مقالات

مكيافيلي ورؤيته للإنسان والدولة

محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”..

“ذكرى ميلاد مكيافيلي”.. الحاضر الدائم!”

“.. الإنسانية العظيمة ليس لها ظل على ترابها.. لا مصباحَ في طريقها.. لا زجاجَ في نافذتها..

لكن الإنسانية العظيمة لديها أمل..”.. ناظم حكمت.

… “ألدين ضرورة”.. ألدين السياسي.. ولكن، ليس لخدمة الفضيلة.. بل، لخدمة الحاكم أو الحكومة في السيطرة على الناس. حيث أثبتت الأحداث والأيام كما يقول “نبي” فلسفة السياسة الحديثة نيكولو دي برناردو دي مكيافيلّي أن الانبياء المسلحين انتصروا، بينما فشل الأنبياء غير المسلحين! في الأمور الوجودية والمفصلية والمصيرية ينبغي النظر والتطلع إلى الغاية والغابة وليس إلى مدرسة الأخلاق الحميدة.. والوسيلة!

في ذكرى ميلاد “رسول” الحاكم بأمر إله السياسة نستعرض الرسالة التي بعثها مكيافيلي إلى صديقه فيتوري بعد أن انقلب طالعه ونُفي عن مدينته فلورنسا حينما تولى آل ميديتشي الحكم. “ما زلت أعيش في الريف منذ خروجي من المنفى، أستيقظ مبكرًا عند الفجر وأمضي إلى الغابة الصغيرة لأرى ما قام به الحطابون من عمل، وبعد أن أتبادل الأقاويل والشائعات مع الحطابين أمضي وحيدًا إلى أحد التلال حيث أقرأ لدانتي أو شيراك أو تبيولوس أو أوفيد، وبعد أن أتناول غداءً بسيطًا أمضي إلى الحانة حيث أتحدث إلى الطحان وصاحب الحانة والقصاب وبعض عمال البناء وأقضي معهم طيلة الوقت بعد الظهر في لعب الورق والنرد حيث نتقاتل على النقود.

وعندما يحل المساء أعود إلى البيت وأدخل المكتبة بعد أن أنزع عني ملابسي الريفية التي غطّاها الوحل ثم أرتدي ملابس البلاط والتشريعات وأبدو في صورة أنيقة فأدخل المكتبة لأكون في صحبة هؤلاء الرجال الذين يملأون كتبها فيقابلونني بالترحاب وأتغذى على الغذاء الفكري الذي هو في الحقيقة ما أعيش عليه والذي جعل مني الإنسان الذي هو أنا. وفي وسعي أن أتحدث إليهم وأن أوجه إليهم الأسئلة عن أسباب أعمالهم فيتلطفون على بالإجابة. إنني لم أعد أخشى الموت أو العوز وقد تمكنت بالملاحظات التي دوّنتها من أن أضع كتابًا صغيرًا أسميته (الأمير)”.

الغاية تبرر الوسيلة… تلك هي الحكمة  “السياسية” الخالدة التي نحتها الفيلسوف “نيكولا مكيافيلي” وصدرها لنا عبر التاريخ منذ خمسمائة عام في كتابه الأشهر “الأمير” موجها نصائحه لحاكم مقاطعه في إيطاليا يدعى لورنزو دي مديتشي… ليظل كتاب الأمير مرجعًا هامًا في فنون الإدارة السياسية والاقتصادية أيضا، وتظل ظلاله تخيم على الأحداث الماضية والمعاصرة… وهو ما يدفعني في هذه المرحلة من عالم الغاية تبرر الوسيلة التي نعيشها بامتياز وجودي على قاعدة “نكون أو لا نكون” ألى تلخيص “أمير” ميكافيلي الذي قد يفسر بعضا من أخبار الماضي المتراكمة وبعضا آخر من تفاعلات الحاضر الغامضة…

وكان المعروف والشائع عن مكيافيلي نفسه أن سمعته موضع الطعن والشُبهات لا سيما وقد غدت المكيافيلية نعتًا يجمع من المعاني ما تحمله كلمة الشيطان “مفيستوفاليس” في رواية “فاوست” المشهورة، وقد كتب ماكولي الكاتب الإنجليزي المشهور مقالًا ضمنه فكرة تقول إن الشيطان قد أُسمي ب” نيك العجوز” لأن نيكولو هو الاسم الأول لمكيافيلي.. ولا ريب في أن شكسبير في روايته “زوجات وندسور المرحات” عندما أطلق على لسان أحد شخصياته قوله: “أأنا مخادع؟ أأنا مكيافيلي؟!” لم يكن يضفي مديحًا على نيكولو.. المكيافيللية التي أدت لأن يلحق الكسوف والخزي باسم مكيافيلي وكتابه الأمير. في حين أصبح كتاب السياسة والسياسيين المقدس!

لم يكن مكيافيلي يهتم بتثقيف المواطنين؛ وليست الدولة في رأيه آداة للوصول إلى حياة طيبة، وإنما هي قوة فعالة بل وحدة ديناميكية مفتونة. ويرى البعض أن مكيافيلي كان أقرب إلى الطريقة العلميّة من أرسطو أو غيره من سابقيه؛ وعندما يتحدث أرسطو عن خير السبل للمحافظة على نظام الدولة يقول: “خير ما يصون هذا النظام هو تعليم المواطنين على روحيّة الدولة؛ إذ دون هذا التعليم تغدو أحسن القوانين وأكثرها حكمة غير مجدية”. لكن مكيافيلي أحدث انقلابًا على هذه التقاليد المتوارثة؛ إذ تؤلف الدولة في عقل مكيافيلي حقيقةً نظريةً مجردة ًبل مبدأًً ثابتًا يمثل حقيقة العلم بالأمارات والجمهوريّات! وفي هذا الكثير من الحقيقة الواقعية في الواقعية السياسية.

أمير الغاية تبرر الوسيلة الذي يقول علّم شعبك معنى روح الدولة “فقط” حتى تصبح أحسن القوانين ذات منفعة وحكمة والمحافظة على الدول والأحزاب والمنظمات والتيارات السياسية بالكلام المفيد والكثير من الافعال.. حيث ان الضمان الأساسي كما يؤكد فيلسوف فن الممكن لكي يكون الحكم ناجحا هو القانون وقوة تنفيذه.. وتذكر أن القوة تجعل القوانين أكثر قوة.. والقوه تأتي اما بالحيلة السياسية أو القوة العسكرية… وهيبة القوة أفضل من القوة نفسها، هذا مع العلم إن احترام الأخلاق ضروري طالما لا تعرقل الأهداف السياسية والاقتصادية ولا مانع من استخدام الاستبداد والديكتاتورية لفرض الاستقرار في بعض المراحل المصيرية..

ووفقًا للمَكيافيليّة فإن الغايات تبرر دائمًا الوسائل مهما كانت هذه الوسائل قاسيّةً أو وحشيّةً أو غير أخلاقيّة. لقد فرّق مَكيافيلي تمام التفريق بين السياسة والشئون الأخلاقيّة وأكّد عدم وجود رابط بيّنهما، وهنا نجد أنفسنا قد خضنا في سلسلة من التناقضات السيكولوجيّة والتي وصل إليها مكيافيلي عن طريق إحساسه الواقعي الشديد. كتب مكيافيللي بخطوط عريضة الصفات التي أعتقد أنها تجعل الإنسان قائدًا فعالًا وتُعزز من القوة والنفوذ، وعلى عكس الأُمراء النبلاء الذين يتم تصويرهم في الحكايات الخرافيّة على أنهم متواضعون ونزيهون وأخلاقيّون فإن الحاكم الناجح القوي هو وحشي وبربري وعند الضرورة لا أخلاقي إطلاقًا.

كما ان الأمير لا يحتاج أبدا للأسباب لكي يتراجع عن وعوده. بشرط، ان من يريد أن يطاع عليه أن يعرف كيف يأمر أولًا… وقمة الخداع في مكيافللية الخداع أن تخادع المخادع.. في حين تنازل واحدٍ يفتح المجال لتنازلات آخرى.. وأول طريقة لتقييم ذكاء الأمير هو أن تنظر من حوله من حاشية ومستشارين ومساعدين.. وحيث تكون العزيمة عظيمة لا تكون المصاعب عظيمة… ولا تهتم كثيرًا بالأمر الواقع بقدر اهتمامك بتغييره.. ويوجد هناك ثلاثة أنواع من الذكاء في قاموس المكيافيللية … الممتاز الذي يفهم الأمور بنفسه، والجيد الذي يفهم الأمور من الآخرين وعديم الفائدة الذي لا يفهم بنفسه ولا من الآخرين..

والحرية هي الخروج على سلطة الماضي المؤلم وتجاوز النصوص المحفورة من المهد إلى اللحد.. ولكي ندخل إلى المستقبل لابد من أن تنتقل الديموقراطية من خانة الثرثرة إلى خانة الحقيقة والواقعية.. وكلمـــا نزل الرمل من ساعة حياتنا الرملية نستطيع أن نرى من خلالها أكثر.. وإن لم تكن صديقا فليس من الضروري أن تكون خصمًا، ولا تخسر من يكرهك وأجعله يندم على خسارتك. ومن لا يعرف منافسه الحقيقي لا يعرف نفسه بصورة صحيحة. حيث إن الجمهور يا “سمو الامير” يحتاج دائمًا إلى من يهتف له ويتلهف عليه.. وإذا لم تكن بطل الصورة فحاول قدر الإمكان ألا تغيب عن الصورة كثيرًا!

احتفظ هتلر بنسخة من الأمير في سريره ليقرأ منه كل ليلة قبل أن ينام، ومن المعروف أن ستالين قد قرأ الكتاب أيضًا. ووصف موسوليني الأمير بأنه “المرشد الأعلى للدولة”. كما تم العثور على نسخة منه لدى نابليون في ووترلو وقد أطلق على الكتاب اسم “كتاب المافيا”.. وسلطة العصابات.

عندما يأوي طغاة واباطرة وقياصرة وسلاطين وملوك ورؤساء وأمراء السياسة في هذا العالم إلى فراشهم وأسرتهم الوثيرة الحريرية الناعمة.. يحرصون على وجود كتاب أمير “الوصايا” الميكافيللية تحت وسائدهم الكبيرة والمحشوة بالظلم والخطايا.. ينامون على وسائد مكيافيللية كي يتقربوا وينالوا عفو وتسامح ورضى وغفران “إله الكفر” ووسخ السياسة.. حيث للكفر إله يتعاطى السياسة! إله نرجسي، لا يبتسم إلا لنفسه في المرايا.. إله رأس المال الذي لا يشبع من الضحايا والخوات والعطايا.. إله رأس المال المالي.. والصناعات الحديثة.. والحروب والملاحم.. إله عصر الآلة.. والكفر السياسي.. والذنوب.. والخطايا.. إله الموت وبقايا الرماد!

قبل موتها في عمر العشرين من مرض عُضال.. كتبت أليسيا غاليان في مفكرتها السوداء: “العالم رائع ومليء بالمرارة/ كل منفى يأتي من الأرض ويتبعثر زبداً/ كل إغراء يفلح ويؤول إلى اتحاد… عروق ذكرياتي مفتوحة/ لكن اللون الأحمر يناسبها جيداً/ (…) عيون ذكرياتي مفتوحة/ لكن الحداد يناسبها جيداً/ (…) جنبني رائحة الوقت/ أخشى ألا أجري بسرعة كافية للعودة إلى الماضي/ أخشى أن أموت عند أقدام الشمس/ مثل ظلّ وجد نفسه في النهاية!”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى