إقتصاد وتكنولوجيا

ندوة لـ”الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال” في بيروت عن “الاتصال الاستراتيجي للمنظمات في ظل الذكاء الاصطناعي”

“المدارنت”

خبراء عرب: المنظمات مطالبة بالانتقال
من إدارة الرسائل إلى هندسة الثقة والهوية
والابتكار في العصر الرقمي

ناقشت ندوة علمية نظمتها “الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال” (AARCS) بعنوان: “الاتصال الاستراتيجي للمنظمات في ظل الذكاء الاصطناعي: رؤى استشرافية في أبعاد التحوّل والابتكار المؤسسي”، التحوّلات العميقة التي يشهدها الاتصال المؤسسي في عصر الذكاء الاصطناعي، والدور المتنامي للتقنيات الذكية في إعادة تشكيل استراتيجيات التواصل، وبناء الهوية المؤسسية، وتعزيز التنافسية والابتكار داخل المنظمات، وذلك بمشاركة رئيسة الرابطة د. مي العبد الله، إلى جانب ثلة من أساتذة الرابطة وطلاب الدراسات العليا والدكتوراه.

وشهدت الندوة ثلاث مداخلات علمية متخصصة؛ قدّمها كل من د. فاتن بن لاغة، ود. محمد ساطور، ود. محمد رفعت، تناولت الأبعاد الاستراتيجية والتطبيقية والأخلاقية للتحول الرقمي المدفوع بالذكاء الاصطناعي، في ظل ما يشهده العالم من تسارع غير مسبوق في تبني التقنيات الذكية داخل المؤسسات العامة والخاصة.

الاتصال الاستراتيجي.. من إدارة الرسائل إلى إدارة السمعة والثقة
في مداخلتها، أكدت د. بن لاغة، أن الاتصال الاستراتيجي لم يعد يقتصر على نقل الرسائل أو إدارة الحملات الإعلامية، بل أصبح منظومة متكاملة تهدف إلى تحقيق أهداف المنظمة وبناء علاقات مستدامة مع جمهورها وإدارة سمعتها في بيئة رقمية متغيرة باستمرار. وأشارت إلى أن التحوّل الرقمي فرض على المؤسسات اعتماد نماذج اتصال جديدة قائمة على البيانات والتحليل المستمر لسلوك الجمهور، موضحة أن نجاح مبادرات التحوّل الرقمي لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل بقدرة المؤسسات على إدارة التغيير البشري والتواصل الفعّال مع أصحاب المصلحة.

كما عرضت أبرز أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة اليوم في الاتصال المؤسسي، ومنها نماذج اللغة الكبرى، وتحليل المشاعر، وروبوتات المحادثة، وأدوات الترجمة والتوطين الفوري، والتحليلات التنبؤية التي تتيح للمؤسسات الانتقال من ردّ الفعل إلى الاستباق والتوقع. ورأت أن التجارب العالمية الرائدة، من الأمم المتحدة إلى مايكروسوفت ونتفليكس، أثبتت أن نجاح الذكاء الاصطناعي في الاتصال لا يُقاس بعدد الأدوات المستخدمة، بل بقدرته على تحسين الأداء المؤسسي ورفع الإنتاجية وتعزيز الثقة مع الجمهور.

الهوية البصرية الذكية: تكامل الإنسان والآلة
من جهته، ركّز د. ساطور في مداخلة عنوانها: “بناء الهوية البصيرية المؤسسية بالذكاء الاصطناعي” على التحوّلات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في مجال بناء الهوية البصرية المؤسسية، معتبراً أن المؤسسات باتت أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف هويتها البصرية من خلال الدمج بين الإبداع البشري وقدرات الأنظمة الذكية. وأوضح أن أدوات الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد وسائل تقنية مساعدة في التصميم، بل تحولت إلى شريك استراتيجي قادر على تحليل الاتجاهات البصرية، وفهم سلوك الجمهور، وتوليد نماذج تصميمية متقدمة تسهم في تطوير العلامات المؤسسية وتعزيز حضورها الرقمي.

وحذّر في الوقت نفسه من مخاطر الاعتماد الكلي على الخوارزميات في صناعة الهوية المؤسسية، مشدداً على أن القيمة الحقيقية للهوية البصرية تنبع من البعد الإنساني والثقافي والإبداعي الذي لا يمكن للآلة أن تحل محله بالكامل. وأكد أن المستقبل يتجه نحو نموذج تكاملي يجمع بين الذكاء الاصطناعي والقدرات البشرية، بحيث تصبح التكنولوجيا أداة لتعزيز الإبداع لا بديلاً عنه.

التسويق المؤسسي في عصر الذكاء الاصطناعي
من جانبه، تناول المساعد في قسم الإعلام/ تخصّص العلاقات العامة والإعلان في “جامعة السلطان قابوس”، د. رفعت، “التسويق المؤسسي في ظل الذكاء الاصطناعي”، مشيراً إلى التحوّلات الجذرية التي يشهدها التسويق المؤسسي بفعل الذكاء الاصطناعي، ليؤكد أن المؤسسات العالمية الكبرى بدأت بالفعل الانتقال من التسويق الجماهيري التقليدي إلى نماذج تعتمد على التخصيص الفائق للرسائل والخدمات.

وعرض عدداً من التجارب العالمية، بينها هيونداي ولوريال وستاربكس، التي استخدمت الذكاء الاصطناعي لتطوير تجربة العملاء وتحسين التفاعل ورفع الكفاءة التشغيلية. وأوضح أن هذه النماذج تعكس اتجاهاً عالمياً نحو بناء علاقات أكثر عمقاً مع المستهلكين اعتماداً على تحليل البيانات والتنبؤ بالسلوك والاحتياجات المستقبلية. وأشار إلى أن مستقبل التسويق يتجه نحو ما وصفه بـ”جمهور الفرد الواحد”، حيث تصبح الرسائل التسويقية مصممة لكل شخص على حدة، استناداً إلى بياناته وسلوكياته واهتماماته، ما يؤدي إلى تراجع النموذج التقليدي القائم على استهداف الشرائح الواسعة.

كما تناول مفاهيم ناشئة مثل “التسويق بالمحادثة”، و”الذكاء الاصطناعي الوكيل”، و”التسويق العاطفي”، وهي اتجاهات تتيح للأنظمة الذكية التفاعل مع المستهلكين بصورة أكثر قرباً وتخصيصاً، لكنها تثير في الوقت ذاته أسئلة أخلاقية متزايدة حول الخصوصية وحدود التأثير النفسي والتجاري.

التحديات الأخلاقية والقانونية
وأجمع المشاركون على أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات يفرض تحديات متزايدة تتعلق بالشفافية والمساءلة والخصوصية والانحياز الخوارزمي. وشددت الندوة على ضرورة تطوير أطر حوكمة واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الاتصال المؤسسي، بما يضمن الحفاظ على حقوق الأفراد، وحماية البيانات الشخصية، وتعزيز الثقة العامة بالتقنيات الرقمية.

كما جرى عرض أبرز التطورات التنظيمية العالمية، وفي مقدمتها التشريعات الأوروبية الجديدة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب المبادرات العربية والخليجية الرامية إلى بناء بيئات تشريعية وتنظيمية تواكب الثورة التقنية المتسارعة.

نحو مؤسسات أكثر ذكاءً واستباقية
خلصت الندوة إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً تقنياً إضافياً أمام المنظمات، بل أصبح عاملاً استراتيجياً يعيد تشكيل وظائف الاتصال والتسويق وإدارة الهوية المؤسسية. وأكد المتحدثون أن المؤسسات القادرة على تحقيق التوازن بين التكنولوجيا والإنسان، وبين الابتكار والأخلاق، ستكون الأقدر على المنافسة في المستقبل، فيما ستواجه المؤسسات المتأخرة في التحوّل الرقمي تحديات متزايدة في الحفاظ على حضورها وتأثيرها وثقة جمهورها.

ورأت الندوة أن المرحلة المقبلة؛ ستشهد انتقال الاتصال المؤسسي من مجرد إدارة للمعلومات والرسائل إلى إدارة ذكية للمعرفة والسمعة والثقة، في بيئة تتزايد فيها أهمية البيانات والتحليلات التنبؤية والتفاعل الشخصي مع الجمهور، بما يجعل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات التحوّل المؤسسي خلال العقد القادم.

رئيس لجنة  الإعلام د. حيدر عبد الله الحسيني
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى