مقالات

من جورج زريق الى عبد الرحمن مبسوط مروراً بسفاح نيوزيلاندا

                                               كتب عمر سعيد

خاص “المدارنت”في ٨ فبراير/شباط ٢٠١٩، وخلال اليوم الدراسي، أقدم جورج زريق على إحراق نفسه أمام مبنى مدرسة، احتجاجاً على حرمان ابنائه من التعليم، بعد عجزه عن تسديد تكاليف اقساط العام الدراسي.

في ٤ جون/حزيران ٢٠١٩، وعشية عيد الفطر السعيد، وبعد انقضاء شهر الصوم الإسلامي، أقدم عبد الرحمن مبسوط على قتل أربعة من عناصر الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وجرح آخرين، ثم قتل نفسه، من دون أن نقف على أقل من ملامح عمل إرهابي بحت .

البعض يعلل دوافع المبسوط العميقة، لما يحصل من ظلم وفقر وحرمان.. ومصادر رسمية تقول إن دوافع عمله تعود إلى خلل نفسي، وبين فعليّ القتل عند زريق ومبسوط، كثير من الإشارات والدلالات، التي تشير إلى أن الظلم والفقر والحرمان مجرّد قاسم مشترك هزيل وسطحي بين الفاعلين، لأن جورج زريق عبّر عن عجزه في مجابهة الظلم، ليعبّر بالمقابل عبد الرحمن مبسوط، عن أن هناك أيديولوجيا تتحرك بشكل منظم، مستغلة ظروفه ومن مثله من ضعاف النفوس، لتحويلهم إلى أدوات قتل وتدمير في المجتمعات.

فالأول، أي زريق، أشعل النار في جسده، لينير الظلام الذي يخافه، إذا ما اكتنف مستقبل أولاده.. فيما قتل المبسوط الأبرياء، ليطفىء أنوار العيد بالظلام ،الذي يسعى من خلال إحلاله إلى تدمير قيم المحبة والسلام بكاملها في مدينته والأرض، فصرخة العجز في ضعف الأولـ ليس كفتكة الافتراس في دموية الثاني، لقد انتقم كل منهما من أبرياء، لا ذنب لهم فيما يحصل، فانتقم جورج زريق من أبنائه وأمه بالاعتداء على نفسه، وحرم أسرته من الاب والزوج، وروّعها بفقد الأمان والحب، إلا أنه ضمن لابنائه تعاطف الناس معهم، وانتقم المبسوط من مدينته وبلده، بالاعتداء على أبرياء من أفراد الجيش والدرك، وحرم أهلهم وأسرهم منهم، بالإضافة إلى انتقامه من أبنائه وزوجته بالاعتداء على نفسه، وحرم لبنان الأمان والحب في العيد، وضمن لأبنائه نفور الناس منهم، وإن كنت لا أزر وازرة وزر أخرى.


لذلك.. علينا أن نميّز بين من يصرخ في وجه الظلم، وبين من يسقط الظلم على الأبرياء والمسالمين، لأن دوافع المظلوم يمكن إزالتها، بمجرد ازالة المشكلة الأصل، بينما دوافع الظالم لا يمكن إزالتها، لان مشكلته تكمن في فهمه للحياة والإنسان والكون، من خلال الأيديولوجيا التي يؤمن بها، ويسعى إلى إزالة كل من يعترض طريق تطبيقها،
لذلك، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية أمر مطلوب لحماية المجتمع، وتحقيق امنه وسلامه، ولكنها ليست الحلّ لمواجهة الأيديولوجيا المتطرفة.

وعلى الرغم من أن نيوزيلندا لا تعاني من غياب العدالة الاجتماعية، ولا من سيادة الظلم والفقر والفساد فيها، إلاّ أن سفاحاً مؤدلجا هناك، أقدم على فعلته بدوافع الحقد والكراهية ضدّ المسلمين فيها، وخلّف ما خلّف من جرائم، روّعت الاأبرياء في كل الأرض. 

إذاً، لا فرق بين سفاح هنا وآخر هناك، مهما كانت المسافة تباعد أو تقارب ببن ديانتنا وديانة السفاح الشخصية، فالقتل فعل مُدان مهما طالت قائمة تبريراته، وما من حلّ جذري لمشكلة التطرّف، بغير تشريع قوانين تجرّم حاملي الفكر المتطرّف، بتهم تهديد امن الأفراد والمجتمعات، مع سبق الإصرار والترصد.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى