نحنُ والعُنصرِيَّة..

خاص “المدارنت”…
لو عاد كلٌّ منّا بذاكرتِهِ الى أيّام الطفولة، و استعرض الأحداث و الوقائع المحلِّيّة في قريته و حَيِّه و حارته ، لتبيّن له ، دون عناء . كم نحن عنصريّون نحو الآخَر – حتّى و إن كان هذا الآخَر من ديننا و مذهبنا و طريقتنا و ضيعتنا و حيِّنا و عائلتنا !
كان ابن الحارة “التّحتا” أو “الفوقا” او الشرقية او الغربيّة ، يشكِّل الخصمَ اللدود ؛ فقط لأنّه ليس منّا ، فكانت ” الحارة (الفوقا) خوخ و رُمّان و الحارة (التحتا) قمل و صيبان ” – الى ما هنالك من عبارات ذمّ الآخَرين و استعدائهم و التعالي عليهم و على كلّ ما يمثِّلون ؛ و ما مقولة ” أنا وخيّي على ابن عمّي و أنا و ابن عمّي على الغريب ” الّا خير مثال على التحيُّز المقصود و رفض الوقوف الى جانب االحقّ ، و نوايا التخلّي عن نصرة العدالة . كنّا مشبَعين بالتربية التي ترتاب من الآخَر و تعتبره مصدر تهديد و خطر و بؤرةَ مؤامرات علينا و على “زاروبِنا” و حارتنا و عائلتنا و أمننا الإقليميّ !
كانت الحروب الضَيعَوِيّة تشتعل ، دون سابق إنذار ، بين الاطفال كما بين الشباب و ما بين الرجال و النساء لتؤسِّس لمرحلة قادمة من الخصومات و الاحقاد و العداوات التي لم ترتكز الّا على بذور الجهل و التخلُّف التي زُرِعَت في عقولنا الصغيرة التي خلِقَت لغير كلِّ ذلك الذي كان و استمرّ يحصل ..
كنّا نعيش على الحذر الدائم و القلق المستمرّ و التعالي على من ليس منّا – لاتفَهِ الأسباب و المبرِّرات و الاوهام التي لم يكن لها وجود إلّا في رؤوسنا و رؤوس عاداتنا و تقاليدنا التربويّة القائمة على نبذ ما ليس من داخل الدائرة الضيِّقة التي لا يتوقّف ضيقُها عند حدّ الى ان يصل إلى الفرد الذي سيتناقض مع نفسه من الصُبح الى العشيّة ! .. و هكذا حتّى تصل الامور الى الضيعة المجاورة و مثيلاتها و تمتدّ على مساحة ” الوطن” و المنطقة و العالم .
كان ابن الضيعة المجاورة لو ابدى رأيًا داخل ضيعة أحدنا يواجَهُ برَميَة من مقولاتنا ، التي تخدش حياة المجتمَعِيّة و المواطنة و الانسانيّة ، و التي أقلّها عداءً مقولة : ” غريب و بِلُقّ حليب ” .
كنّا ، و مازلنا ، بدون مكابرة و انكار ، عنصريّين نحو بعضنا البعض و نحو الآخر في كلّ تفاصيل حياتنا – مع العلم و الإقرار انّ لنا قِيَمًا اجتماعيّة و انسانيّة عظيمة و عادات و تقاليد أخرى تُرفَع لها القبّعات بجميع احجامها و ألوانها .
أمّا اذا انتقلنا الى مستوى الوطن ، لبنان ، او الوطن العربيّ كلّه فسنجد نفس الصورة التي رسمناها عن القرية – بالرغم من دعوات الوحدة و الحرّيّة و كل الأطُر التي هدفها أن تجمعنا و تجعل بيننا روابط الفة و محبّة و تسامح ؛ فالاحزاب تحوّلت الى عائلات ، و الاديان و المذاهب تحوّلت الى متاريس اسمنتيّة يتقاذف الناس من ورائها الحقد و الكراهية ، و آلت السلطات و الحكومات و الدول و الجيوش الى قلاع يرى فيها الناس خصومًا و أعداء ظالمين و ترى هي فيهم حيوانات مفترسة تنتظر اللحظة المؤاتية للانقضاض عليها و تمزيقها !
نحن نعيش في أجواء رعب عامّ لم يسبق للإنسان أن شهدها – حتّى في العصور الحجريّة !
لو عاد كلٌّ منّا الى مجتمعه – الآن – لوجد أنّ العنصريّة تعشعش في كلّ زواياه و أروِقتِهِ و اُسَرِهِ و عائلاتِهِ و عشائرِهِ و أحزابِهِ و جمعيّاتِهِ و مذاهبِهِ و دوائرِهِ من صغارِها الى كبارِها .
بعد أن نعيد القراءة و نقوم بالمراجعة نرى انفسنا و قد لفَّتنا العنصريّة بأحزِمَتِها التي تترك آثارًا من الصعب أن تمحوها دعوات المكابرة و الانكار و وضع الرؤوس في الرمال ؛ فنحن ، هكذا ، أمام مخالفة للاسلام و لقِيَمِهِ و لجوهر رسالته السمحاء المفصّلة و الواضحة في كتاب الله و سُنّة رسوله و سِيَرِ التابعين و أمام عودة و تكريس للعشائريّة و القبلية و الفئويّة المميتة .
هذا ما انتهى بنا الى ما نحن فيه ؛ فعلى نفسِها جَنَت براقِش..



