نداء الى زملائي وأصدقائي في لبنان..

خاص “المدارنت”..
أيها الزملاء والأصدقاء..
أنا صحافي عربي، بدأت العمل احترافيا في مهنة المتاعب منذ عام 1980 في بيروت عاصمة الصحافة العربية. وخلال أربعين عاماً، كتبت وعملت بلا انقطاع مع (المصباح، الشراع، السفير، الحياة)، وأرجو أن يؤهلني هذا للحصول على عضوية رمزية في “نقابة المحررين” المحترمة، أو على الأقل، الحصول على تضامن زملائي اللبنانيين في مواجهة دول باغية، اتفقت على فرض إجراءات عقابية أو انتقامية ظالمة عليّ، تتضمن – ضمن ما تتضمن – منعي من الكتابة والنشر منذ عشرين عاماً.
تجربتي المريرة ليست إلا نسخة من تجارب كثيرة، لمحنة المفكر أو المثقف أو الاعلامي، الساعي الى أداء رسالته محتفظا باستقلاليته، بمواجهة السلطة، مطلق سلطة تريد التحكم به.
هاجرت الى السويد قبل ثلاثين عاماً، بحثا عن مزيد من الحرية والأمان، إلا أن المفارقة التي صادفتني، أن السلطات السويدية منعتني عن مزاولة عملي منذ عام 2000 بطرق ماكرة، أهمها التعاون الأمني مع أنظمة عربية. وعندما قاومت، تعرضت لعقوبات سرية ضمن (برنامج عقابي)، تطبقه هذه الدولة على المستهدف داخل وخارج السويد.
والمفارقة الثانية، أن أكثر دولة عربية تورطت في تنفيذ العقوبات عليّ، وتعاونت مع السويد هي “دولة قطر” التي تتفاخر عبر “جزيرتها” باحترامها لأصحاب الفكر، وللرأي والرأي الآخر. مارست قطر عليّ أقصى درجات المكر والخداع والكذب والابتزاز طوال عشرين سنة. لم أتوقف خلالها عن المقاومة السلمية ومناشدة الدول، وفضح ما أتعرض له، بعد أن طال كل أوجه حياتي، الاجتماعية والمهنية والاقتصادية والأمنية، وطال كل أفراد أسرتي، وانتهى بتدمير الأسرة، وتحويلي أسيراً وكائناً يعيش مهمشاً معزولاً على حافة الكفاف، مُعطّل الفعالية. وللعلم، فقد اعترفت لي عدة دول بوجود هذه الاجراءات السرية ضدي، واعتذرت لأنها لا تستطيع مساعدتي، على الرغم من تعاطفها معي!.
هذه المأساة، تعرفها وتتابعها عدة دول عربية وغربية، بما فيها أميركا وبريطانيا وفرنسا. وتعرفها مصر والأردن وسوريا والامارات وقطر والسعودية، ولا شك أن لبنان يعرفها أيضاً. وكان هذا البلد الحبيب، وعلى الرغم من كوارثه، ما يزال أكثر بلدان المنطقة ازدهاراً للحريات الفكرية والاعلامية. وكنت قد زرته عام 2005 وشرحت فيه قضيتي للزملاء، وأجرت صحيفة “السفير” مقابلة معي، وكان عقابها عندما عدت الى السويد، أن أوقفتني الشرطة لمدة 24 ساعة من دون أي تهمة، في بلد يفترض أنه من أكثر بلدان العالم قانونية.
وفي الاعوام الأخيرة، تحديتهم، وقلت أنني مستعد للمثول أمام أي لجنة قضائية أو برلمانية أو أمنية، للادلاء بما عندي من اثباتات وقرائن على تورط الدولتين، شرط ألا يكون في اللجنة سويديون أو قطريون. وما زلت اكرر هذا الطلب، واضعا نفسي تحت سيف العدالة إذا كنت مفتريا.
أيها الزملاء والأصدقاء
لقد عشت وعملت طوال 38 سنة في ثلاث دول أوروبية مختلفة، واكتسبت خبرات واسعة، وأؤكد لكم إن الحريات في العالم تتراجع ولا تتوسع للأسف. والصورة في الغرب ليست مثالية كما يظن بعضنا، وإن كانت أفضل بما لا يقاس مما هي في بلداننا العربية والشرق أوسطية.
للأسف، فشلت في استرداد حقوقي وحريتي، على الرغم من مقاومتي السلمية طوال عقدين، علما أنني لجأت الى كل المؤسسات القضائية والحقوقية والسياسية والاجتماعية والبرلمانية في السويد، وطرحت القضية على الرأي العام بلا جدوى، لأنني وحيد وضعيف قليل الامكانيات. وتعرضت لمعاملة مسيئة، وهدر منظم لحقوقي، وتهديدات مستمرة، وملاحقة، وصلت حدّ الطرد من بلد أحمل جنسيته!
إنني لا أضمر كراهية أو عداء للسويد، دولة ومجتمعا، ولكني بعد ما نالني من سلطاتها، مصمم على فضح ما اقترفته بالتعاون مع أكثر الأنظمة العربية عداء للديموقراطية، من جرائم لا تليق بأي دولة، ناهيكم عن دولة ديموقراطية يصفها الناس بالمثالية، ومصمم على كشف هذا “البرنامج الارهابي”، الذي طبقته استخباراتها عليّ، وتطبقه على مواطنين كثيرين من أصول مهاجرة، وعلى منظماتهم، وتنبيه الرأي العام الى نتائجه المدمرة على المستهدفين به. ومصمم على فضح الدور الشرير الذي قامت به بعض الأنظمة العربية، تحت عنوان (التعاون الأمني) وبخاصة ( قطر)، واستيلائها بلا مبرر على ممتلكاتي الشخصية، والمشاركة في جريمة منعي من العمل والكتابة والنشر، على الرغم من وعودها الكثيرة التي قدمتها لي باسم أميرها، مرة بعد أخرى!
إنني أطالب بالعدالة، ومحاسبة المسؤولين الذين استهدفوني بلا سبب ولا مبرر، سوى رفضي الرضوخ لإرادة استخباراتهم بالعمل معها. وأطالبهم برفع اجراءاتهم الظالمة عليّ، ووقف مسلسل التنكيل “الناعم” والمستتر. ولن أتوقف عن حملتي عليهم، حتى يعترفوا بما اقترفوه ويعتذروا عنه رسميا.
أيها الزملاء والأصدقاء
على الرغم من كثرة المحن والكوارث والمآسي التي نعاني جميعا منها في كل بلادنا حاليا، أنا واثق أنكم ستتضامنون معي، فمحنتي قاسية ومريرة ومدمرة، وهي نموذج لما نتعرض له جميعا في الشرق والغرب، ولا شك عندي أن كثيرين تعرضوا لما تعرضت لهم، ولكن، لم تتوفر لهم الشجاعة والقدرة للدفاع عن أنفسهم، كما أفعل. وهدفي الآن هو الدفاع عن كل مَن تعرّض لمثل ما تعرّضت له، لكي لا تمر جرائمهم بلا عقاب، وإحقاقاً للحق والعدل أولاً.
عاش لبنان حراً وموئلاً للحريات، وعاشت صحافته الرائدة حرة زاهرة، ودامت ما دام الليل والنهار.



