مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”10″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” اليوم، نشر محتويات فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
… 2- في الاقتصاد والمال: 2-1- في معنى الاقتصاد والمال: بالرجوع إلى لسان العرب لابن منظور، ومن المعاني التي تعنينا في مادة (ق ص د): “القصد في الشيء: خلاف الإفراط وهو ما بين الإسراف والتقتير”؛ و”القصد في المعيشة: لا إسراف ولا تقتير”؛ ونفهم من عبارات مثل “فلان مقتصد في النفقة وقد اقتصد” ومن الحديث “ما عال مقتصد ولا يعيل” أن الاقتصاد معناه: “الاستقامة والاعتدال والوسط بين طرفي الإسراف والتقتير”. أمّا (المال) في مادّة ( م و ل) في المرجع نفسه فمعناه: ما مُلك من جميع الأشياء”؛ ويقول ابن الأثير: “الأصل في المال، ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل لأنها أكثر أموالهم”؛ و”مال أهل البادية: النَّعَم”.
2-2 – غياب مفهوم العلم عن المعاني: لعلّه من الوضوح بمكان، أن المعاني التي أثبتناها للاقتصاد والمال، ليس فيها أي شيء قد يعتّد به بشأن اعتباره نظامًا اقتصاديًّا أو ماليًّا، أو علمًا فيهما. وهذا ليس غريبًا، لأنه لم يكن الاقتصاد كعلم يعنى بشؤون الحياة الاقتصاديّة التي عصبها المال، معروفًا في عهد النبوّة، ولا حتى في زمن ابن منظور. فالاقتصاد علم حديث يعنى بشكل عام بالحياة الاقتصادية تحليلاً وتعليلاً وتفسيرًا ويهتم بإنتاج السّلع والخدمات، وبتوزيعها واستهلاكها، كما يهتم بأفضل الطرق لاستعمال الموارد وتثميرها، ويجتهد في معالجة ما تتعرّض له الحياة الاقتصادية من أزمات وعثرات ومشكلات تهدّدها، مستعينًا بمنظوره العلمي النظري والتطبيقي؛ علمًا بأن الاقتصاد في هذا ليس واحدًا كالعلوم الطبيعية، بل يتوقّف على ما يذهب إليه مفكرون مختلفون في اتّجاهاتهم في ميادين الاقتصاد والمال؛ لذا نرى أنظمة اقتصادية متعدّدة ومتنوّعة: رأسمالية ولبراليّة وشيوعية واشتراكية وموجّهة ومختلطة… الخ.
2-3- الاقتصاد والمال في القرآن: 2-3-أ- الاقتصاد يغيب كنظام أو كعلم: في سياق الكلام على المنافقين في فُلك في عرض البحر، وقد تهدّدت حياتهم بأمواجه المتلاطمة العنيفة، تضرّعوا إلى الله مخلصين له الدين في ما هم فيه من المأزق الخطير، فاستجاب الله لهم؛ ولما أنقذهم وبلغ بهم برّ الأمان والأمن، فكانوا في ثلاثة مستويات من الصدق والإخلاص: غاب أو لم يكن منهم من يمكن اعتباره في المستوى الأعلى والأكمل والأوفى، وظهر منهم من يعتبر متوسطًا مقبولاً وهو المقتصد، وأشير إلى من أنكر وجحد بنِعم الله وأوامره ونواهيه، واعتبر غدّارًا كافرًا في المستوى الأدنى حيث جاء في الآية: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ (لقمان: 32).
وفي معرض الحديث عن إنزال القرآن إلى عباده تعالى الذين آمنوا برسالة النبيّ محمّد، كانوا أيضًا في ثلاثة مستويات من الالتزام والإيمان والعمل بما أنزله الله لجهة الطاعة والمعصية بشأن الأوامر والنواهي: فكان منهم من غلبت معاصيه وسيئاته على طاعاته وحسناته، وهو ظالم نفسه؛ ومنهم من اعتدل وتوسّط في طاعاته ومعاصيه، وحسناته وسيئاته، وهو المقتصد، ومنهم من تقدّم بالخير لنفسه، فغلبت عليه طاعاته وحسناته على معاصيه وسيئاته، وهو السابق؛ وكل هذا وذاك بمشيئة الله، وهو من أنعم به على عباده. فلنتأمّل في الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (فاطر: 32). وفي آية، يقول الله عن أهل الكتاب لو أنهم عملوا بأحكام التوراة والإنجيل، وبما أنزله الله في القرآن، لأغدق الله عليهم الكثير من ألوان الطعام، ووفرة الأرزاق، ولاستمتعوا بذلك؛ ولكن لم يكن منهم من في المستوى الأعلى لجهة إعلاء هذه الكتب المنزّلة ورفعتها وكمالها وتمامها وإقامتها، بل كان منهم فئة أو جماعة معتدلة متوسطة لم تفرط ولم تفرّط في إيمانها وهي الأمة المقتصدة؛ أمّا من تبقى فساء عمله وقبح وحبط.
فلننظر في هذه الآية:﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 66) وفي قوله تعالى في الآية: ﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ-﴾(لقمان: 19). يعني: اعتدل فيه فلا تسرع كل السرعة ولا تبطئ كل البطء. وفي كلامه تعالى على الذين تقاعسوا وقعدوا عن الجهاد، فلم يذهبوا مع رسول الله بجيش الإسلام لملاقاة الروم في تبوك، يقول الله لو كان في ذلك غنم قريب لا يكلّفهم كثيرًا من المشقة، ولو كانت مسافة السفر متوسطة ليست بطويلة لذهبوا مع الرسول ورافقوه؛ لكنهم آثروا الراحة والقعود عن الجهاد متذّرعين بما لا يقوم لهم بحجة مقنعة، وفقًا لما ورد في الآية: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ﴾ (التوبة: 42). ومعنى (القصد) في الآية التي ستأتي، بيان الطريق المستقيم، طريق الهداية والإيمان، الموصل بسالكه إلى الفوز بنعيم الدنيا والآخرة، خلافًا للطريق الملتوي المودي بسالكه إلى شقائهما: ﴿وعلى اللهِ قَصْدُ السَّبيل ومنها جَائر-﴾ (النحل: 9)…
وهكذا يمكننا أن نرى بوضوح أن فكرة أو مفهوم (الاقتصاد) كما ورد في الآيات الست تباعًا (مقتصد، المقتصد، مقتصدة، اقصد، قاصدًا، قصد) ليس فيه أيّ إشارة إلى أنه علم أو نظام، بل جاء يشغل مستوى الاعتدال والاستقامة والوسط) بين مستويي المواضيع الأعلى والأدنى، التي ورد في سياقها. طبعًا هذا لا يعني أنه ليس في الإسلام ما يشير ويدل إلى الاقتصاد والمال بشكل أو بآخر كالتطرق إلى التجارة، وتحريم الربا والحض على الإنفاق واقتصاد الغنائم والصدقات وما إلى ذلك، كما سنرى.
2-3-ب– تأكيد على العمل الصالح:لقد حضّ الإسلام كثيرًا على العمل الصالح، وقد جاء الكثير الكثير من الآيات مقترنًا بالإيمان، الأمر الذي يعلي من شأنه وقدره وأجره عند الله في الآخرة. ففي خطاب عام، يأمر الله الناس بأن يعملوا دون أن يميز لهم أي عمل أو يصفه لهم؛ ولكن قال إنه سيراه كما سيراه أيضًا رسوله والمؤمنون؛ أما الحكم فيه فلربّ العالمين؛ وقال إنهم عندما يرجعون إليه، عالِم الغيب والشهادة، سيكون عملهم حينئذ قد وضع في ميزان العدل والإنصاف الذي لا يظلم أحدًّا شيئًا من عمله: فإن كان صالحًا حسنًا، اندرج في إطار الخير والحلال في ما أنزله الله، وكان جزاؤه الخير والنعيم في الجنّة، وإن كان طالحًا سيئًا، فجزاؤه الشر والشقاء في الجحيم، مصداقًا للآية: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105) …
وسيكون العمل الصالح المتقن ذا قيمة مميزة وقدر كبير، وأجر لا يضيع عند الله بل سينعم على من قام به، وفقًا لما جاء في الآية:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾(الكهف: 30). ومما أثر عن الرسول في التأكيد على العمل المتقن أنه قال: “إنّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”؛ كما يشير الرسول في من اعتمد على نفسه، فقام بعمل سدّ به حاجاته، وعزّز به كرامته ومكانته في مجتمعه وجماعته متمثلاً بنبيّ الله داود الذي كان يأكل مما تصنعه يداه، حيث قال: “ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده وأن نبيّ الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده”(12). ولقد فتح الله أبواب الجنّة لمن عمل عملاً حسنًا متقنًا خيرًا من ذكر أو أنثى، وهو مصدّق ومخلص في رسالة الإسلام، يدخلونها والله يغدق عليهم الرزق من دون حساب أو انقطاع، وذلك من فضله تعالى، وجزاء العمل الذي كان قد أنجز في طاعة الله ومرضاته، حيث جاء الخبر الصادق في الآية 40 من سورة غافر: ﴿…مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (غافر: 40).
وقد بلغ تقدير العمل الصالح مداه من الرفعة وعلوّ الشأن حيث أنزل الله المؤمنين المنازل الرفيعة والعليا في الجنّة حيث الأنهار والخلود والنعيم للعاملين،تبعًا لقوله تعالى في الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ (العنكبوت: 58) ومما قرأنا عن الرسول في سياق قيمة العمل الصالح وقدره وعلوّ شأنه، أنه قال إنّ الله لا يقيم للناس وزنهم وقيمتهم وقدرهم على ما هم عليه من صور وأموال وممتلكات، بل يرى ذلك في القلوب العامرة والصادقة في الإيمان، وفي الأعمال الصالحة الخيرة والمتقنة، إذ يقول: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”(13).
وهكذا نرى أن العمل، في الحضّ عليه، وتعظيم قدره، وتأكيد قيمته، وعلو أجره، ينتهي في غايته في عالم الغيب في الآخرة؛ وما كان عالم الشهادة بالنسبة إليه سوى الساحة أو الوسيلة التي أنجز بها وفيها… ولكننا لم نرَ أية إشارة إلى دور العمل في عجلة الحياة الاقتصادية في حياة المجتمع حيث يعيش القائم به: مثل علاقته ومكانته في عمليّة الإنتاج، وفي عملية تقويم السّلعة أو الخدمة المنتجتين به، وبالتّالي في قيمة القائم به ومكانته وحقوقه في الحياة الدنيا؛ فكأن عليه أن يكتفي ويرضى بجنّات الخلد في عالم الغيب، ويحرم من التمتع المستحق له بثمرات ابتلائه في عالم الشهادة.
2-3-جـ- الحضّ على إنفاق المال لعظم أجره في الآخرة: إن المال إسلاميًّا، مال الله، والإنسان مستخلف فيه؛ له أن يكتسبه وينفق منه في الحلال، وليس له خلاف هذا؛ كما أن أوجه الإنفاق التي يشجّع ويحضّ الله أصحاب الأموال عليها، والتي يدعوهم إليها كثيرة ومتنوّعة، أما الغاية التي تلتقي عندها هذه الأوجه كلها فهي عظم أجرها الذي يبلغ بهؤلاء الفوز بجنّات نعيم الآخرة. فالله يدعوهم بل يأمرهم بتصديق الله ورسوله والإخلاص لهما، وبالإنفاق مما جعلهم قيّمين عليه، من أرزاق ونعم وأموال، بحدود الحلال والحرام؛ ذلك أن أجرًا كبيرًا سيناله المصدّقون منهم برسالة الإسلام، والمستجيبون لأوامر الله ونواهيه، على نحو ما تقول الآية: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾(الحديد: 7). ويجعل الله من إنفاق المال عن طيب خاطر، ولو على شيء من الحرص عليه، والتمسك به، والمحبة له، في فعل الخير، والعمل الصالح، والإحسان السخي لأجل المحتاجين إليه من الأقارب والمحرومين من الوالدين، والذين لا يملكون شيئًا، والذين سيعملون على تحرير الأرقّاء وإنقاذ الأسرى بما أُحسن به إليهم، يجعل الله من مثل هذا الإنفاق، هذا العطاء الكريم، واحدًا من مكوّنات البرّ والتقوى، بالإضافة إلى مكوّنات أخرى مثل الإيمان المكتمل الشامل، والقيام بالصلاة، وإيتاء الزكاة, والوفاء بالعهود والوعود، والصبر في المحن، والصدق والتقوى في الجهاد؛ ولعلّ الأجر العظيم جزاء لمثل هذا الإحسان تحصيل حاصل أعدّه الله لفاعليه في الآخرة، مصداقًا لقوله تعالى:﴿..وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ..﴾ (البقرة: 177).
أما المؤمن الخاشع الورع التقي الذي اشتد في خشوعه وورعه وتقواه، والذي يؤثر إنفاق ماله بسخاء في سبيل الإحسان، والعمل الصالح، ووجوه الخير، فسيجنّبه الله النار، ليجد نفسه في طريقه إلى الجنّة، وقد أنعم الله بها عليه لأنه لم يقصد بعطائه سوى وجه الله ومرضاته، إذ جاء في الآيتين: ﴿وسيُجنّبها الأتقى. الذي يُؤتي مالَهُ يَتَّزّكَى﴾ (الليل: 17 و18). ووجه آخر، يبدو فيه الإنفاق غير مقيّد بزمان أو مكان، يقوم به أصحاب الأموال بالسّرّ والعلن وكل حين ابتغاء مرضاة الله، وسيكون أجره مشفوعًا باطمئنان المنفقين، وعدم الأسف والندم على أيّ شيء، تبعًا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 274). وفي سياق التأكيد على أهمية وضرورة الإنفاق بالحدود والوجوه التي يرضى بها الله، فإنه تعالى يتوعّد الذين يمتنعون عن الإنفاق في سبيل الله، وعن دفع المستحقّ عليهم من زكاة، وعن البذل في وجوه الخير، ويؤثرون ادّخار المال وتخزينه وتكديسه، على مرضاة الله، يتوعّدهم بعقاب شديد يستحقونه على طمعهم وجشعهم، وفقًا لما جاء في الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: 34).
ويدخل الله إنفاق الأموال في سبيل الله إلى جانب الأنفس في الدفاع والذود عن الإسلام ودياره، وفي محاربة الأعداء، باعتبار ذلك خيرًا للمجاهدين بهما عند الله وأبقى لهم من التقاعس والقعود عن الجهاد، وهم يعلمون ذلك، حيث ورد في الآية: ﴿ وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة : 41). وربما بلغ الحضّ على إنفاق الأموال مداه في وجوه الخير وابتغاء وجه الله ومرضاته حيث جعل الله أجر الخير الذي يؤتيه المنفق من أمواله في سبيل الله مضاعفًا سبعمائة مرة، والله كريم يضاعف لمن يشاء، وهو القادر المقتدر الحكيم، محلّلاً من هذا الربا في الخير والحلال على خلاف تحريمه ربا الأموال في أكلها بالباطل والحرام، مصداقًا لقوله تعالى في الآية:﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: 261)
وهكذا، لعلّنا نلاحظ بوضوح ما يتركه إنفاق المال هذا الذي تعدّدت وجوهه وتنوّعت في فعل الخير ومرضاة الله، والجهاد في سبيله، من آثار طيبة ناتجة عن كثرة السيولة الماليّة بين الناس بالإضافة إلى الفوائد المباشرة التي يحظى بها المحتاجون إليها وهم ليسوا بالقلّة، بيد أننا نلاحظ أيضًا أن السعي للإنفاق والحضّ عليه يصبّان في غايتهما في نعيم الآخرة والفوز بها.
2-3-د- إنفاق مطلوب لمعالجة مشكلات اجتماعية: في القرآن آيات بيّنات تشجّع أصحاب الثروات الطائلة أو الميسورين والقادرين، وتحضّهم على صرف شيء مما يملكون فضلاً عن المفروض عليهم كمكلفين من أجل تخفيف الوطأة التي تثقل كاهل من يعيش ظروفًا قاسية قاهرة يهيمن الاحتياج فيها إلى ما به يتمكّن من الشّعور بإنسانيّته، وحضوره المحترم في المجتمع الذي ينتمي إليه، ومن التخلّص من إحباطه الذي يهين فيه الإنسان، عوزًا وسحقًا وقهرًا وتهميشًا…
ها هي أموال الزكاة، فقد حصر ربّ العالمين الاستفادة منها في فئات ثمانٍ من الناس جمع بينهم العوز والحاجة والظروف الاجتماعية القاسية القاهرة، باستثناء فئة (المؤلّفة قلوبهم) الذين أعطوا لحاجة الإسلام إليهم لمكانتهم الرفيعة والنافذة في قومهم، الأمر الذي يجعله أقوى وأكبر بهم وبأتباعهم؛ كما يمكن استثناء الجباة أيضًا باعتبار ما ينالونه من مال، بدل عمل يقومون به إلى حدٍّ ما؛ أما الفئات الستّ الباقية فمنها ما ينحصر التمايز بينها في سوء الحال والأسوأ، بدءًا بالفقراء والمساكين الذين يختلف المفسّرون في أي مجموعة منهما يكون العوز فيها أشدّ وأوجع وآلم؛ ومرورًا بهؤلاء الذين يسعون لتحرير أرقّاء وإنقاذ أسرى، وتعريجًا على أولئك الذين أثقلت عليهم الديون وأعجزتهم؛ أمّا الذين يجاهدون في سبيل الله، حربًا على الأعداء، وذودًا عن حياض الإسلام، وحماية لحدود الأمة ودورها، فهم، ولعلّنا لا نغالي، في أمسّ الحاجة إلى الأموال لتكلفة الجهاد الباهظة من أموال وأنفس ومن تجهيز وتعبئة وإعداد؛ أمّا أبناء السبيل فهم الذين انقطعت بهم السبل إلى أموالهم في بلادهم، وقد يكون عوزهم مؤقّتًا ومرهونًا بالزمن الذي يستغرقونه للوصول إلى أهلهم وأموالهم وبلدهم. أضف إلى ذلك، أن الله قد جعل الزكاة فريضة منه على المكلفين، وهي بمثابة الواجب على دافعيها، بل حقّ في أموالهم لهؤلاء الذين حصر إنفاقها فيهم ولهم، وأنه تعالى هو العالِم بكل شيء والحكيم في كل شيء ورحمته وسعت كل شيء.
فلنتأمّل في قوله تعالى في الآية: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾(التوبة: 60). وها هم الفقراء المحتاجون يسألون الناس المعونة والحسنة، مقهورين اجتماعيًا، يمدون يدهم للتسوّل، مكسورين في أنفسهم وعزّتهم، وها هم أيضًا المحتاجون الذين لا يسألون الناس تعفّفًا، والذين يعانون الحرمان من الأموال ومتطلبات الحياة الكريمة، والذين شاطروا السائلين في تلقي قهر الظروف الاجتماعية، وفي جهاد أنفسهم التي أجبروها على الصبر المرّ الذي يهدّد بل يشوّه إنسانيّتهم إن لم يسحقها… ولكن الله الرزّاق الكريم لم ينسَ من تعثّرت به الحياة وتعسّرت، من هؤلاء المحرومين وأولئك السائلين من عباده، فقد كتب لهم حقًّا في أموال المتّقين المحسنين من جهة، وفي أموال المؤمنين المصلّين من جهة أخرى حيث ورد هذا الحق تباعًا في الآية: ﴿وفي أموالهم حقٌّ للسائل والمحروم﴾ (الذاريات: 19).
وفي الآيتين ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾(المعارج:24-25). ولعلّنا نُشبع الفقرة إيضاحًا وبيانًا، إذا ما أثبتنا في سياق الأهمية والعناية والقيمة والتعويل المعطى للحسنة والصدقة والإنفاق في وجوه الخير، والذي يلقى كل تشجيع عليه وترغيب فيه في الإسلام، حديثًا للرسول رواه أبو هريرة، مؤداه أن المحسن المتصدّق بالقليل من القليل الذي يملكه هو أسبق بالأجر ممن يتصدّق بمائة ألف ضعف أكثر من ثروته الطائلة التي تعدّ بعشرات أو مئات الملايين من الدراهم، حيث يقول: “سبق درهم مائة ألف درهم” قيل كيف ذلك؟ قال: “رجل له مال كثير، أخذ من عرض ما له مائة ألف درهم فتصدّق بها، ورجل ليس له إلاّ درهمان فأخذ أحدهما فتصدّق به. فهذا تصدّق بنصف ماله“(14).
مما ليس فيه شك أن مثل هذا الإنفاق من الأموال يندرج في نطاق معالجة بعض الأوضاع أو المشكلات الاجتماعية التي تهدد المقهورين فيها، وتنتهك سويّتهم وسوائيتهم في آن معًا؛ ولكن للعاقل أن يتساءل: ألا يجدر بهؤلاء وأولئك من الذين خصّوا بأموال الزكاة والحسنة والمعونة والمساعدة والإحسان، أن يتخلّصوا من شعورهم بالدونية إزاء المحسنين إليهم، ومن شعورهم بأنهم عبء وعالة على الناس وعلى أموالهم، بنوع من العدالة الاجتماعية التي تجعلهم بشكل أو بآخر يشعرون بأنهم شركاء، ولو بأسهم قليلة، في الاستخلاف في أموال الله؟.
2-3-ه- تحليل التجارة وتحريم الرّبا وإباحة الملكيّة: “الأصل في الرّبا الزيادة من ربا المال إذا زاد وارتفع” و”هو في الشرع الزيادة على المال من غير عقد تبايع”(15). ولقد قرأنا كثيرًا من الفتاوى بشأن الرّبا، وقد عرّف بأنّه كل زيادة مشروطة مقدّمًا على رأس المال مقابل الأجل وحده. وهو أخذ مقدار من المال يسمّى فائدة على القروض؛ ولقد ميّز بعضهم الرّبا من الفائدة، ولكن الشائع والسائد إسلاميًا أنهما محرّمان. ولقد أخذ المرابون وصعقوا بتحريم القرآن الرّبا، وأخذوا يتخبطون لا يدرون كيف ينقذون تجميع ثرواتهم وتكديسها على حساب المحتاجين المعوزين الذين يضطرون إلى الاستدانة منهم أموالاً لآجال معلومة بحيث يردونها إليهم رابية وأحيانًا مضاعفة؛ فادّعوا أن البيع لا يختلف عن الرّبا انطلاقًا مما يترتّب على كل منهما من أرباح، علمًا بأن البيع ربحًا وخسارة، وفيه تبادل منافع، بينما لا يوجد في الرّبا سوى الربح للمرابي، وعلى حساب المدين.
وكان الرّد الإلهي عليهم بتحليل البيع والشراء، أو التجارة وبتحريم أي زيادة تلحق أصل رأس المال المقترض مقابل الأجل المضروب لردّه أو لاستحقاقه؛ وعليه، فمن استجاب للنهي عن الرّبا، كان له ما مضى ويرجع أمره إلى الله في الحساب، ومن لم يستجب ويستمر غير منتهٍ، فسيكون من أصحاب النار خالدًا فيها، وفقًا للآية: ﴿…قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة 275). وفي صريح التحريم للرّبا في هذه الآية، يصبح البيع أو التبايع بالعِيْنَة، وهو أن يبيع التاجر سلعة من شخص محتاج إلى المال، بثمن معلوم ولأجل معلوم، ثم يشتري منه هذه السلعة نقدًا بثمن أقل مما باعها منه، يصبح هذا التبايع قبيحًا بل حرامًا لأنه نوع من التحايل والالتفاف على تحريم الرّبا ليس إلاّ.
أضف إلى ذلك، أن الله لا يبارك في الرّبا، بل ينقصه ويذهب ببركته وخيره، ويزيد وينّمي الإحسان لوجه الله حيث يقول في الآية: ﴿يَمحقُ الله الرّبا ويُربي الصّدقات…﴾(البقرة: 276). ثم يدعو المؤمنين حقًّا إلى أن يخافوا الله ويتركوا ما بقي لهم من الرّبا لمدينين إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة 278). ويحذّرهم وينذرهم ويتوعدهم إن لم يستجيبوا، بحرب عليهم منه ومن رسوله؛ أما إذا تابوا، فليقبلوا ويقتنعوا بأموالهم الأصلية دون أي زيادة عليها؛ وبذلك يتحقق العدل للجميع حيث يرفع الظلم عن المدينين، ولا يقع على الدائنين، مصداقًا لقول الله في الآية: ﴿* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة 279).
ويخاطب الله الدائنين أن يمهلوا مدينيهم رحمة بهم إذا كانوا معسرين، إلى أن يتيسروا ويقدروا على الوفاء بديونهم؛ أمّا إذا سمحت أنفس هؤلاء الدائنين فأحسنوا بما لهم وتصدّقوا به، فخير لهم، وأجرهم عند ربهم الذي لا يضيّع أجر المحسنين، حيث تقول الآية:﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ (البقرة: 280). وفي سياق هذه الآية، يندرج معنى حديث رسول الله الذي مؤداه أن من يمهل ذا عسرة أو يسامحه بما له عنده، كان في رعاية الله وكنفه إذ يقول: “من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظلّه الله في ظلّه”.
ولعلّه من الوضوح بمكان، أن التجارة، بيعًا وشراء، حلال، وتأتي بالكثير من الأرباح، وإن احتملت الخسارة، فأرباحها حلال شرط أن تبقى بحدود الله لا يشوبها حرام أو معصية من كذب أو غبن أو تدليس أو ربا أو غش أو نصب أو احتيال (بالمعنى السلبي) أو احتكار. لذلك، فقد حضّ الرسول التّجار على الخوف من الله، وعلى الإحسان والتقوى والإخلاص في أعمالهم التجارية، وفي الوقت نفسه قد حذّرهم من الآفات والمعاصي التي قد تشوبها، وإلاّ فإنهم سيبعثون متلبسين فيها يوم الحساب.
أما الملكيّة فقد أباحها الإسلام، خاصة وعامّة، فردية وجماعية دون أن يكون لهذه وتلك حد أقصى، إنما ذلك باعتبار أن الملك لله في الأرض وفي السماوات، وأن الإنسان مستخلف فيه، ومالك أو ممتلك مجاز، سواء في امتلاك الأموال والأرض أم في سواها، مصداقًا لما جاء في الآية: ﴿لِله مُلْكُ السَمَاوَاتِ والأَرْضِ وما فيهما-﴾ (المائدة: 120). وفي الآية: ﴿..وأنفِقوا ممَّا جَعَلَكُم مُسْتَخلَفين فيه-﴾ الحديد: 7). ولعلّ الملكية أكثر ما تبدو مباحة للإنسان وإن كانت من خلق الله، في الآية: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ (البقرة: 29). والملكية في الإسلام، وإن جاءت من دون حدود، فهي مقيّدة في تنميتها وحركتها في عملية الاقتصاد، بيعًا وشراءً واستثمارًا وما إلى هذا، لما شرّعه الإسلام من حلال وحرام. فلا يجوز مثلاً أن يفضي التصرّف بالملكية إلى الإضرار بالآخرين عملاً بالحديث “لا ضرر ولا ضرار”، ولا تحلّل الأرباح الناتجة عن الغش والاحتكار باعتبار “من غشّنا ليس منّا”، و”من احتكر فهو خاطئ” أو لا يحتكر إلاّ خاطئ”(16)، ولا يصح أن ننمي أموالنا من طريق الربا لتحريمه، أو من طريق القمار والخمر لأنهما من صنع الشيطان الذي يغوي بهما ويفسد، ولأنهما مما يجب تركه استجابة لأمر الله، فضلاً عن تحمّل وزره في الآخرة، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾(المائدة: 90).
وهكذا وإسلاميًّا، نرى أن التجارة قد أُحلّت، والرّبا قد حُرّم، والملكيّة قد أُبيحت. أما الناس فليسوا كلهم شركاء في الاستخلاف، فضلاً عن أنهم غير متساوين فيه. فالكثيرون منهم عاجزون عن امتلاك أي شيء من المباح، وأي شيء مما يتّجر به. وهم أنفسهم مغتبطون لتحريم الربا، ولكنهم مغتمون مقهورون لندرة الإقراض الحسن. وهم هم عينهم يتفنّنون بل يجتهدون بصيغ التضّرع والدعاء الى الله، لعلّه يحنّن عليهم قلوب الكبار والصغار من المستخلفين في مال الله وملكه على الأرض، فيجعلهم يأتون بالمزيد من التصدّق والإحسان والزكاة… ولكن، ومع ذلك، يظلّ الحرمان مستوليًا على أكثر حاجاتهم وحقوقهم الأساسية كبشر، وطاردًا إياهم من دائرة الاستخلاف، وداعيًا إياهم إلى الصبر ومجاهدة النفس استيعابًا لما هم فيه من ابتلاء الله.
2-4- اعتبارات يتيحها العرض للاقتصاد والمال في الإسلام: إن عرضنا للاقتصاد والمال في الإسلام يتيح لنا الكثير من الدروس والعبر التي يمكن أن نفيد منها في حاضرنا والمستقبل. إننا نقف عند ثلاثة اعتبارات منها هي:
2-4-أ- غاية النشاط الاقتصادي تنتهي في الآخرة: إن التشجيع على العمل الصالح، والترغيب فيه والحرص عليه متقنًا لأهميته وقيمته، وإنّ الحضّ على إنفاق المال في سبيل الله، وجعل أجره يكبر ويعظم بقدر ما يصرف منه في وجوه الخير ومرضاة لله، هذا الإنفاق وذلك العمل المنتج الصالح يتّمان وينتهيان في غايتهما في الآخرة، في العالم الآخر، لأنّهما، دينيًّا، عن الله يصدران، وإليه يرجعان. بينما النشاط الاقتصادي والمالي في أي نظام وضعيّ، أيًّا كان نوعه، فغايته سدّ حاجات الإنسان، فردًا وجماعة، في الحياة الدنيا.
ولعلّ الفارق كبير وكبير جدًّا في مدى انعكاس تحقيق الإنسان غاياته المباشرة وغير المباشرة المندرجة في نطاق حياته المعاشة والمنظورة له، على فاعليته حيث يزيد دافعيتها، ما يفضي إلى شحنها وتعبئتها بطاقة متجدّدة… ويزيد الإنتاج، ويتحسّن الوضع، ويعلو الشأن، ويبقى التطلّع إلى الأفضل، ما يساعد على توافر سبل الإبداع في ميدان العمل والنشاط في الحياة الدنيا؛ أما القيام بالعمل وتحقيق الإنجازات من خلال النشاط والسعي تحقيقًا لغايات غير مباشرة وغير معاشة في الحياة الدنيا، فلن يكون لهذا المنحى تلك الدافعية وذاك الشحن للطاقة حيث يشغل الساحة التوكّل على الله والقناعة والرضا بأن الأمور كلّها بيد الله، والله وما يشاء. فلا يرى الإنسان، والحال هذه، حاجة إلى المزيد من الجهد والسعي، فضلاً عن أن عوامل الإبداع لديه تنتظر القضاء والقدر.
2-4-ب– الزكاة والإحسان لا يرفعان الاستلاب عمّن خصّصا له:إن إبعاد شبح الجوع عن المعوزين المحتاجين الفقراء والمساكين والمحرومين من طريق الزكاة والإحسان والمعونة والهبة والعطاء من الميسورين والأغنياء يجعل هؤلاء السادة ذوي يد عليا تعطي وتترّفع وتسود، وأولئك المغلوب على أمرهم ذوي يد سفلى تأخذ وتضّع وتخضع؛ ومع الاستمرار بشعورهم بالدونية والتبعيّة، يصحبون مستلبين في معظم عزّة النفس في سويتهم، وفي أغلب الحريّة في سوائيتهم إزاء الآخرين الذين خصّهم الله بالاستخلاف في الرزق والمال والسلطان دونهم. أضف إلى ذلك، أن تحريم الرّبا وتحليل التجارة وإباحة الملكيّة هي تدابير ومنطلقات رائعة، ولكنها لم تفض إلى معالجة سوء أحوال الذين ليس لديهم ما يمتلكونه ولا ما يتّجرون به أيضًا، الذين يضطرون إلى الاستدانة وبفوائد معيّنة تثقل عليهم، وتحت تسميات لا تغنيهم عن ذلك ولا تقلل من أعبائهم؛ وإن قُدّر لبعضهم قرض حسن، فهو يشعره بالدونيّة وبواجب التضرّع والامتنان لغير ربّ العالمين.
2-4-جـ– نظام مسلمين وليس نظامًا إسلاميًّا: علميًّا، ليس في الإسلام، قرآنًا وسنّة، نظام اقتصادي ماليّ يعنى بالحياة الاقتصادية، إنتاجًا للسلع والخدمات، وتوزيعًا للثروات بالإضافة إلى الاستهلاك؛ ليس فيه نظرية أو منظور علمي يحلّل ويعلّل ويعالج مسائلها الكبرى وما قد يعترضها من عثرات ومشكلات وأزمات. ولكن، يمكن الحديث عن نظام أو أنظمة في الاقتصاد والمال وضعها ويضعها مسلمون، أو جاءت وتجيء من وجهات نظر فقهاء أو مفكرين أو علماء يدينون بالإسلام.
أما أن نبدع نظامًا بالرجوع إلى فهمنا واجتهادنا وتأويلنا نحن البشر، ثم ندّعي تأسيسه على القرآن والسّنّة، وهو في الحقيقة من عنديّاتنا وخبراتنا ومعارفنا القديمة والحديثة في الشؤون الاقتصادية والماليّة عبر التجربة الإنسانية، ومن ثمّ ننسبه إلى الإسلام لمجرّد أنّنا مسلمون أو أننا ندين به، أو لأنّنا متحمّسون للدّين إلهيّ المرجع والمصدر، ونعتبره لذلك صالحًا لكل زمان ومكان، لأنه من شرع الله وسنّة نبيّه، فإن هذا تعسّف وافتراء وادّعاء وتزوير نسقطه على الإسلام حتى نستقوي به على ما أبدعه غير المسلمين في شؤون الاقتصاد والمال، فنرفضه، ونتّهم مبدعيه بالتآمر على الإسلام والمسلمين لنبرر بذلك ضعفنا وتأخّرنا (حتى لا نقول تخلّفنا) عن مواكبة التطورات والتحوّلات التي تستدعيها التغيّرات والمستجدات في الحياة الاقتصادية والمالية ذات الأثر في مجمل حياة البشر… ونقعد عن الجهاد والنضال لأن تدخّل غير المسلمين وتآمرهم علينا جعلانا عاجزين عن الفعل، وضحايا للقهر والظلم والعدوان، فنلوذ، كما هو ديدننا، باللّعن والدّعاء شاعرين بالذّنب، ومتهمين أنفسنا بأننا استسلمنا لانحرافنا عن الإسلام، وضللنا الصراط المستقيم…
ونهدأ ونستكين ونصبر على قدر الله وقضائه إلى أن يأتينا الفرج من لدّنه تعالى، داحرًا المستكبرين المتجبّرين الظالمين المعتدين، وواضعًا إيانا على سكة الصراط المستقيم بحيث تكون عيوننا ناظرة إلى الآخرة دون الدنيا الزائلة… أجل، إن مع توقّف الوحي وانقطاعه بوفاة الرسول، يتوقّف وينقطع الحق الحصريّ للرسول في الحديث باسم الإسلام وتمثيله؛ وبذلك أصبح ويصبح القرآن والسّنة اللذان قام ويقوم الإسلام بهما تابعين، في واقع الحال، لوجهات نظر الفقهاء والعلماء والمجتهدين والمؤوّلين والأئمة والأولياء والصالحين(…) وما أكثر هؤلاء وأولئك! بل ما أكثر وجهات نظرهم!
وننهي الفصل بالدعوى إلى تلقّف الإيحاءات الدينيّة، وإعمال العقل فيها باستخدام معارف العصر وخبراته من أجل ابتكار ما به نعالج شؤوننا، لأننا نستحق التقدّم والعيش الكريم وقد تحرّرنا من أشكال الاستغلال والاستلاب والاستبداد التي لا يقرّها الإسلام في الجوهر.
الحواشي:
- في الفصل التّالي: “الأنموذج السياسي للعهد النبويّ”.
- لسان العرب لابن منظور.
- المرجع نفسه.
- رواه أبو داود.
- أخرجه مسلم.
- الشورى: من (شور) معانٍ عدة ليست في ما نقصد إليه.
- السيرة النبوية، لابن هشام، الجزء الثاني، ص 85.
- رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، المجلّد الأول، صفحة 541.
- أخرجه البخاري.
- رواية أبي هريرة وإخراج مسلم.
- أخرجه البخاري.
- رواه مسلم.
- رواه ابو هريرة.
- لسان العرب لابن منظور.
- صحيح مسلم.



