وحدة الموقف الوطني في سوريا*

“المدارنت”
منذ أن اغتصب المستعمرون الغربيون فلسطين، وأقاموا عليها دولة الكيان الصهيوني وعيونهم جميعًا على سورية.. فهي تشكل قلب بلاد الشام والمشرق العربي، وفلسطين أساسًا جزء منها. فكان اغتصابها موجهًا بدرجة كبيرة ضد سورية. قبل فلسطين، اقتطعت بريطانيا، مركز الغرب الاستعماري أجزاء كبيرة من الشمال السوري، وألحقته بتركيا أتاتورك حليفها وصنيعها: ألحقت بها غازي عنتاب وأورفه وديار بكر وجزيرة عمر ومرسين. كان هذا سنة 1923.
ثم اقتطعت فرنسا التي كانت تحتل سورية، (لواء اسكندرون) وألحقته بتركيا أيضا. وحينما أنشأت أمريكا حلف بغداد كانت تستهدف سورية أولا. وحينما طالب الضباط الوطنيون الذين التقوا جمال عبد الناصر، وطلبوا الوحدة الفورية بين سورية ومصر، كان خوفه على سورية من أخطار حلف بغداد من جهة والكيان الصهيوني من جهة ثانية.
واستكملت قوى النفوذ الأجنبي حصارها لسورية وإحكام قبضتها عليها من خلال الصفقة التي عقدتها مع حافظ الأسد وزير الدفاع آنذاك وبموجبها تخلى طواعية عن مرتفعات الجولان لقاء تسهيل وصوله إلى رئاسة سورية واستمراره في التحكم بمصيرها ومستقبلها. فكان تسليم مرتفعات الجولان للعدو الصهيوني ضربة قاصمة جدا للأمن الوطني لسورية نظرا لما تمثله المرتفعات من موقع جغرافي حصين يؤمن حماية طبيعية لسورية من أطماع وأخطار العدو..
خلاصة القول: إن التهديدات الأجنبية لسورية الوطن والأرض والشعب ليست جديدة وليست مستغربة. وقد أفسح الحكم السوري الساقط كل المجالات لتسلل النفوذ الأجنبي إلى سورية وتمكينه من تأسيس مواقع نفوذ سياسي وأمني واقتصادي واستخباراتي متنوع ومتعدد المستويات وهو الأمر الذي ساهم بإرباك ثورة الشعب السوري وأدى إلى تشويه دورها واستغلالها لفرض المزيد من التدخلات المغرضة والمشبوهة والمعادية لتطلعات ومطالب الشعب السوري..
ومما أدى أيضًا إلى إضعاف واستنزاف القوة الوطنية السورية وتحديدًا على المستوى الشعبي – المجتمعي..
ومما أسهم في هذا الاستنزاف ما قام به النظام الساقط من عدوان عسكري مباشر على الشعب إضافة الى سياسة الحصار والتجويع والقهر والفساد..
وبالوصول إلى هنا، فإن التدخلات الخارجية في الشأن السوري تشكل امتدادًا لنفوذها وتدخلاتها السابقة منذ عقود. وبالتالي فلن تنكفئ عن محاولة فرض مطالبها ومصالحها على الحكم الوطني الحالي..
ولما كانت الدول الأجنبية المتدخلة ذات مصالح متضاربة بطبيعة الحال، جزئيًا أو عرضيًا، إلا أنها تلتقي عند هدف إستراتيجي جوهري أساسي ألا وهو:
محاربة استقرار سورية مجتمعًا ودولة ومؤسسات. ومحاربة السعي لإقامة نظام وطني مستقر فيها ودولة عادلة بمؤسسات قانونية متكاملة وناجحة مع تكاتف شعبي وتماسك مجتمعي.. لأن استقرارًا كهذا يهدد مصالح تلك القوى الخارجية ولا يسمح لها بالتدخل أو التخريب..
انطلاقاً من كل هذا نستطيع فهم أبعاد وخلفيات الحملات الإعلامية متنوعة المصادر والأشكال والتي تهدف للضغط على النظام الجديد وبث الخوف والذعر والتشكيك الدائم وإشاعة أخبار استخباراتية ملفقة عن قرب انهيار أو سقوط أو إسقاط أو انقلاب وسوى ذلك من أخبار التهويل والابتزاز لتحصيل تنازلات وفرض تراجعات من شأنها أن تفيد تدخلاتها وتحقق مصالحها. هذا فضلًا عن تحريك واستثارة أصوات طائفية ومذهبية ومناطقية لفرض المزيد من الخوف والمزيد من التشاؤم وانعدام الثقة بين السوريين أبناء الطوائف والمناطق المختلفة. بما يربك النظام الجديد ويضعضع اولوياته وحرصه المطلوب على وحدة سورية أرضًا وشعبًا ومؤسسات..
إن مصادر القوة التي يمكن ويجب الاستناد إليها للوقف بوجه كل هذه التدخلات والتحديات؛ تكمن في أمرين:
– الأول: قوة الشعب السوري والمتمثلة بتكاتفه وتكامل فعاليته مع قوة الدولة ومساراتها الوطنية.
– الثاني: دعم عربي على أساس من وحدة المصير والأمن العربيين وأهمية سورية في هذا الأمن المشترك ومصالح الدول العربية في استقرار سورية وتقدمها.
أما وحدة الموقف الوطني فتتطلب أمرين:
– الأول: تقع مسؤوليته على الدولة ويتمثل في ضرورة استكمال تبني رؤية وطنية متكاملة تترجم عبر برنامج عمل مرحلي متكامل يضع الأولوية لحل مشكلات المواطنين وتأمين مستلزمات حياتهم والاستعانة بالكفاءات والخبرات الوطنية المتاحة.

– الثاني: من مسؤولية القوى والفعاليات الشعبية عبر تكاتفها ومشاركتها الفعلية في تنفيذ البرنامج الوطني والتصدي لكل محاولات تخريب الوحدة المجتمعية الوطنية والمساندة في حماية وتعزيز الأمن الوطني عبر كشف وفضح المستفيدين من عمليات التخريب وعرقلة مسيرة البناء.
كل هذا يستوجب الاستمرار في حوار وطني معمق وشامل وحر وصريح لا يتوقف ولا يخاف ولا يخفي أية حقائق..
والخلاصة أن المصالح الأجنبية لا تلتقي أبدًا مع المصالح الوطنية السورية.. كما أن التجارب كلها تؤكد وتثبت عدم توفر أي رغبة وأية إمكانية لدى دولة الكيان في إقامة أي نوع من السلام أو الاتفاق الأمني إلا ما يحقق لها أطماعها واوهامها في السيطرة الأمنية وما يسمى المناطق الأمنية العازلة التي تمهد لخرافة ”إسرائيل الكبرى” المزعومة.. وهي المعروفة بنقض أي اتفاق والانقلاب عليه بأسرع من البرق..
إن الالتفاف الشعبي وتماسك الموقف الوطني الرسمي والشعبي معًا إضافة إلى المساندة العربية هما مصدر القوة الأساسية والوحيدة التي بإمكانها مساعدة سورية في تجاوز هذه المرحلة الانتقالية الصعبة بكل ما فيها من مخاطر وتحديات..



