هل من أفق لربيع عربي في لبنان؟
غادة مصطفى الشموري / “خـاص المدارنت”
يمكننا اعتبار “ثورة الأرز”، الثورة الاولى في سلسلة ثورات الربيع العربي والمبشر الاول بقدومه. فقد استطاعت بسلميتها وعفويتها وإصرارها، إخراج النظام السوري وجيشه وقواه الأمنية من لبنان، بعد ان كان ممسكا بمقدرات الدولة وصاحب القرار الاول فيها لأكثر من ثلاثين عاماً! ولعل ما نعيشه اليوم هو عصر الثورة المضادة، بعد ان تمكن حزب الله وحلفاؤه من الالتفاف على ما حدث والاستئثار بالحكم، عبر التخويف بالسلاح ثم عبر قنوات التعبير المتاحة . وهكذا تحول لبنان إلى دولة يتحكم بمقدراتها ائتلاف “مافيوي” بين رجال السلطة، يلعب فيه حزب الله دور حكومة الظل، التي جعلت وتجعل من البلد رهينة ارتباطات خارجية من صالحها انعدام وجود جهاز دولة قوية فيه!
الا ان ما حدث ويحدث في الدول العربية – من ثورات أسقطت خلالها أنظمة وانظمة لا زالت تترنح واخرى عادت الى الحكم، وشعوب لا تمل المطالبة بحقوقها رغم القمع والتقتيل الذي تواجهه – يدفعنا للتساؤل عن إمكانية قيام ثورة ارتدادية في لبنان، خصوصاً وأن تاريخ لبنان الاستقلال هو تاريخ إنبثاق الحركات والصراعات الاجتماعية والتفاعل المتبادل بين النقابات العمالية والأحزاب اليسارية والحركات المطلبية.
ثم ان وجود مساحة متاحة من الحرية قد يسهل القيام بتحرك ما قادر على إحداث “هزة” في الواقع المأساوي الذي يعيشه لبنان. لقد بلغ السيل الزبى وتجاوز الفساد بعمقه وشموله حدود المعقول، وأصبح لبنان يصنف كثالث اكثر دولة فسادا على مستوى العالم. والتلوث بلغت مستوياته حدا اصبح السكوت عنه نوعاً من الانتحار بعد ان أصاب البيئة في تربتها وأنهارها وبحرها، وتحول العاصمة الى مكبٍ للنفايات في الهواء الطلق… وثالثة الأثافي، كان ارتفاع أصوات بعض الاقتصاديين ورجال السياسة عن امكانية ان تعلن الدولة افلاسها. كل هذا يحدث والمواطن اللبناني، من كل الطوائف، يعاني من هذا الوضع ولا يحرك ساكنا بل هو مغيب او منوم، وجمعيات المجتمع المدني والنقابات تقف عاجزة عن إطلاق اي حراك واسع يمكن ان يهز المياه الراكدة في هذا المستنقع.
ما الذي اوصل المواطن في لبنان الى هذا الحد من اللامبالاة او السلبية أو اليأس؟ هل خيبات الامل المتكررة التي عاشها خلال تاريخه الحديث من نخبه الحاكمة، هي التي قادته الى التعامل بهذه السلبية مع المسائل التي تمس وجوده في الصميم ؟ هل النظام الطائفي في لبنان هو المسؤول الوحيد عن الحالة الاقتصادية السيئة التي وصلنا اليها ؟ ما مدى قدرة المجتمع اللبناني الحالي على خلق اي حراك احتجاجي يكون جامعاً وعابراً للطوائف؟ وما هي المعوقات التي تقف في وجه عمل جماعي قادر على احداث التغيير في لبنان؟
قد يكون هناك الكثير من الأسباب الموضوعية التي ترسم فرضيات جاهزة للإجابة على هذه الأسئلة. وتبدأ هذه الأسباب من العام إلى الخاص، حيث تشكل العولمة دافعا للتقوقع الذاتي وتدفع الفرد الى الانكفاء الى انتماءاته البدائية في محاولة منه لحماية ذاته.
ثم ان طبيعة النظام التوافقي، الذي يسود في لبنان، تجعل المجتمع اللبناني يبدو وكأنه قطاعات مذهبية عامودية متوازية تعود مرجعية أعضائها الى نخبها المشاركة في السلطة، لا الى دولة “ضامنة” تشكل المرجعية والحماية والهوية. لقد كرس اتفاق الطائف هذه الانشقاقات العاموديّة بعد أن جعل من الميثاق الوطني، الذي كان عرفاً حول تقاسم السلطات بين المذاهب، مادة في الدستور ورسم بلداً يتكون من طوائف لكل طائفة طبقاتها الاجتماعية التي يفصلها الشحن المذهبي عن التفاعل مع مثيلاتها من الطبقات في الطوائف الاخرى. بهذا ضمن أمراء الحرب الذين أصبحوا رجال سياسة، الديمومة في مناصبهم دون خوف او وازع من مراقبة او محاسبة !
كما ان مساحة لبنان الجغرافية الصغيرة، وفقدانه للثروات الطبيعية، تجعل اقتصاده تابعا وريعياً، وغير قادر على بناء دولة قوية تتكامل فيها القطاعات الاقتصادية بشكل متوازن، حيث تتشكل طبقة عمالية ذات وعي بمكانتها ضمن علاقات الانتاج وقادرة على الضغط والاخلال بالتوازن ،في حال قررت القيام بعمل احتجاجي في سبيل نيل مكاسب اجتماعية. ان تشرذم الطبقة العاملة “وتذررها”، يعود الى غياب الاستثمارات الكبرى واعتماد الاقتصاد على القطاعين الخدماتي والمصرفي، مما جعل العمالة تعاني من هشاشة تدفعها الى الاحتماء بولاءاتها المذهبية حفاظا على لقمة العيش.
هذه العوامل، تفسر الى حد ما حدة الاستقطاب المذهبي داخل المجتمع، الا أنها غير قادرة على الإحاطة بالاسباب التي جعلت المواطن اللبناني يقف مكتوف الايدي في وجه واقعه المزري ولا يحرك ساكنا امام الاستغلال الفاضح من القوى السياسية لمقدرات الدولة والسرقات المكشوفة والنهب الممنهج للمال العام!
يعود هذا الى الأسباب الذاتية التي تكمن في طبيعة العلاقات بين الطبقات وبين النخب الحاكمة والنخب التابعة، التي يسيطر عليها الاستزلام والزبائنية ومحاباة الاقارب. وقد استطاع هذا النوع من العلاقات ان يتحكم ايضا بالتشكيلات الحديثة من احزاب ونقابات وجمعيات المجتمع المدني.
ان هذه التشكيلات كانت هي المؤطر الاول للحركات المطلبية التي ساهمت في التغيير قبل الحرب الأهلية. لقد تحولت الأحزاب اليسارية والتقدمية والقومية التي كان شبابها المغذي الاول والمعين لكل حركات الاحتجاج في الشارع اللبناني قبل الحرب، الى احزاب سياسية وتيارات طائفية همها تقاسم السلطة، وغابت اصطفافات اليمين واليسار ليحل محلها الهوية المذهبية لهذه الأحزاب التي لم يبق من طليعيتها وقوميتها وتقدميتها الا الاسم. لقد انخرطت قياداتها في العمل السياسي وتحولت الى رجال اعمال ومقاولين يقتسمون كعكة الغنائم مع شركائهم في الحكم. واستبعدت وهمّشت الاحزاب التي ارادت بعض نخبها الحفاظ على الخطوط المبدأية الاولى التي قامت عليها هذه التشكيلات.
بالنسبة للعمل النقابي العمالي، فقد بقي فاعلا خلال الحرب واستطاع الحصول على مكاسب عمالية من خلال الإضرابات. لقد استطاع الاتحاد العمالي العام ان يحافظ على وحدته ووزنه نسبيا في هذه المرحلة الدقيقة. لكن مرحلة ما بعد الحرب، خاصة خلال التسعينات من القرن المنصرم، واجه هذا الاتحاد عملية تحييد واضعاف ممنهج. فقد إستفاد السياسيون من التركيبة الكونفيدرالية للاتحاد، وذلك بان أعطوا تراخيص لنقابات عمالية جديدة شرذمت عمله حتى اصبح عدد النقابات المرخص لها، اكثر من ستين نقابة تتبع لطوائف وتيارات سياسية تضع في آخر أولوياتها مصلحة العمال. ونجحت الأطراف السياسية من خلال التجاذبات المذهبية والسياسية في تحويل الصراع الى داخل الاتحاد بهدف وضع اليد عليه، عوض ان يكون خارجه ضد قوى الاستغلال. وبهذا تحول النقابيون الى موظفين واكتفوا بحل الخلافات بين العمال وأرباب العمل عِوَض القيام بدور ريادي يستطيعون من خلاله اعادة توازن ما لعلاقات الانتاج.
اماالنقابات المهنية في لبنان، فإنها تفتقر للطابع الموجود في دول عربية، كمصر والجزائر وتونس منذ أواخر الثمانينات، كجهة فاعلة ومؤسسة لوعي طبقي رأينا مفاعيله في تونس خلال الثورة ونراه الآن في الجزائر والسودان عبر المسيرات التي تنظمها النقابات المهنية الخ. اما في لبنان، فان النقابة المهنية التي تضم جميع العاملين في المهنة نفسها من كل الطوائف والتيارات السياسية، قد كانت قبل الحرب الأهلية جهة فاعلة أساسية في الحركات المطلبية خاصة المعلمين منهم. أما بعد الحرب فقد نأت بنفسها خاصة عن الخوض في الشأن الوطني واكتفت بان تكون صراعاتها من اجل مكاسب محصورة بمنتسبيها! واتبعت هذه النقابات استراتيجية الابتعاد عن الخوض في السياسة كنوع من الدفاع عن وحدتها وحفاظاً على إمتيازاتها، خاصة أن اعضاءها ينتسبون الى كل الطوائف.
المدهش في هذه النقابات التي تضم صفوة النخب اللبنانية من أطباء ومهندسين واساتذة جامعيين ومحامين وصيادلة… انها لم تستطع او لم تحاول من خلال وعيها المهني او وعيها النخبوي ان تشكل وعياً وطنياً مواكباً. لقد قامت هذه النقابات بإضرابات وتحركات لكن مطالبها كانت دائما محصورة بمكاسب خاصة بالمنتسبين اليها. صحيح ان نقابة المحامين كانت اكثر هذه النقابات اهتماما بالوضع العام والقضايا المجتمعية، وذلك يعود لطبيعة المهنة التي تمس المجال الحقوقي، لكن طروحاتها بقيت محدودة في هذا المجال ولم تمتد لتطال الشأن العام والقضايا التي تهم المواطن الا من بعيد !
ان تركيبة النقابات المهنية العابرة للطوائف وقدرتها على التأثير يعطيها إمكانية لعب دور فاعل في الحركات المطلبية الا ان قوى الامر الواقع ألغت هذا الدور عبر استراتيجية التقسيم الى قطاعات مهنية يتمتع كل قطاع منها بامتيازاته الخاصة التي يخشى ضياعها في حال انخرط في عمل وطني جامع. ثم ان نظام المحاصصة بين مختلف الفرقاء السياسيين قد دخل من الباب العريض الى داخل هذه النقابات وبذلك أصبح أفق اي عمل وطني شيئا مستبعداً ان لم نقل مستحيلا ! كما ان الكثير من رجال الدولة والتابعين لهم والعاملين في الإدارات العامة والمؤسسات التابعة لهم، هم من المنتسبين الى هذه النقابات بحيث يختلط القطاع الخاص بالقطاع العام في تركيبة اقل ما يقال فيها انها “خلطة على الطريقة اللبنانية”.
ثم ان جمعيات المجتمع المدني التي يكون دورها عادة في المجتمعات المتقدمة مكملاً لدور الدولة، خاصة في الامور التي تمس حياة الناس مباشرة، فإنها في لبنان تحل محل الدولة خاصة في القطاع التربوي. ثم ان بعض هذه الجمعيات أُسس فقط كغطاء لبعض رجال السياسة لاستدرار تمويل ما وللتهرب من الرقابة والضرائب. صحيح ان الكثير من الجمعيات تأسس كردٍ على حاجة اجتماعية ما، لكن سهولة الحصول على تمويل اجنبي فرضت على هذه الجمعيات العمل حسب اجندات الجهة الممولة. وهكذا اصبح هذا القطاع، الذي كان قبل الحرب رائداً من رواد الحراك المطلبي، غير قادر على حراك اجتماعي جامع، بل على العكس هو يساهم في احيان كثيرة في زيادة الشرخ بين الطوائف وذلك بسبب غياب الرقابة والمحاسبة. وبهذا عِوَض ان يسهم في تحسين اداء الدولة يصبح عاملا لكف يدها وبالتالي مستفيداً من ضعفها ومن الوضع القائم.
اما العمال والأجراء فحالهم هو الأسوأ في ظل نظام سياسي ليبرالي تًُتْركُ فيه حرية الاستثمار للمبادرات الخاصة دون رقابة حقيقية من الدولة، حيث ان اكثر اصحاب الاستثمارات على الساحة اللبنانية هم من رجال السياسة او من المرتبطين ارتباطاً عضوياً بهم. هذه الحقيقة تساهم في استغلال الطبقة العاملة الى أقصى الحدود. ثم ان تشتت الطبقة العاملة على قطاعات اقتصادية متعددة وعدم تأطرها في تشكيل نقابي يدافع عن حقوقها ( ٧٪ فقط من العمال منتسبون الى نقابة) يقف كمانع قوي في وجه اي فعل مطلبي. وهكذا تصبح هذه الفئة مهددة بشبح البطالة وغلاء المعيشة والاجور المتدنية والعمالة الأجنبية الرخيصة. والخطاب السياسي يساهم في ازدياد هذه الصورة قتامة من حيث تشديده على مسؤولية العمالة الأجنبية، وخاصة السورية، في ما تعانيه الطبقة العاملة في لبنان.
هذا الخطاب الذي اسميه “استثمار الخوف” يقلب الأدوار ويرتدي حلة “الطهر” ليشيطن هذه العمالة متناسياً هشاشتها وفقدانها لابسط الحقوق وأنها مستغلة بطريقة اسوأ من العمالة اللبنانية. لقد نجح هذا الخطاب الى حد ما في تحريف الحقيقة التي مفادها ان ما يعانيه اللبنانيون هو نفس نوع الظلم والقهر والاستغلال الذي جعل الشعب السوري يثور. ثم ان الوضع السيء اجتماعياً واقتصادياً وصحياً وتربوياً في لبنان، إنما سببه الاول الهدر في المال العام والفساد والسرقات والجشع الذي اصاب اصحاب رؤوس الاموال ورجال السلطة وغياب الضمانات الاجتماعية والصحية لفئة كبيرة من العمال خاصة المياومين منهم.
صحيح ان الساحة اللبنانية شهدت مؤخراً عددا من الحركات الاجتماعية التي حاولت ان تكون بشكل او بآخر لسان حال المواطن. لكن كل حركة من هذه الحركات كانت تحمل في ذاتها بذور موتها، من حيث انها تحمل في “جيناتها” المرض اللبناني القاتل اي الطائفية!
ربما تكون مساحة حرية التعبير المتاحة في لبنان هي ايضاً مسؤولة عن امتصاص النقمة لدى الناس وبالتالي الحد من إمكانية اي حراك حيث انها تؤدي دوراً تفريغيا. إذ ان المواطن اللبناني له هامش من حرية التعبير تفرضه طبيعة الأنظمة التوافقية، وهذا الهامش تتعامل معه الطبقة السياسية بنوع من التساهل لسببين، أولهما توظيفه في عمليات الشد والجذب التي تُمارس بين رجال السياسة في صفقاتهم، والثاني جعله متنفساً لتفريغ نقمة الناس وقناة تعبير عزز النظام الطائفي وجودها.
رغم هذا الانسداد الذي يبدو في الأفق، فيما يخص تغييراً إيجابياً على الساحة اللبنانية في المدى المنظور، يبقى ان نبقي الباب موارباً في انتظار ربيع لبناني ثاني ! ما يدفع لانتظار هذا الربيع عاملين يُعول عليهما في احداث شرخ في جدار الفصل بين لبنان ودخوله التاريخ!
الاول هو نشوء وعي لدى عنصر الشباب، الجامعي منه خاصة، بواقعه الآسن وتشكل ارادة بتغييره. صحيح ان تعدد الجامعات وتنوعها بين رسمي وخاص وتشتت الطلاب نقابياً واستقطابهم مذهبياً لا يترك مجالا لتبلور عمل جماعي تتشكل من خلاله قوة ضاغطة قادرة على التغيير. وصحيح ايضاً ان هذه العوامل تساهم اكثر في دفع الشباب الى التفتيش عن حلول فردية، اما عبر علاقات الاستزلام او عبر الهجرة. إلا ان ما يعول عليه هو تشكل طبقة من المتعلمين من كل الطوائف يتحدثون لغة واحدة هي لغة العصر، بحيث تتشكل نخب من نوع جديد تدرك ان المستقبل يعود للتكتلات لا للمتشرذمين!
والثاني هو المراهنة بأن تخلق المعاناة وعيا عاماً بأن ما يفرق موجود فقط في قصور النخب الحاكمة، السياسية منها والدينية، وبأن ما يجمع اكبر بكثير مما يفرق. نورد منه على سبيل الذكر لا الحصر، المعاناة من غياب التمثيل الديموقراطي الحقيقي، الرغبة في ممارسة الحرية الحقيقية، الفقر وتأمين لقمة العيش، غياب تعليم رسمي ذو مستوى وأقساط المدارس الخاصة، انعدام مستوى طبابة حكومي جيد، فقدان ضمان للشيخوخة، الخ.
الربيع آت.. أما متى؟ فالجواب رهن بتطور الاحداث والظروف.. وكل آت قريب مهما تأخر!



