مقالات

ناصر العزة والكرامة..

 د. عبد الناصر سكرية/ لبنان
خاص “المدارنت”..
شكل جمال عبد الناصر بما له من مميزات بشرية وإنسانية فذة، ظاهرة فريدة في تاريخ العرب الحديث.. كانت تجربته بكل ما فيها من إيجابيات، وما إعتراها من ثغرات ونواقص وسلبيات؛ غنية جدا بالدروس والعبر كما بالإنجازات على كل صعيد، على الرغم من زمانها القصير جدا في عمر السياسة والبناء؛ وعلى الرغم مما واجهته من تحديات ومخاطر وعدوان من اكثر من طرف محلي وإقليمي ودولي..
بالقياس إلى الإمكانيات التي كانت متاحة، والى المخاطر والمعارك وبالقياس إلى متطلبات البناء الشامل في كل الميادين؛ فإن ما أنجزته تجربة عبد الناصر كان عظيما لا تشابهه أي تجربة تحررية إنسانية أخرى.. في ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر وجب الوقوف عند الرجل والإنسان والقائد..
لم يعرف تاريخ البشرية الحديث زعيما سياسيا، بمثل نظافة وإستقامة وأمانة وصدق جمال عبد الناصر. كان مدرسة بل نموذجا مثاليا فريدا، في الإبتعاد عن أي مغريات يحملها المنصب والتوهج السياسي والجماهيري والإعلامي، كما في العصامية النادرة، وعدم إستخدام هذا كله في تحقيق أي مكاسب شخصية أو عائلية من أي نوع، مهما صغرت أو قل شأنها.. ربما لم يعرف تاريخ البشر منذ ستة قرون على الأقل، زعيما بهذه الصفات الشريفة العفيفة المتعففة عن أي مطمح شخصي..
لهذه الخاصة الفريدة أهمية بالغة في الأزمنة الراهنة، والعالم يشهد فساد السلاطين من كل نوع، وإستغلالهم البشع الأناني للمنصب والسلطة والنفوذ.. ليس في بلادنا فقط، ولكن في كل دول العالم، بما فيه الغرب المتقدم الديموقراطي ذاته…
هذا جمال، مثال في الإستقامة والأمانة والصدق والإخلاص، وهو في منصب الرئاسة، وفي موقع الزعامة وليس إنسانا من العامة..
وعلى الرغم من هذا وذاك، نجدنا نحتاج حديثا منا إليه، أكثر مما هو حديث عنه.. نحن من يحتاج مثل هذا الحديث معه وإليه، علّنا نفيد بلادنا في خوض معارك الدفاع عن وجودها، بما يليق بها، وبما يرتفع إلى مستوى الأمانة وحجم العدوان وضراوته..
نحن من يحتاج الحديث عن قائد استثنائي عظيم مثل جمال عبد الناصر.. مقارنة بسيطة هادئة لحالنا اليوم، بحالنا أيامه.. تكفي لصياغة الكثير عن الفارق بين حياة العزة والكرامة؛ موجباتها ومتطلباتها، وبين حياة الذل والخنوع؛ أعراضها ومسبباتها؛ كما نعيشها اليوم..
مقارنة تحمل من الأسى، ما ينبغي أن يدفعنا دفعا قويا الى الدخول في ميادين الصراع، مقاتلين مدافعين عن أمتنا ووجودها المهدد.. فلا نكتفي بالملاحظة أو التحسر أو البكاء أو حتى الإكتفاء بالتوصيف، من دون الفعل.. تلك مقارنة تدفعنا لنكون فاعلين، وليس مجرد أرقام مبعثرة..
مقارنة تكفي لصياغة رؤية متجددة متكاملة، ترسم طريقا واضحا للتحرر والتقدم والقوة العربية.. وإطلاق حركة تثوير وتنوير وإستنهاض الطاقات العربية الإيجابية،الراكدة او المعطلة أو التائهة والمعتكفة..
بعد كل تلك الانتكاسات والمتغيرات التى عاشتها أمتنا بعد عصر جمال عبد الناصر، وعلى ضوء الدروس المستفادة منها ومنه؛ يلزم تكرار الحديث عن الوفاء للرجل والوفاء للشعب والأمة والوطن.. الوفاء للوطن مقدم عن الوفاء لأي إنسان.. وهل يكون الوفاء لجمال في ذكرى مولده وفي كل يوم وذكرى، إلا بإلتزام أمانته الصارمة، تمسكا بالولاء للأمة والإنتماء إلى الأرض والشعب؛ إلتزاما منا بما تقتضيه مسؤولية ذلك الولاء وحده، من دون ركون إلى أي مصالح فردية أو فئوية أو الإرتهان لأي مشاريع ليست من الأمة وإليها..؟
ومع هذا كله وفوقه وقبله، لا أجدني – شخصيا – أحتاج حديثا عن جمال عبد الناصر في ذكرى مولده.. لأنه يولد في قلبي وفكري وعقلي كل يوم.. يولد ويتجدد ويجدد فيً الأمل والأرادة..
فقد ولدت فيه وأحيا به؛ وعلى وهج عظمته وكبريائه، أشعل مصابيح مضيئة استهدي بها لتلمس خطواتي، في هذا الزمن الصهيوني القذر الملعون، فأبقى عربيا حرا شريفا، عاملا في سبيل أمتي العربية التي اعتز بها وبإنتمائي إليها، هذه الأمة التي أفنى جمال عبد الناصر حياته في سبيل عزتها وقوتها..
وعلى هدي جمال، لن أكون إلا عربيا حرا مؤمنا؛ أفخر بإنتمائي إلى ناسها بكل ما فيهم من بؤس وفقر ونزوح وتشرد وكبرياء؛ وبكل ما يعانونه من قهر وظلم وتسلط وإستبداد؛ وما يحملونه من إرادة الحياة والتجدد والبقاء..
عسى أن يتحرر المخلصون من الضعف والخوف والتشتت، فيرتفعون إلى مراتب الوفاء على اقل تقدير؛ الوفاء الواجب للرجل، والوفاء الأوجب للأمة والشعب والوطن..
======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

  1. سلم قلمك د. عبد الناصر سكرية ، وكما قال د. عصمت سيف الدولة ” أنه ما كان لأحد أن يلمس شعرة في رأس إنسان عربي ولو في الربع الخراب دون أن يحسب حساباً لرد فعل جمال عبد الناصر على ذلك .
    حفظ كرامة العرب وبنى شخصية للأمة في العصر الحديث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى