مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”33″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
الفصل الثامن: العقل والنقل في ميزان الإنسان
نتناول في هذا الفصل من محور “إعادة النظر” في ما يقتضيها ويوجبها، كلًّا من العقل والنقل (1) بحيث ننظر فيهما وقد وضعا في موضعيها السليمين بعد أن يكون قد رفع عنهما الاستلاب الذي يمارسه الاستبداد بالحكم والسياسة والسّلطة، والذي يبرّره “الفهم البشري المتنوّع المتألّه للإسلام” بهذا القدر أو ذاك، كما ظهر لنا ذلك جليًّا في المحور الأول. ففيم هذا الاستلاب بإيجاز؟ وهل هو قدر جعلهما ويستمر في جعلهما في غير موضعيهما؟ كيف يبدو كل من الدّين والعقل في موضعه السليم؟ وهل من مقدور الإنسان أن يصلح “ذات البين” بينهما؟
- العقل والنقل مستلبان في واقع الحال:
باستثناء زمن النبوّة وبعض العهد الراشدي إلى ما قبل معارضة الخليفة الثالث عثمان بن عفان، والتمرّد عليه، وقتله ليصبح الصراع، بعد ذلك، مكشوفًا ومفتوحًا، والمعارضة علنيّة سافرة، وليستفحل الأمر لاحقًا مع “الحكم المتغلّب”، الذي دشّنه معاوية بن أبي سفيان إذ حوّل الخلافة التي اغتصبها برجحان ميزان القوة لمصلحته، إلى إرث يوّرثه من يشاء من بنيه، فإنّ “الفهم البشري المختلف المتعدد المتنوّع المتألّه للإسلام” الذي صادر هويّته وماهاها في ما صار إليه من فرق ومذاهب وما إليها، والذي أشاع وعمّم بين أهل الإيمان بها، ثقافة القدر التي أصابت فاعليّة الإنسان في أسبابها من تكبيل للعقل، وتسفيه لإعماله في غير النقل، وشلّ لإرادته ومصادرة لقدرته، وتفريغ لسيادته من حريّته المسؤولة، وإن “الحكم المتغلّب” الذي مارس الاستبداد، واستتبع الدين ليبرّر له استبداده وإفرازاته من ظلم وإفساد وطغيان بالقضاء والقدر ومشيئة الله، وقمع العقل الحر الناقد، وأبقى على العقل المادح للحاكم وحكمه والمدافع عنهما.
وسكت عن العقل المنكفئ والمعتكف والمعتزل عن السياسة، إن هذا “الحكم المتغلّب” وذاك “الفهم المتألّه” قد جعلا الأرض والسماء تلتقيان في استلاب الإنسان، خليفة الله في الأرض، وتتواطأان عليه: حاكمًا وقد أخذه هوى السلطة فظلم واعتدى وأفسد، بدلا من أن يحكم “بالحق والعدل” ويبتعد عن “الهوى والظلم والاعتداء” بذرائع من قبيل وجوب طاعة الحاكم والولاء له، ووجوب الشدّ من أزره تمكينًا له من “دَرْءِ الفتن وصون الأمّة وحماية الثغور” وما إلى ذلك؛ ومحكومًا حيث حاصرته ثقافة القدر، فبرر بها ما أصابه من استلاب في الحقوق والحريات، واستكان لواقع الأمر، واكتفى بالدعاء والتضرّع إلى الله وسؤاله التلطّف في قدره، ما جعل الفساد والإفساد ينتشران في كل مكان، والظلم والطغيان يتوطّنان، وحريّة الرأي والتعبير مقبولة في التبعيّة والمدح، ومقموعة في المعارضة والنقد دينيًا وسياسيًا… هذا بإيجاز هو واقع حال الإسلام وأهل الإيمان به حيث لا تسلك الأمور مسالكها، ولا توضع الأشياء في مواضعها لجهة السياسة والدين والعقل كما تبين لنا هذا في المحور الأول من كتابنا هذا(2).
بيد أن الأمور لا ينبغي لها أن تستمر على هذا المنوال، بل يجب ألاّ تستمر في هذا المسار الخطأ والملتوي لكي تأخذ سواء السبيل والصراط المستقيم، باعتبار أنه لا شيء، إسلاميًا يحول دون إعادة النظر المفضية إلى هذا؛ لأنه إذا كان واقع الحال المعني قضاء وقدرًا باعتبار “كل شيء بقدر”، فإن تغييره هو أيضًا قضاء وقدر بفضيلة تدافع الأقدار، أمّا إذا كان نتيجة لفهم بشري قصير النظر، ومحدود الرؤية، فإنه لا يخرج عن كونه وجهة نظر بشرية خاطئة أو قاصرة أو ضيّقة لا تفي ولا تليق باستخلاف الله الإنسان في الأرض، الذي أراده سيّدًا عليها، ومعملًا عقله فيها، وفاعلًا ومختارًا، وحرًّا مسؤولًا، ومدبّرًا قادرًا على القيام بمهام الخلافة على الأرض.
ففي هاتين الحالين، تبدو إعادة النظر في ما هو قائم في الواقع، واجبًا ملزمًا، وحاجة ملّحة، وضرورة لا بدّ منها إذا ما شئنا أن نكون بمستوى ما انتدبنا إليه رب العالمين في خلافة الأرض هذه؛ لأن واقع الحال لا يحاكي في شيء، الإطار العام الذي يمكن رسمه قرآنيًا على النحو التالي: (“الأمر بأن يكون الحكم بالحق والعدل” و”النهي عن اتباع الهوى ورفض الظلم وكره الاعتداء”). إن هذا الإطار وحده يكفي لرفض الاستبداد وتحريمه في أي نظام سياسي للحكم، فضلاً عن أن هذا الاستبداد هو دخيل على الإسلام، ويتيح ويبيح الحديث عن الدين والعقل، وتقديمهما وقد وضع كلّ منهما في موضعه السليم.
- الموضع السليم للنقل:
إن الإسلام رسالة علوية إلهية موجّهة وموحى بها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. ولكن، ممن هذه الرسالة؟ وإلى من أرسلت؟ وعمّ تعبّر؟ وإلامَ ترمي؟ وأين هي من الإنسان وأين هو منها؟…
لعلّ البحث في الإجابة عن هذه الأسئلة يبلغ غايته تحت العناوين الآتية تباعًا بحيث يكون الدين في موضعه السليم.
2-1- الدين جاء لأجل الإنسان: لعلّنا نفهم من عبارة “لأجل الإنسان” أن كل ما يحمله الدّين من إرشاد وتعليم وأحكام وأوامر ونواهٍ هو مما يعبّر به رب العالمين عن عنايته بخليفته، ورعايته في عالم الشهادة، وهو أيضًا مما يصب في مصلحة الإنسان وصلاح أمره في حياته الدنيا وحياته في الآخرة. ففيم كل هذا؟
2-1-أ- الدين هو لخير الإنسان وخدمته:
إن الإسلام رسالة إلى الناس أجمعين. حملها الأمين جبريل في القرآن المبين إلى المصطفى الأمين الذي أخلص وصدق في تبليغها الناس كافّة، مصداقًا للآيتين التاليتين اللتين بيّن فيهما الله لنبيّه المختار وجهة الرسالة والمرسل إليه بوضوح لا لبس فيه: ﴿وَمَا أرْسَلنَاكَ إلاّ رحمةً للعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107). و﴿وَمَا أرْسَلْنَاكَ إِلّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيْرًا ونَذِيرًا-﴾ (سبأ:28).
لقد حملت هذه الرسالة للإنسان من فيض ما حملت “العلم والمعرفة والبيان وخير الغيب” مما يمكن قراءته في الآيات التالية :﴿-وَعلّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلّهَا-﴾ (البقرة:31)و﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن:4) و﴿عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ (العلق:5). لقد أنزل الله القرآن إلى الناس يبعدهم عن الضلال، وتفريقًا بين الحق الذي يدعوهم إلى التزامه، والباطل الذي يحذرهم من الوقوع في حبائله، كما جاء في الآية ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة:185)، كما كان قد جاء من قبل في التوراة والإنجيل في الآيتين:﴿-وَأَنْزَلَ التَوْرَاةَ والإِنْجِيل، مِنْ قَبْلُ هُدًى للنّاسِ-﴾ (آل عمران:3 و4).
إن الإسلام رسالة وضعها الله بين يدي الرسول يدعو بها إلى وحدانية الخالق وإلى ما به يتمكّن من إخراج الناس مما هم فيه من جهل لعالم الغيب، وضلال وظلم وشرك بالله وهو “ظلمات”، إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه من علم وهدى وإيمان وحق وعدل، وهو “نور” استجابة للآية ﴿آلر كِتَابٌ أنْزَلناهُ إِلِيكَ لِتُخرِجَ النَّاسَ مِن الظُّلُمَاتٍ إلى النّورِ-﴾(إبراهيم:1). أضف إلى ذلك أن الرسالة قد حدّدت للناس ما هو حلال وما هو حرام، ورسمت لهم الصراط المستقيم، ودعتهم إلى سواء السبيل، الأمر الذي يعبّر عن عناية الله في عالم الغيب بالإنسان في عالم الشهادة.
2-1-ب- الدين يبقى خادمًا للإنسان ولو مخدومًا: عندما نرى أناسًا يخدمون الدين في الدعوة إليه والتبشير به أو التعليم أو الاجتهاد أو في التفسير والتأويل، فإننا نرى وراء مثل هذه الخدمة ثلاثة أهداف متناغمة متكاملة تتحقّق لخدمة الإنسان: الأول هو زيادة الناس الذين جاء لخدمتهم من خلال الدعوة والتبشير؛ والثاني هو أنه عندما نخدم ما هو لخدمتنا ونحرص عليه سليمًا من التشويه أو التحريف أو الشوائب أو العيوب، فإننا نفعل ذلك لاستمراره في خدمتنا؛ والثالث هو أنه عندما تتجه الخدمة له إلى تحسين تدبّر ما يخدمنا، فإننا نفعله أيضًا توخيًّا لخدمتنا على نحو أكبر وأكثر وأفضل…
فالأمر هنا يكاد يتطابق مع النحو الذي يخدم فيه الإنسان علم التقانة، فيكون ذلك منصبًّا في المدى القريب على صيانة التقنيات القائمة والمستخدمة منها حرصًا على سلامتها مما يكون قد شابها أو عابها نتيجة الاستعمال؛ أما في المدى البعيد نسبيًا فتتركّز الخدمة على تحسين وتطوير هذه التقنيات لجعلها في مواصفات أفضل، ما يؤدي إلى خدمات أفضل. وفي هذا الميدان، ميدان علم التقانة، تتيح المرونة للخادمين ابتكار ما فيه إمكانات أكبر لخدمات أكثر وأوسع يحتاج إليها الإنسان لسدّ حاجاته المستجدة.. ويبقى الإنسان هنا وهناك هو من لأجله كان العلم والتقانة والدين.
أما إذا رأينا أن نتجاوز مَنْ وما لأجلهما جاء الدين بحيث “نحمل علمًا وهدى ودعوة إلى صراط مستقيم من عندنا” نزيل بذلك جميعًا ما يكتنفه من “جهل وضلال وطريق ملتوية” بل ما ندّعيه نقصًا فيه، فنستبدله بـ “كمال من عندنا”، فإننا نكون قد جعلنا من أنفسنا أندادًا للموحي تعالى، الأمر الذي قد يدفعنا إلى توجيه “رسائل مماثلة” للدين الموحى به، من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، وهو أمر لا يعقل، لأننا نكون أبعد عن الحقيقة من شطحات المتوهمين تحت كل العناوين. ذلك أنه مع هذا الافتراض بـ “إذا” تكون الظنون والأوهام والأهواء قد ذهبت بعقولنا، وأفقدتنا اتّزاننا، وسلبتنا طبيعتنا المشبّعة برائحة التراب…
2-1-جـ- الدين رهن الإنسان: لقد جاءت الرسائل السماوية، والإسلام منها، حصرًا لأجل الإنسان، لأجل خيره ونفعه وسعادته ومصلحته وصلاح أمره، لأجل هداه ورحمته وشدّ أزره في بسط سيادته في كل مكان تشمله خلافته في الأرض في عالم الشهادة، وقد سخّر الله كل شيء في البر والبحر والجو والفضاء لخدمته، وسدّ حاجاته، وإشباع رغباته، وتحقيق تطلّعاته، وجعله رهن سيادته وحريّته المسؤولة.
ولعلّ من أهم وأخطر ما خصّ الله به الإنسان، في هذا السياق، هو الدين لعظم أثره في حياته الدنيا، واستتباعًا، في حياته الأخرى، إن هو أخلص في الإيمان والعمل به بما يليق ويجدر به كخليفة على الأرض. هذا الدين الذي ميّز الله به الإنسان من سواه من الكائنات، فضلًا عن كونه جاء لخدمته، لم يكن مفروضًا عليه؛ ولم يكن ليتلقاه بالقهر والإجبار، بل كان رهنه قبولاً واختيارًا ودخولًا وممارسة أو رفضًا له وإعراضًا عنه وخروجًا منه، عملاً بالقاعدة الكبرى التي تكرّس للإنسان حرية المعتقد في الإسلام، ألا وهي ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين-﴾ (البقرة:256).
أضف إلى ذلك أن الكثير من الآيات التي تخاطب الرسول، ترسم السّبل التي يتمّ بسلوكها تبليغ الرسالة، والتي تؤكد في الوقت نفسه، على حرّيّة الناس، وتبيّن الرسول فيها شاهدًا ومبشرًا ومذكّرًا ومحذّرًا ومنذرًا، كما تبيّن أنه ليس على الناس بوكيل أو رقيب أو حفيظ أو مسيطر أو حسيب. لنتأمّل في الآيات التالية:﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾(الفتح:8)، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ (الغاشية:21و22)
﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام:107)…. إن هذه الآيات الأربع التي تشير كلّها إلى دور النبي المصطفى في تبليغ رسالة الإسلام للناس، تبيّن وتؤكّد كلّها عدم وجود أي شيء فيها قد يفهم منه حمل الناس على قبول الرسالة بالقوة أو الإجبار عليها، كما أنها تبين وتؤكد أيضًا، كسابقاتها، أن الدين هو لأجل الإنسان وخدمته، وهو رهن حريّته المسؤولة أمام الله في الآخرة… ففي هذا السياق، وفيه فحسب، كان للإنسان ما كسب وعليه ما اكتسب، وسيكون له عليهما جزاء يوم الحساب غير المعلوم للبشر، كل البشر. وهكذا لم يكن الدين إلاّ مفعولًا لأجل الإنسان، لأجل خدمته.
ولكن، تساءل بعض الناس: لماذا كل هذا الاحتفاء، وكل هذا الاهتمام وكل هذه العناية بالإنسان دون سواه، من رب العالمين؟
2-2- الإنسان هو الأولى وهو الغاية: ونحن أيضًا نسارع إلى التساؤل: وهل في عالم الشهادة ما أو مَنْ لديه بعض جدارة الإنسان حتى يحتفي به ذاك الاحتفاء العلوي؟! وهل في هذا العالم ما أو مَنْ تمكّنه أهليّته من منازعته أو منافسته في الاهتمام الذي انتهت إليه الرسائل الإلهية؟! وهل في عالم الدنيا ما أو مَنْ يتمتّع بما يحول دون بلوغ العناية الربّانية الإنسان، ليصرفها بالتالي إليه؟! لقد انتهت الرسائل العلوية جميعها إلى الإنسان، مركز اهتمامها ومنتهى رحلتها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. لماذا؟
2-2- أ- الإنسان هو الأجدر والأَوْلى بالرسائل العلويّة: إن ما يجعل الإنسان الأجدر والأولى بالدين هو ما يتمتع به من مزايا اختص بها دون سائر الكائنات. فهو الكائن الوحيد المنفرد بالعقل والمتميّز به من سواه. ولولا هذه المزية لما عرف الدين سبيلًا إليه، ولكان الأمر عبثًا في عبث. ولقد تجاوز الإنسان في ذكائه ووعيه أذكى الحيوانات، الذي ظلّ ذكاؤه يدور في دائرة المحسوس والزمن الراهن، تجاوزه إلى عالم المجرّدات والمفاهيم والرموز والإشارات، وإلى الأزمنة كلها التي يعيها ماضيًا بالتذكّر، وحاضرًا نفسيًا بالإدراك، ومستقبلاً بالتخيّل.
والإنسان هو الكائن الأمرن على كوكبه حيث واجه ويواجه بمرونته الواسعة كل ما اعترض ويعترض حياته من صعوبات ومشكلات وتعقيدات، ومكّنته من أن يوجد فيها دائمًا مساحة ممكنة للعيش واستمرار الحياة فيها مع نزوعه نحو تكبير هذه المساحة وجعلها أفضل كلما وجد وأوجد فرصة تتيح له ذلك. والإنسان أيضًا هو الكائن الأفعل؛ فقد غطّت بصماته الأرض التي يعيش عليها برًّا وبحرًا وجوًّا: لقد ذلّل تضاريس اليابسة وما عليها، وجعلها تخضع وتزداد خضوعًا لإرادته والحاجات، كما اقتحم لجج البحار والمحيطات، ومخرها طولًا وعرضًا، وجعل أعماقها مكشوفة لرغباته؛ أما في الجو، فقد تجاوز فضاء الأرض إلى أفضية كواكب أخرى ساعيًا إلى إخضاعها لمتطلباته…
كل هذه البصمات وتلك كانت له بفضل إمكاناته والابتكارات التي تجعل عالمه مطواعًا له، وإرادته أكثر مدى، وحاجاته أكثر إشباعًا. فالإنسان هذا، وإن لم يكن كل بصماته في نطاق الخير وإطاره، وإن كانت أخطر وأسوأ بصماته في ما أحدثه ولا يزال يحدثه من تلوّث يهدد الحياة على الكوكب، وفي ما ابتكره ويبتكره من أسلحة تدميريّة بإمكانها تخريب وإفساد الجماد، وتعطيل وإتلاف النبات، وقتل الحيوان فضلًا عن الإنسان نفسه، فهو على الرغم من هذا الوجه البشع القبيح لفاعليّته، يبقى الأجدر والأوْلى…
ومن المزايا التي ينفرد ويتميّز بها الإنسان أنه يتمتع بوظيفة نفسية عليا مكّنته من ابتكار أنظمة من الإشارات، كل منها يختص بجماعة بشريّة ضمّنته المعاني والدلالات؛ وتتنوع هذه الأنظمة بتنوّع حاجات الجماعات في التواصل والتفاهم واستيعاب الثقافات والحضارات، وفي تنظيم العلوم والمعارف والخبرات، وفي حفظها واستعمالها غبّ الطلب… إنها لغات أو ألسن الأمم. أما ما لدى الحيوانات من أشكال التعبير بالأصوات أو الوجوه أو سواهما من أعضائها، فلا يرقى إلى مداناة ما ابتكره الإنسان وطوّره واكتسبه في هذا الميدان، لأن ما لدى الحيوان يبقى في نطاق المهارات الفطريّة.
أما المكتسب عنده فلا يتجاوز ردود الأفعال المنعكسة الشرطية التي يحكمها هامش ضيق بما لا يقاس مع ما يتمتع به الإنسان، فضلًا عن تحكّمه بما يكتسبه الحيوان. ثم نقف في ما نورده من مزايا يتفوّق فيها الإنسان على سواه، على فارق يكاد يحول دون المقارنة، نقف على مزيّة خامسة، ألا وهي أنه هو الكائن المتعلّم الوحيد بوعي وإرادة، وهو بالتالي الأوفر والأوسع تعلّمًا واكتسابًا، والأكثر استخدامًا لما يتعلّمه، والأقدر على توظيفه في تمكينه من ظروفه… ولكن المؤسف في هذا المجال هو ما أشرنا إليه أعلاه في الجانب السلبي لفاعليّة الإنسان المتفوّقة، وهو هنا أن سوء استعمال العلم يجد سبله إلى طرق أبواب الشرّ والضرر والخطر الداهم بحيث لا يسلم منها المسيء نفسه، ويتهدّد بها الإنسان في حياته…
أجل، إن الإنسان الذي يتفرّد في المزايا التي ذكرناها، ويتميّز بها من غيره، وعلى الرغم من خطورة السلبية التي يتسبّب بها، لم ولن يجد، بل لم ولن يوجد ما أو من يقف ندًّا له في تلك المزايا أو مشاركًا أو منافسًا أو منازعًا إيّاه في جدارته وأهليته، الأمر الذي يرى نفسه فيه، ونراه نحن أيضًا الأولى بالاحتفاء والاهتمام والعناية من خلال الرسائل العلوية من عالم الغيب.
2-2-ب- والإنسان هو الغاية أيضًا: إنه كذلك، لأنه، أولًا، هو من كانت الرسائل العلوية لأجله، وكانت أيضًا من بين ما يتوسّله في حياته، وكان هو الغاية، وكانت معاييره تحكم بالأهمية والمكانة والقيمة، سائر الوسائل التي تسهم بقدر أو بآخر، في ما يمكّنه من الرفعة والسموّ والعزّة والحريّة والكرامة التي تأتلف كلها في صنع تاج إنسانيّته التي من دونها يتعذّر بل يستحيل الحديث الواعي عن أي شيء في عالمه؛ ولأن حياة الإنسان، ثانيًا، هي ما تحتفي به تلك الرسائل، وعندها ينتهي اهتمامها وعنايتها، وهي المحور الذي يستقطب ويستتبع ويسخّر كل ما في عالم الشهادة لحفظها أو لاستمرارها في الرقي والترقي بما يليق بخليفة الله على الأرض.
فلحياة الإنسان كل ما ينهض به، وما يدافع عنها، وما يسهم في الحرص عليها، وما ينير أمامها سواء الصراط، وما يمكّنها جزئيًا أو كليًّا من ظروفها. وإذا خلصت النيّات للخير والحق والجمال والعدل، واقترنت بالأعمال الصالحة والأفعال الحميدة، ابتعدت عن الذهن سبل الشر والباطل والقبح والظلم… كل هذا وذاك لأن حياة الإنسان تتبّوأ، في عالم الشهادة، الأهمية والمكانة والقيمة الأرفع والأعز والأجمل والأكمل والأكرم بما لا يدانيها شيء من حيوات غيره. ولكونها كذلك وتأكيدًا لما هي عليه من علو القيمة الفريدة، فقد جعل الله قتلها بغير حق معادلًا لقتل الناس جميعًا، كما جعل إحياءها مساويًا لإحياء الناس جميعًا، على حد ما ذهبت إليه وأخبرتنا به الآية:
﴿-مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا –﴾(المائدة:32)؛ كما أباح لهذه الحياة المحظور لإنقاذها من الهلاك في حال لم تُتَحْ لذلك المباحات، لعظم شأنها، حيث جاء في الآية﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(البقرة:173)؛ ولقد كرّم الله الناس وحملهم في اليابسة والبحار، ورزقهم من الطيّبات وفضّلهم على كثير من خلقه، كما أخبرت الآية:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾(الإسراء:70). أضف إلى ذلك أننا سمعنا في التراث الفقهي أن “صلاح الأبدان مقدّم على صلاح الأديان”.
إننا نرى، في هذه المقولة علاوة على صحتها لجهة تقديم الأبدان على الأديان بشأن الصلاح، أن الأبدان شرط ضروريّ لقيام الأديان، لأنّه إذا فسدت، ذهبت بفسادها العقول، وبالتالي لا تجد الأديان سبيلًا إلى ما تقوم به، فضلًا عن ضياعها…
2-3-الدين يرفض الاستبداد ويطلق إعمال العقل: إن الموضع السليم للدين الذي تبيّن فيه أنه في خدمة الإنسان، ورهن إرادته وحريّته المسؤولة، وأن الإنسان هذا هو الأحق به دون منازع، وعنده تنتهي غايته، ان هذا الموضع يقتضي منّا إلقاء المزيد من الضوء عليه تبيانًا لسويّة وجهة الدين، وأصالته الرائعة في ما يتعلق بسياسة القمع والظلم والإفساد والطغيان، وبتكبيل العقل خلافًا لجوهر رسالة الإسلام. فماذا عن الدين بشأن الاستبداد وتقييد العقل؟
2-3- أ- الدين يرفض الاستبداد: إننا لا نطيل الكلام في هذا المقام لنقول إن الاستبداد لا يقرّه الإسلام، وإنه دخيل عليه برذيلة “الحكم المتغلّب” الذي ينفرد بالحكم غير آبه بغير ما أخذه إليه هوى السلطة من إفرازات الاستبداد من قبيل الفساد والظلم والاعتداء والطغيان، ومن استتباع للدين الذي رضخ بالترغيب أو الترهيب أو بكليهما، والذي تحوّل إلى غير موضعه السليم يبرّر الاستبداد ويتواطؤ مع “الحكم المتغلّب”، ويسفّه إعمال العقل في غير النقل، الأمر الذي يسهّل على الحكم قمعه، وينحرف بجوهر الدين وأصالته المشرقة،إلى ما هو سائد وشائع فيه وبين أهله على الرغم من تركيز الإسلام على الحكم بالحق والعدل ورفض الاستبداد وكل إفرازاته بنصوص قرآنية واضحة لا لبس فيها. فلنتأمّل في الآيات المعنية التالية:
- إن الله يأمر بأن يسود الحكمَ الحقُّ والعدل وهما يتناقضان مع الاستبداد وإفرازاته وفقًا للآيتين: ﴿-فَاحْكُم بَينَ النًّاس بالحقّ-﴾ (ص:26) و﴿-إذَا حَكَمْتُمَ بَينَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بالعدل-﴾ (النساء:58).
- إن الله ينهى عن اتّباع الهوى في الحكم وعن الفساد في الأرض ولا يحب المفسدين، كما ينهى عن الاعتداء ولا يحب المعتدين، مصداقًا لما جاء في الآيات التالية:﴿-فاحْكُم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى-﴾ (ص:26) و﴿- وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾(القصص:77)، و ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (البقرة: 190).
- وأما الظلم فلا يريده الله بالناس؛ وأما الطغيان فقد جعل مأوى من يأتيه نار جهنّم تبعًا لقوله تعالى في الآيات: ﴿-وما اللهُ يُرِيْدُ ظُلْمًا للعالمين﴾(آل عمران: 108)، و﴿فَأَمّا مَن طغى، وآثَرَ الحياة الدُّنيا، فإنّ الجحيمَ هي المأوى﴾(النازعات: 37و38و39)…
وبعد، أليس للمرء أن يستهجن ويستفظع كيف يستكين أهل الإيمان بالإسلام لمثل واقع الحال المزري هذا، وكيف يستكينون عن وضع الإسلام في موضع شوّه موضعه السليم المشرق الذي تضعه فيه تلك النصوص القرآنية الجليّة والبيّنة والواضحة؟!
2-3-ب- الدين يطلق إعمال العقل: بادئ ذي بدء، يجب أن نفيق ونعترف بأن اتّهام الدين بحبس العقل، ما هو إلاّ تعمية لأبصارنا، وتضليل لبصائرنا، لأنه، في الأساس، ليس الدين هو ما يجعل من ذاته سجنًا أو مأسرًا لإعمال العقل، ليس هو الذي يكبّل هذا العقل ويقيّده ويحدّه في إعماله. إنما هو كلّ من “ذوي الفهم البشري المختلف المتعدد المتألّه له” حيث يصادر هويّته ويجعله حبيس إعمال عقله في ما يزعمه من صحة في الرأي، ودقّة في المنطق، وصواب ويقين في المعرفة، وحقيقة شارفت الكمال إن لم تزعمه. ثم إنه ينكر كل ذلك على سواه بنحو يتجاذبه الاعتدال والتعصّب والتشدّد والتطرّف والتكفير… ويتماهى الإسلام في المذاهب والفرق والجماعات والحركات والأحزاب والتيارات التي لا تبقي على شيء منه سوى ألفاظ تنتهي إلى اسمه بصلة ما.
إن الدين، على عكس ما هو سائد وشائع، يطلق إعمال العقل. ومن الدلائل الدامغة على ذلك، تعدّد وتنوّع السجون والمآسر التي ينشئها ذوو “الفهم المتأله” للإسلام، والتي ترسم لإعمال العقل الحدود والقيود المختلفة والمتباينة والمتضاربة والمتناقضة، علمًا بأن ذلك كله يتمّ بإعمال عقل بشري يعتبر ما يبلغه، بوعي أو بغيره، هو ما يريده الله ورسوله في الإسلام على الرغم من كونه وجهة نظر بشرية ليس إلاّ. فالمطلوب، إذًا، هو إعادة الاعتبار إلى إعمال العقل في موضعه السليم بتحريره من السجون والمآسر المذكورة حتى يبقى الإنسان جديرًا بما كلّفه به ربّ العالمين، وأهلا لما انتدبه إليه في استخلافه إياه في الأرض، ما يشكّل “خرقًا ما” من أجل استرجاع الهوية “للإسلام المحمدي” من المتاهات المقفلة لفهمه المتألّه.
2-4-الدين يتمظهر انتقائيًا مع الإنسان وبه: لعلّ قصر تمظهر الدين على معيّة الإنسان في ما يريده، وتجليه في سلوكه وحياته في ما يرغب فيه، ويمتّ بصلة أو بأخرى إلى ما يعنيه، ويهتم به في عالم الشهادة، لعلّه يعبّر خير تعبير عن المدى الذي يكون فيه الدين في خدمة الإنسان. ذلك أنه من دون الإنسان يتعطّل تصوّر وجود الدين، كما يستحيل أن يكون هناك معرفة به.
لذلك، ومرة أخرى، يمكننا أن نتأكد من أن الدين كان مفعولًا لأجل الإنسان وخدمته. أضف إلى ذلك أن الأماكن والمقامات المقدّسة كلّها، والخاصة بكل دين، تعبّر عن تمظهره مع أتباعه وبهم، وترمز في آن واحد إليه وإليهم. كما أن أداء الأتباع مناسكهم وشعائرهم المقدّسة أيضًا، لا يخرج في الممارسة عن دائرة التعبير عن إيمانهم وتصديقهم أنهم على الصراط المستقيم الذي يكسبهم الدنيا بالطاعة والخشوع والورع والتقوى والعمل بأحكام الشريعة، فضلًا عن أنه يعبّد لهم الطريق السليمة البالغة بهم كسب الآخرة.
أما الآن، فما وراء إيرادنا لفظة “انتقائيًا” في العنوان؟ أهو للتدليل على حال تمظهر الدين فحسب؟ أم إننا نرى فيه قاعدة إجرائية لا بدّ منها في التعامل مع الدين، كل الدين؟ وهل ما ينسب إلى الانتقائية من سوء أو سلبية يقلّل من شأنها الإجرائي؟ فإلى ما نريد تبيانه أو تأكيده في ثنايا هذا التساؤل.



