مقالات

هـويــة دولـــة..

ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

 

لا أعتقد أنّ والدي، وقد شارف على التسعين من عمره (حفظه الله)، قدّ خضع في شبابه لورشة تدريب عن المواطنة الفاعلة!

ومن الذي قال أنّ في شبابهم كانت هذه “الموضة” سائدة؟ نعم ولا أقصد “بالموضة” التخفيف من أهمية هذه الورشات التدريبية التوعوية. لكن ميزة أبي عن غيره من المواطنين، هي رحلة تثقيف الذات التي خاضها منفردًا.

نعم فقلّةٌ من الناس يملكون القدرة على تقدير واحترام هويّتهم، في ظلّ غياب الدولة الحاضنة للهويّات الفرديّة. نعم فلا يكفي أن “نضع الحزن بالجرن” ونندب حظّنا على واقعنا.

وحين نتأمّل في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، أذكرُ تمامًا الطُرفة التي كنّا نتداولها في صِغرنا: الدروز والمسيحيّة، كانوا عم يلعبوا غِلَل وتخانقوا.. نعم كانت أسباب الحرب الأهلية مدعاة سخرية و”تنكيت”، وهذا ما قاله عالم الإجتماع ابن خلدون، بأن الناس الذين يعانون من مصائب يلجأون إلى السخرية والمزاح كردّة فعل على الواقع المرير.

وقد رأينا كيف تتكاثر النكات وبخاصّةً في عالم سَهُلَ فيه التواصل الإجتماعي تقنيًّا. فالإشاعة الشفوية تطوّرت وأصبحت “واتسابّية”.

وفي سياق حديثنا عن الهوية والدولة، كيف نواجه الأزمات المُتتالية في ظلّ غياب دولة لبنانية؟ وأقصد بمصطلح الدولة، نظامًا يحكم مكوّنات الوطن بأطيافه كافّةً، بشكل عادل يضمن الحقوق للجميع.. والواجبات؟ نعم هذا ما قصدته بطرحي مفهوم المواطنة الفاعلة، حيث تنبع فعّالية المواطنة من وعي ذاتي للمواطنين، ليس فقط بحقوقهم، بل بالقيام بواجباتهم تجاه دولة غاب نظامها.

وعلى الرغم من تحفّظي على طرح برنامج “المواطنة الفاعلة”، كعلاج خارجي إرتأته بريطانيا، لتخفّف الضرر الناجم عن نقص في فهم المواطنة.

نعم، ولكي يلامس كلامي الواقع: المواطنة الفاعلة أن لا “تعلّق” شريط كهرباء على “خطّين”، كي تكسب وجودها 24/24. والمواطنة الفاعلة ألّا ترمي كيس القمامة خارج مستوعب النفايات، وألّا ترمي الزبالة من شباك السيارة..

نعم، إنها سلوكات فردية، لكنّها تساعد المرء حين يتبعها على بلوغ الإتّزان الذي يضمن سلامة تفكيره. والتفكير هو مسار يدحض التبعيّة، التي يراهن عليها من غيّب مفهوم الدولة. وبالتالي، فإن التفكير بداية تأسيس هويّة فردية، تندمج مع جماعة وتؤمن بأحقيّة التنوّع والإختلاف.

للآسف، إن ما أقوله سيذهب في مهبّ الريح، ولست طامعًا في تكديس “اللايكات” من قرّاء المقال، لكنّي أطمع وبشكل جدّي، أن نخطو خطوةً في رحلة بناء هويّة لدولة تهاوت ووطن يغيب.

وأذكر ما إقترفت إحدى المحطّات التلفزيونية، بأن أسهمت في تدمير الهوية هذا، بأن أطلقت جملة ردّدها الناس وكأنها مُبرّر يتّكئون عليه: “شو وقفت عليّي”! نعم فالهوية الجماعية تقف مباشرةً على الفرد.

ولست مُستغربًا بأن المواطنة التي ذكرتها في البداية عند والدي، وأسميتها “تثقيف الذات”، لا تدخل في سوق المنافسة الإعلامية وما يتعلّق بها. فالمحطّات التلفزيونية تسعى الى رفع نسبة المشاهدين وجذب المُعلنين للكسب المادّي، من دون أي اعتبار  لمعياريّة قيمية، فالنظام الحقيقي يفرض رقابة إعلامية بمعايير حقوقية انسانية، لا بمعايير شخصية مزاجية، تضمن استمرارية نوم النظام وعدم إقلاق راحته.

لقد احترقت الغابة يومًا ما، وهرعت الحيوانات الضخمة، وسارعت بالفرار لتنجو من الحريق، إلاّ أن العصفور الصغير الحجم، رفرف نحو النهر، وحمل ماءًا بمنقاره الصغير للإسهام في إطفاء الحريق. قالت الحيوانات الضخمة: ماذا تفعل؟ هل أنت مجنون؟

فأجابهم العصفور بكلّ ثقة: “عم بَعمِل النقطة اللي عليّي”.

إن المواطنة لا تُبنى إلاّ إذا أسهم كل لبناني “بالنقطة اللي عليه”. ولمواجهة الإستهزاء والإستخفاف بالنقطة المطلوبة من كل مواطن، كنت أشعر بالفخر حين كانت تأتي ابنتي في صغرها من المدرسة، وكنّا نتفاجأ أنا وزوجتي بجيوب حقيبتها المملوءة بأوراق السندويش والشوكولا المستهلكة.. فلم تكن ترمي النفايات في أرض ملعب المدرسة، ولا على الطريق.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى