجيب لحقوق الناس وحريّاتهم وحاجاتهم وتطلعاتهم، ويقوم على شرعية تحترم حقوق الإنسان، ويرضي معظم هؤلاء الناس الذين يشاركون في أسسها وقواعدها وبنائها بحيث يتم لهم تداول السلطة بسلاسة وانتظام بمنظومة من الآليات العقلانية التي تبعد عنهم العنف والغلبة وشبح الاستبداد وإفرازاته بحيث يشعرون بالمواطنة والمساواة والطمأنينة، وبأن القضاء العادل مستقل في دفع الظلم ومكافحة الجريمة وما إلى ذلك؛ كما أن هذا الحكم، المفضى إليه، يسعى في الوقت نفسه لإصلاح ديني يحول دون تبعيّة الدين للاستبداد ودعمه وتغطيته سواء بذريعة “الطاعة الواجبة لولي الأمر الذي اشتدت وطأته وقويت شوكته وتربع على عرش الحكم بالقوة والغلبة” أم بذريعة “درء الفتنة والحفاظ على وحدة الأمة”.. فأي أمّة هذه التي يوحّدها الاستبداد والظلم والفساد والطغيان؟!.. أجل، في هذا، يرى العقل الناقد الحرّ دورًا عظيمًا أصيلاً له، فهو لذلك يجد ويجتهد في التوعية والنقد والتحليل والتفكيك والتعليل والتأليف وإيجاد الحلول والبدائل، وفي البحث والتجريب والإبداع، إنهاضًا للناس، وإحداثًا للتطور، وتحريكًا للتقدّم… ولكن وبكل أسف ومرارة، لم يكن هذا متاحًا لهذا العقل الذي يجد نفسه محاصرًا بقوّة غاشمة طاغية استبد بها “حاكم متغلّب” على الأرض، وبقوة دينية مسيّسة بفهم بشري منسوب إلى السماء. فأين المفرّ؟! كل السبل إلى خرق وفك الحصار مفروشة بالشوك المدمي، ومزروعة بالعقبات الكأداء، ومليئة بالعوائق والمطبات المحبطة للعزائم والهمم. ليس هذا فحسب، بل هناك الحرس الخبير الحريص الذي يقوم بمهمة عقل العقل التي ولاّها إياه الطرف المتواطئ المهيمن (السياسة المستبدة) بهدف جعل إعماله خارج دائرة الفعل الحرّ. لذا أولى اختياره منتهى عنايته واهتمامه ورعايته بحيث تقتصر مؤهلات الحارس في معرفة وخبرة وكفاءة وكفاية وانتماء وولاء ومهارة وهواية وما إلى ذلك، على أن يكون اسمًا على مسمّى ليس إلاّ، فجعل الاستبداد رئيسًا للحرس، وأمر أن يأتمر بأمره العسكريون الملتزمون المؤتمنون الخلّص السامعون الطائعون الذين لازمت رتبهم أسماءهم، وهم من “الذكور”:  الحبس والقهر والمنع والقمع والكفّ والشّلّ والسحق والطرد والعزل والجلد والنفي والتعذيب والقتل والتقييد والإقصاء والكذب والزور والبهتان؛ ومن “النساء” الملاحقة والمطاردة والمداهمة والمساءلة والمحاسبة والمعاقبة والمقاضاة والمحاماة والمحاكمة والإقالة والجراحة والطبابة والمتجنية؛ علمًا بأن باب التوظيف في الحرس مفتوح دائمًا لمثل هذه “الاختصاصات”.

  ولكن، ومع هذه الصورة القاتمة السوداوية المحبطة، فإن العقل الحرّ الناقد له من المرونة والليونة والحيلة والعزيمة والإقدام والمواجهة والشجاعة والمقاومة وسلاح المعرفة والكلمة والبرهان والحجّة والثقافة، والصبر والثبات والتضحية والكرامة وعزّة النفس والإصرار(…)،له من كل ذلك ومما يندرج في إطاره، ما يحول دون هزيمة الإرادة الحرّة فيه؛ إذًا، فلن يسلّم مصيره مختارًا لمصادريه باسم قدر الله تزويرًا وإفسادًا وتضليلاً للرأي العام؛ لأنه إذا قدّر للمستبدّ أن يعبث بمصائر الناس على هواه على الأرض، فلماذا لا يكون قد قدّر للعقل الحر الناقد أن يعمل على الإمساك بمصيره، وعلى تحرير مصائر الناس لهم على الأرض نفسها(36)؟! وهو “هذا العقل” لن يلتحق بالتالي بجماعة “العقل الموالي” مهزومًا، ولا بجماعة “العقل المعتزل”، متخليًّا منكفئًا؛ بل سيبقى في موقعه ناشطًا في لعب دوره العظيم بالقدر المتيّسر له من الوسائل المتاحة والممكنة والمبتكرة، على الرغم مما سيناله من وخز الأشواك، وإنهاك تجاوز العقبات، وإجهاد الالتفاف على العوائق، علمًا بأنه قد خبر ممارسة كلّ من “الحراس والحارسات ورئيسهم”، وظيفته عليه، وقد تعرّف كل ألوان طعمها ونكهتها ومذاقها وهو بثقته بنفسه وإمكاناته والكفايات، وبيان حقّه، وجدارته بالحريّة والعزّة والكرامة، وهو بهذا كلّه، يرى نفسه، بغير خيار منه، في نفق مظلم، ويلمح فيه ضوءًا مشعًّا بعيدًا، يحدّق فيه فيبصر نورًا يبدّد الظلام، وهدى يقوّض مواقع الضلال والتضليل، وعدلاً يطيح الظلم والبطش والطغيان والاستبداد، وحكمًا تاجه حريّة الإنسان ومنعته وعزّته والكرامة… وهنا يشعر العقل الحرّ الناقد في ذاته بشيء، ما إن يحفزه إلى ذلك الضوء المشعّ حتى يجذبه إلى ذاته؛ ومع كل حفز وجذب، يصغي إلى نداء ينطلق من أعماقه يقول: اثبت واصمد لذاك التواطؤ، وانهض وتصدّله؛ أنت الحق وهو الباطل؛ ﴿…إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ (الإسراء: 81).

الحواشي:                                                                                     

  • أنظر في القرآن الكريم تباعًا: (الصف: 10 و11) و (التوبة: 20 و60).
  • العقل السياسي العربي للجابري – ص 133.
  • المصدر نفسه، ص 133 و134.
  • المصدر نفسه، ص 133.
  • المصدر نفسه، ص 140
  • المصدر نفسه، ص 138.
  • لا يظنّن أحد أننا ننتقد هؤلاء العظماء، ولكنّنا أردنا تبيان ما ذهبنا إليه في موضوعنا ليس إلاّ.
  • العقل السياسي العربي للجابري – ص 178.
  • فقه السيرة النبويّة للدكتور محمد سعيد البوطي – ص 359.
  • العقل السياسي العربي للجابري – من ص 182 إلى ص 186.
  • فقه السيرة النبويّة للدكتور محمد سعيد البوطي – من ص 364 إلى ص 370.
  • أنظر في القرآن الكريم – (الأنفال 41).
  • اللهمّ لا تقويم ولا انتقاد ولا انتقاص من فضل الخليفة الثالث وهو من قال فيه الرسول بعد تجهيزه جيش العسرة إلى تبوك: ” ما ضر عثمان ما صنع بعد اليوم”، إنما أملى علينا الموضوع ذلك.
  • فقه السيرة النبويّة للدكتور محمد سعيد البوطي – ص 365.
  • المصدر نفسه، ص 365 و 366.
  • العقل السياسي العربي للجابري – ص 182 و ص 183.
  • فقه السيرة النبويّة للدكتور محمد سعيد البوطي – من ص 366 إلى ص 368.
  • العقل السياسي العربي للجابري – ص 186.
  • المصدر نفسه،
  • العقل السياسي العربي للجابري – ص 162.
  • فقه السيرة النبويّة للدكتور محمد سعيد البوطي – ص377.
  • العقل السياسي العربي للجابري – ص 193.
  • للمزيد من المعلومات أنظر المصدر نفسه من 192 إلى ص 195.
  • المصدر نفسه – ص 255.
  • المصدر نفسه – ص 237.
  • التراث في ضوء العقل للدكتور محمد عمارة – ص 288.
  • المصدر نفسه – ص 289.
  • رُويَ عن الرسول: “رحم الله امرءًا عرف حدّه فوقف عنده”.
  • العقل السياسي العربي للجابري – ص 120 وص 121.
  • صفوة التفاسير للصابوني – الجزء الأول – ص 460.
  • السيرة النبوية لابن هشام – الجزء الثاني – ص 97.
  • للمزيد من المعلومات يرجع إلى الفصل الأول.
  • رواه مسلم.
  • أخرجه الترميذي.
  • شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد – المجلد الثالث – ص 81.
  • سنعود إلى القضاء والقدر في الفصل السادس.

 

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى