محليات سياسية

‫لبنان الواقع.. ولبنان المرتجى‬

عبد الناصر طه/ لبنان

‎خاص “المدارنت”..

شكلت انتفاضة ١٧ تشرين الأول علامة فارقة في الواقع السياسي اللبناني الراكد منذ عهود, المستسلم لمحاصصة طائفية ومذهبية على امتداد الوطن, وفي ظل سيطرة حيتان المال على مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية, في صورة تمثل الجشع بأقذر أشكاله, اذ لا اعتبار للمواطن سوى فرد في قطيع يقوده الراعي الى حيث يريد, مقابل فتات يُرمى اليه حينا, ووعود كاذبة في معظمها أحيانا.

‎‫وما يجب التوقف عنده, أننا أمام شعب وجد في الانتفاضة فرصة، ليقول ما لم يجرؤ على قوله من قبل, فالتغطية الإعلامية الواسعة للانتفاضة دفعت المهمشين والمقهورين لإطلاق صرخة، كانت حبيسة القهر الطائفي والمذهبي على حد سواء, فخرجوا على غير هدى, يقولون للطبقة السياسية الحاكمة: أنتم في واد ونحن في واد آخر؛ وأمام صرخاتهم المؤلمة اختفى أهل العقد والحل, من رجال سياسة ورجال دين,في أغلب ممارساتهم كانوا يتاجرون بهموم الناس ومصائبهم.

والموضوع الآخر شديد الأهمية والحساسية، هو انتفاضة جيل الشباب الذي سئم من الأغاني والشعارات الوطنية الكاذبة, وأظهر البوْن الشاسع بينه وبين جيل السلطة، الذي ما يزال يعيش في عصور صارت ظلامية في نظر الجيل الجديد.‬

‎‫انه صراع الأجيال, أجل, ولكن!‬ ‎جيل الشباب, الذي انتمى الى تيار الحرية والسيادة والاستقلال في جهة معينة؛ والى تيار الكرامة والمقاومة في جهة أخرى, وجد نفسه فجأة أمام غول الفساد يأكل حاضره, وأمام ظلام سيقضي على ما تبقى له من مستقبل, فساد سياسي اداري قضائي أمني, شكل ملعبا رحبا لأصحاب الشعارات الوطنية, فكانت اللعبة الكبرى امام ناظريه, تسابقا وتدافعا لنيل جوائز اللعبة وتقاسم الكعكة, وأمام أنظار القوى التي يفترض انها تشكل السد المنيع في وجهه طوفان الفساد, وهكذا, افترق الطرفان عند نقطة لم يعد الرجوع عنها هيّنا, فالحيلة لم تعد تنطلي على احد, والتسويات في مجملها لا أخلاقية وذات ابعاد مصلحية, لا تقيم وزنا, لا للوطن ولا للمواطن.‬

‎‫من هنا, نحن أمام مفترق طرق ليس كما قبله, فالشباب أمام خيارين: الأول هو الهجرة الى امكنة بعيدة, بحثا عن عيش حرّ كريم, ووطن بديل, والثاني هو أن يشاركوا في السلطة للمساعدة في تنظيف وزاراتها واداراتها مما علق بها من ارداف وأوساخ، وذلك لن يتم بين ليلة وضحاها, وقد لا يصل الى الهدف المنشود.

وفي كلتا الحالتين, فلا شك أن الوطن سيفقد جزءا كبيرا من طاقته الشبابية, ويقذف بها الى أوطان أخرى قد تستحقها؛ لتأتي بعد زمن طائفة تتباهى بأولادها المهاجرين-المهجّرين, وبنجاحاتهم وابداعهم في دول أخرى.‬

‎‫والنقطة الثالثة, وهي على درجة عالية من الخطورة, وهي اصطفاف من يسمون رجال الدين, مع الفاسدين من طوائفهم, وناهبي المال العام, وغيابهم عن حقيقة النبض الشعبي الذي يقود العالم اليوم؛ وأغرب ما فيهم سرعة تقلبهم مع رياح السياسة ما يرتد سلبا على الدين نفسه, لانهم-ظاهرا-هم يحتكرون النطق باسم الله وباسم الأديان- وذلك سيؤول حتما الى الاصطدام بتطورات العلم, وثورة عالم التواصل الاجتماعي, والثقافة العالمية- فلا دين يستطيع التقوقع بين طيات كتب المتقدمين والمتأخرين, بينما أصبحت المعلومات مجانية لمن يشاء.‬

‎‫فالمرتجى اذن, والسفينة تكاد تغرق بمن فيها, أن نستمع الى صوت المقهورين المهمشين قبل كل شيء, ونعطيهم حقهم كما تستوجب المواطنية؛ كما أن نعطي الشباب دورهم في قيادة الشأن العام في إدارات الدولة ومؤسساتها بما لا يقل عن نصف العدد المطلوب.‬

‎‫كما نطلب من رجال الدين، الوقوف الى جانب المقهورين المظلومين, وشباب الوطن الحائرين.‬  يقول الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام):‬ ‎‫”لا خير فينا ان لم نقلها, ولا خير فيكم ان لم تسمعوها”.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى