يتوقعون كما يرغبون..

“المدارنت”..
إنّ أكثر ما يربك في هذه الأيام، هو كثرة الكلام على عالم ما بعد كورونا. صحيحٌ أنّ هناك دراسات استشرافيّةً علميّةً تستحق التقدير، وهي لا تضير في شيء بل تضيء الطريقَ إلى توقعاتٍ ممكنة. وليست هي المقصودة في كلامنا على ضير التوقعات، بل لها ولأصحابها التقدير والامتنان.
إذن؛ ما يعنينا هي تلك المقالات أو المقولات التي تعكس موقفاً كان كامناً ويتحين مناسبةً لإطلاقه، ليقول لنا قد أثبتت النظم الديموقراطية أنّها عاجزةٌ عن حماية مواطنيها، وباتت النظم الشمولية المركزية أكثر كفاءةً في محاصرة الوباء. أو إنّ القادم بعد كورونا سيجعل العالم أكثر أماناً أو أكثر اضطرابا وقلقا. وهناك من يتوقع انسحاب أديان من المشهد الحياتي، وليس مجردَ انسحاب بل يتوقع أن تنهار مكسوفةً فوق ركام معتقداتها ومعتقديها. كما يتوقع البعض أنّ المشاريع النهضوية المتعثرة في بلادنا، ستؤول إلى الانكفاء الكلي، لتصبح فوق رفوف الماضي. ومنهم مَنْ يراهن على نهضةٍ مرجعيتها الصين أو اليابان، أو تفتت الولايات المتحدة الأميريكية، وعزلة بريطانيا وانهيار الاتحاد الأوروبي، وهكذا…..
ومن أصحاب هذه المقالات مَن يعزز مقالته بكلمتين أو ثلاث كلمات عن الذكاء الاصطناعي، والإنسان الآلي، والثورة الرقمية، كما لو أنه يستقوي علينا بغيبيات علوم ما بعد الحداثة، حيث الاعتراف فقط بما هو مادي ربحيّ نفعي، بعيداً من أي قيمٍ من شأنها أن تحدّ من التربّح تحت ذريعة ما يسمى الحلال والحرام، أو ما يسمى الضمير والواجب. فإذا اقتضى الربحُ حرمان شعوب بأكملها؛ فلا بأس بذلك.
وتذهب بعض التوقعات إلى أن الإنسان الذي تكلمت عليه الأديان باعتباره في أحسن تقويم، لن يبقى هو نفسه، فسيكون للإنسان تعريف آخر، ولو أغضب ذلك من أغضب.
ولا أقول هذا رفضاً لاستشراف المستقبل أو المستقبلات، بل حتى لا نضيّع البوصلة، أقول إن مستقبلنا نحدده اليوم، فإذا كانت رؤيتنا للفايروس على أنه غضبٌ من الله أو امتحان فإنّ غدنا سيكون امتداداً لهذه الرؤية، وإن كانت رؤيتنا له على أنه ظاهرة طبيعية، لا تبالي بمشاعرنا وعواطفنا ورغباتنا، فإنّ غدنا سيكون مهمّاً، بمقدار ما حفّز فينا هذا الفايروس من إرادة التعلم، والإبداع، والسلام الاجتماعي. وإذا كانت رؤيتنا له على أنه مؤامرة إمبرياليّة، فإننا سنعيش في غدٍ نجتهد فيه لإثبات صحة رؤيتنا، والردّ على من يعاندنا، يعني سنكون خارج العالم مرّةً أخرى، وتكون هذه الظاهرة العظيمة قد انصرمت بلا أثر علينا وعلى آليات تفكيرنا، بل ربما تكون حصتنا من آثارها أن يتعزز ركودنا، ويتقدّس فشلنا الحضاري.
لست عرّافاً لأرصد الغد، ولكنني أعرف أن الواقع يتطلّبُ منّا أن نتجاوب مع الضرورة التي يمليها علينا، فنبادر إلى ثورةٍ في ما يضمن الأمن الصحيّ، والنفسي، والاجتماعي ونعيد ترتيب الأولويات في هذا المجال، وإلى ثورة تعليميّةٍ تربويّة تضع نصب أعينها رفع مستوى النشاط العلمي للمتعلم، وتحصينه بأخلاقيات التعلّم، وتمكينه من الحق بالوصول إلى المعلومة بلا مقابل. ويقتضي ذلك حشد كل الخبرات والفلسفات والأفكار التي تمكّننا من ذلك، كما يقتضي الأمر أن نبني ثقافةَ التسامح بوصفها مشروعا جريئاً على مكوناتنا المرَضيّة التي نزعم قداستها، كما يتطلّبُ الأمر أن نكنس المواقع المتقدّمة تماماً، كي نحمي الأجيال القادمة من الجراثيم الطائفية والمذهبية البغيضة.



