مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة “20”..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” في هذه الحلقة، نشر ملحق المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

ملحق المحور الأول:

لعلّ الاستلاب المشار إليه أصبح بما تناولناه في الفصول الأربعة، في صورة واضحة إلى حد كبير، وأصبحنا نحن أيضًا على بيّنة من أمرنا بشأنه. لذا فقد رأينا من المفيد أن نذيّل هذه الفصول بملحق يشتمل على أهم وأخطر النتائج التي أفضت إليها من حيث تأثيرها في الإسلام وأهله، مشيرين إلى  تحديّاتها التي نطرحها بأسئلة سنعمل على معالجتها في قبولها ورفضها في فصول المحور الثاني. وإذا كنّا، نحن، قد استقرأنا واقع حال الإسلام وأهله، فإننا كنا نسعى جاهدين للوقوف على العوامل الداخلية الذاتية العائدة إلى الإسلام، قرآنًا وسنّة، وإلى أهله في السياق التاريخي، والتي تقف وراء الحال المزرية على أكثر من صعيد من غير أن نتجاهل ما قد يكون لعوامل خارجية موضوعية من تأثير في تلك الحال؛ ولكننا قد انحزنا إلى وجهة النظر التي تقول بمسؤولية المسلمين أنفسهم بما آلت وتؤول إليه حالتهم المزرية هذه باعتبار الأسباب الخارجية الموضوعية جزءًا مما عليهم التعامل معه، ومواجهته، والتصدّي له بحيث يجب أن يجعلوه في آثاره أكثر نفعًا وإسهامًا في خيرهم، وأقل ضررًا وإساءة إليهم؛ علمًا بأن انحيازنا هذا يجعلهم وجهًا لوجه أمام أنفسهم بدلاً من الهروب والتذّرع بتآمر “الآخر الملحد” عليهم، ليلوذوا بالتّالي بالاستكانة إلى مشيئة رب العالمين… فإلى ما قصدنا إليه في ما يلي:

  • بشأن الفصل الأول: ثقافة القضاء والقدر تحاصر الإنسان.

1-1- نتائج رئيسة: إن كلًّا من النتائج التي نذكرها تاليًا، ونكتفي بها لتبيان واقع الحال المزري الذي أصاب الإسلام باستلاب هويّته الأصيلة، وعانى ويعاني منه أهل الإسلام في حياتهم من تعثّر وتعسّر وتشتّت وتفرّق وتبدّد قوى وموارد وقصور وغربة إزاء الترّقي والتحضّر والتقدّم في استخلافهم في الأرض، إن كلًّا منها يكاد يكفي لما وصفناه بالإزراء من واقع حال الإسلام وأهله:

1-1-أ- القدر يحاصر الإنسان: إن ثقافة القدر في الشائع والسائد تحاصر الإنسان وتجعله يدور في فلك الدين، إطارًا مرجعيًّا شاملاً له في حياته الدنيا وفي الآخرة: في مصيره وقد رسمه له الغيب؛ وفي عقله وقد قيّده له النقل؛ وفي حريّته وقد صادرها القدر؛ وفي مواجهته وقد ارتهنها هذا القدر؛ وفي استخلافه في الأرض وقد استتبعته السماء؛ وفي فاعليّته وقد أصيبت استلابا في أسبابها (العقل والإرادة والقدرة) فانحسرت أمام مفعوليّته.

1-1-ب- الاستبداد يلتفّ على الحصار: بيد أن جماعة “الفن الممكن” المتغلّبة ذات النزعة الاستبدادية، سرعان ما تلتفّ على هذا الحصار بالقوّة والغلبة، وتبرّرها بالقضاء والقدر، وتقلب المعادلة السابقة إلى حد كبير وخطير، ولكن، في السياق الاستلابي، وكأننا أمام حصار آخر يشدّ من أزر سابقه من  أجل مصلحة تلك الجماعة دون أن يلغيه.

1-1-جـ- اشتداد الخناق على الإنسان: إن هذه النتيجة تترتّب على السابقتين حيث يجد الإنسان نفسه في استلاب مزدوج وقد شدّ الخناق عليه، بين قدر يحاصره من السماء، واستبداد يحاصره  من الأرض… ويصبح الإسلام رهن الفهم البشري في الحالين…

  • تحديّات في أسئلة:

1-2- أ- اذا الإنسان فعلا لا يملك من أمره شيئًا في بعض ما يعنيه، وهو صحيح، أفلا يملك منه شيئًا في بعضه الآخر؟

1-2-ب- كيف يصح أن يلاقي استلاب الإنسان بالاستبداد من جماعة “الفن الممكن” في الأرض استلابه بالقدر من السماء؟ ألا يندرج هذا في “تجاذب” الأقدار بدلاً من “تدافعها”؟

1-2-جـ– أليس من مدى يفلت فيه الإنسان من الاستلاب المزدوج أم هي حريّة الإنسان من سراب؟

  • بشأن الفصل الثاني: الحكم والسياسية والاقتصاد والمال في الإسلام.

2-1 نتائج رئيسة: 2-1- أ – لا نظم عامّة ولا أنظمة خاصّة: ليس في الإسلام، قرآنًا وسنّة، نصوص يمكنها علميًّا أن تشكّل نظامًا عامًّا شاملا للحياة، أو أنظمة خاصة في الحكم والسياسة والاقتصاد والمال، أو آليات ضابطة حاكمة في هذا كلّه.

2-1- ب- المطروح فهم بشري ابتكاريّ: إن المتداول المطروح هنا وهناك من خلال بعض الإيحاءات والعلامات والإشارات والآيات والأحاديث في السياسة والاقتصاد وسواهما، سواء أسمّيّ نظامًا عامًّا شاملاً أم أنظمة خاصة، أم آليات ضابطة حاكمة في ذلك، لا يعدو كونه ابتكارًا عقليًّا بفهم بشري منسوب إلى السماء تعسّفًا وتضليلاً، ما يسفّه بل يحرّم به كل إبداع عقلي آخر بفهم بشري متصف بالوضعيّة وغير متقيّد بالنقل.

2-1-جـ- استمرار الاستلاب المزدوج: إن واقع حال هذا الاستلاب تخبّط في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ما بطّأ ويبطّئ حركة التقدم، وكفّ ويكفّ النهوض. أما المسؤول “المتّهم فهو  الآخر المتقدم والمتفوق علينا، ولكنه المتآمر علينا أيضًا”!

 2-2-  تحديّات في أسئلة:

2-2-أ- ترى، هل في الإسلام فعلًا ما يحول دون إعمال العقل في غير النقل؟

2-2-ب– هل يغضب السماء إعمال العقل في نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي يستجيب لحاجات الناس وحقوقهم وحريّاتهم، ويعمل على نهوضهم وتقدّمهم؟

  • بشأن الفصل الثالث: في صلاحية الدين لكل زمان ومكان.

3-1 نتائج رئيسة: 3-1- أ- لم يكن بين يدي الرسول نظام سياسي أو اقتصادي ليمارسه ويطبّقه تحت عنوان “الحكم بما أنزله الله إليه”؛ ولم يرقَ ما مارسه وطبّقه في عهده المدني إلى مستوى النظام السياسي أو الاقتصادي الذي يمكن الاحتذاء به لقصر الزمن، وغياب الصيغ والآليات، وعدم توافر الشروط، ونظرًا للظروف والأحوال والملابسات… بيد أنه بلّغ الرسالة وساس الأمّة الناشئة تحت مظلة العقل في غياب التشريع وفي حضوره؛ لقد قاد برشد وريادة وبادر بحساب… ففي هذا الأنموذج النبويّ الفذّ، وبه يحتذى.

3-1-ب- الإسلام وأهله في حياة الرسول غيرهم بعد وفاته، والزمان والمكان وواقع الحال في عهده لم تبق هي هي في العهود التي تلته وتتلوه.

3-1-جـ- أما مقولة “صلاحية الدين لكل زمان ومكان” فقد طرحت ولا تزال تطرح إشكالية أمام الإسلام وأهله: وجهها الأول على أرض الواقع، تناقض حيث تتغير الظروف ويستمر جمود الأحكام؛ ووجهها الثاني هو المفارقة حيث يرى العقل هذه الصلاحية، وهي قيد التطبيق في زمن النبوّة المدني، نسبية تاريخية يحدّها هذا القيد بزمكانه وأحواله ومعطياته وملابساته؛ أما وهي تفارق زمن النبوّة، وتستعلي عليه وتتجاوزه، إلى زمن تالٍ فلا تكون كذلك إلاّ إذا كانت مطلقة. وهكذا ما إن تفارق حتى تعانق عهدًا آخر فيحدّها ويجعلها نسبية تاريخيّة من جديد.

3-2- تحديّات في أسئلة:

3-2- أ- هل القيّمون على أمور أهل الإسلام باسمه في العالم مرتاحون ومطمئنون لواقع حال الإسلام وأهله المزري، وهم يهربون أو يخافون من القول بتاريخيّة الإسلام؟ وهل الهروب أو الخوف هذا يلغي حقيقة ظهور الإسلام في زمان ومكان معينين؟  هل يخفي حقيقة اكتماله في ثلاث وعشرين سنة؟

3-2-ب- هل النبيّ التاريخيّ أو عالم الشهادة أو العهد النبوي، أو النبي نفسه، أو الإنسان العاقل) قادر على استيعاب المطلق اللاتاريخي؟

3-2-جـ- هل يجوز وصف الفهم البشري للإسلام أو لأي شيء آخر، بأنه فهم مطلق؟ ثم أين الشرّ أو الخطر أو الكفر في وصف الإسلام بما هو فيه وعليه في إطار الفهم البشري الذي لا بدّ من أن يكون نسبيًّا وتاريخيًّا؟

  • بشأن الفصل الرابع:

4-1 نتائج رئيسة: 4-1- أ لقد تمّت تكاملية “الثلاثي” (السياسة والدين والعقل) في العهد النبوي المدني، كما تمّ له  الولاء التام، وبدت التكاملية جزئية في عهدي أبي بكر وعمر مع شيء من الصراع المقفل، والمعارضة المكبوتة؛ وصار الأمر إلى صراع مفتوح، ومعارضة سافرة في عهدي عثمان وعليّ.

4-1-ب- أما ما جرى من اغتصاب للخلافة والسّلطة، والاستبداد بهما وبالحكم من قِبل معاوية ومَن تلاه من بني أميّة، ثم مَن تلاهم من بني العباس ومن تبعهم من العثمانيين، فقد أطاح التكاملية وقدّم السياسة على كل شيء فضلاً عن الدّين والعقل؛ أما الدين فقد غطى استتباعه وسفّه إعمال العقل في غير النقل؛ وأما العقل فقد عقله التواطؤ السياسي – الديني عليه في ما كان في غير مصالح طرفي هذا التواطؤ.

4-1-جـ- ان الفهم البشريّ المتعدّد المتنوّع للإسلام قد صادر هويّته، وعدّده ونوّعه، وبدّد قوى وموارد أهله، وشتّت شملهم حيث بقيت الحاجات والحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية معلّقة بظهر الغيب.

4-2- تحدّيات في أسئلة:

4-2- أ- إذا كان واقع حال الإسلام وأهله يبيّن استلابهما منذ اغتصاب الخلافة الإسلامية بالقوة والغلبة من قِبل معاوية بن أبي سفيان على الأقل؛ وإذا كانت السياسة المتغلّبة الاستبدادية الدنيويّة قد تقدّمت على كل شيء فضلاً عن الدين والعقل، قمعًا لهذا واستتباعًا لذاك؛ وإذا تواطأت السياسة الاستبدادية والدين المستتبع على العقل الحر فجعلاه عاقرًا عقيما أو شبه ذلك، فهل يعني ذلك أن مصلحة الأمة ووحدتها وسلمها الأهلي واستقرارها، كامنة في هذا التوجّه درءًا “لشرور الفتنة والظلم والفساد التي تترتّب على المواجهة”؟ لماذا تتلازم الفتنة وغيرها من الشرور المستطيرة مع محاولات إقامة العدل وإرسائه، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، والسعي للنهوض بالأمة من خلال حكم يستجيب لكل هذا؟

4-2-ب- إذا كان الفهم البشري المتعدّد المتنوّع قد صادر هوية الإسلام، وتبدّدت به، وقد تشتت به وتقسًم أهله؛ وإذا كان هذا كله قد جاء ويجيء في سياق استلابي موضوعه وساحته الإنسان المسلم، فردًا وجماعة، وقد زرع فيهما الأميّة والتخلّف والقهر والمرض والفقر والجمود وما إلى ذلك، فهل يعني أنه قدر لا يملك إزاءه هذا الإنسان شيئًا من أمره؟

4-2-جـ– إذا كان كلّ من ” أ , ب” السابقين قدرًا، أفلا يعتبر كلّ ما من شأنه تغيير حاله المزرية والسيئة والظالمة إلى حال تخلو من الإزراء والسوء والظلم، قدرًا أيضًا؟ أفليس دفع أو رفع أو إزالة الاستلاب وآثاره قدرًا أيضًا وأيضًا؟

      وقبل الانتقال إلى المحور الثاني، رأينا أن نستجيب للإلحاح الذي يشعرنا بصورة عن الاستلاب الذي نحن بصدده، على أن نرسمها إغناء:

“نزلت السماء من العلياء إلى الأرض لتعتني بمن عليها، فتماهت في الأرض بفهم بشريّ متعدّد متنوّع، واستعلت به الأرض؛ وبوعي أو بغيره، نسبته إلى السماء التي فقدت هويّتها فيه… فاختلط الأمر والتبس. ومع ذلك، اعتمد صراطًا مستقيما أوحد.. فلا عدل السماء وجد طريقه إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل، ونشر الأمان والسلام والطمأنينة والاستقرار، ولا العقل، نعمة الإنسان على الأرض، وجد طريقه إلى ذلك وقد حال دونه التسفيه والقمع… ويستمر الاستلاب…”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى