آخر العنقود..!

خاص “المدارنت”..
لا أعلم لماذا أشعر بالحنين، عند سماعي أغاني من حقبة الثمانينيات، وعند شعوري بهذا الحنين، أفقد معايير قد وضعتها لنفسي، لسماع أغانٍ أصنّفها بالجيّدة.
لست موسيقيًّا، ولا أفقه بعلم الموسيقى، لكنّي مُحترف “إصغاء”. أي نعم، فعملي كمُدرّب في مجال التواصل اللاعنفي، جعلني أحترف الإصغاء كأداة أساسيّة لتكريس التواصل اللاعنفي.
ولم أستطع علميًّا أن أُثبت بأنّ الحنين، يكسر معايير يُقاس بها الفنّ الراقي. وكم كنت سعيدًا منذ فترة، حين وجدتُ بالصدفة إذاعة “جبل لبنان”، وكانت لا تبثّ سوى أغاني حقبة الثمانينيات. والمُلفت بأن هذه الأغاني التي كانت تروق لي، لم أكن أستمع إليها أبدًا في ذلك الحين. فقد فتّحت أذُنيّ منذُ الصغر على الأغاني الرحبانيّة الفيروزية.
بالطبع، كان الفضل للبيت الذي نشأتُ فيه، وكأنّ التربية بالنسبة لوالدي، هي تهذيب الذوق الفنّي القِيمي، وكان هذا كفيل بطرد الابتذال الذي يمنع من تذوّق الفنّ والثقافة.
وما دفعني الى كتابة هذا المقال، هو كمّية التعليقات السلبيّة و”الحنينيّة” التي تدفّقت على “الفايسبوك”، عند موت الرحباني الثالث “إلياس”، ومن المعروف بأن “لا شماتة في الموت”، لذا أودّ أن أكتب من وجهة نظري عمّا أزعجني بالطريقة الخاطئة التي تناول بها أصدقائي “الفايسبوكيين”، ولستُ بصدد تقييم الأصدقاء، ولستُ مُخوّلاً لفعل ذلك.
لكنّ خبرتي في مجال التواصل اللاعنفي، تخوّلني لأعلن أن “معشر الفايسبوك”، النوع السلبي بشكل عام، ولا يعنيه مقولة أن لا شماتة في الموت، فيتحفنا بإطلاق معلومات سلبيّة يملكها عن الراحل الياس الرحباني، وكأن رحيله ذكّرهم بما يعتقدونه سلبيًّا. فهم لا يفقهون بأن عالم الفن يقع ضمن دائرة “تدوير”، وهذا التدوير هو أمر صحّي، ويسهم في استمرارية رحلة الفن. فقد درست “الرسم” في معهد الفنون الجميلة، وكنّا ننسخ لوحات المشاهير من الفن العالمي لنتعلّم مفردات الفن.
ولا أرى عيبًا في استساغة بعض الألحان وتوليفها لتناسب ثقافتنا الشعبية وهويّتنا الفنيّة. وجديرٌ ذكره بأن مشكلتنا تمامًا هي هويّة مقسّمة، استرخى كل قسم منها على ثقافة خارجيّة، تناسب أيديولوجيا تتبعها الجهة المسيطرة على المنطقة التي يقطن بها. الحنين يا أصدقائي هو مَلَكَة دماغيّة موجودة في الذاكرة، وتُصدر سلوكًا – سلبيًّا كان أم إيجابيًّا – لكنّه يُشعر صاحبه بالراحة.
الانطباع الأوّل لدى قارئي هذه المعلومة هو الانزعاج، فكيف يكون المنتقدين السلبيين لـ “الياس الرحباني” تمامًا مثل المُعجبين (بشكلٍ أعمى) به. ولا أُعمّم، فقد لفتني مصداقيّة صديق افتراضي (فايسبوكي) بمحادثة حول تعليق كتبه، بأنّه سوف يكتب مقالاً عن “ثالث عنقود” الرحابنة من وجهة نظره كفنّان موسيقيّ.
هذا ما يعنيني، وعن لسان الثقافة الشعبيّة، فالمثل الشعبي يقول: “أعطِ خبزك للخبّاز..” ويقابل المعنى نفسه مقولة نُسبت للإمام عليّ: قيمة كلّ امرئٍ ما يحسن.
وبالعودة الى بداية حديثي، أسأل: هل تسقط قيم الحاضر أمام هيبة الحنين للماضي؟ فهل الحنين لأغنية أدعوها “مبتذلة” لأنها (برأيي) لا توافي معاييرًا قيّمة بالشكل والمضمون (اللحن والكلمات)، أستمتع بسماعها الآن؟ لا أعلم أن كانت الذاكرة مرتبطة بالعقل أم بالقلب؟ فالحنين بالنسبة لي هو مجرّد شعور، ولا علاقة له بالتفكير، والأفكار الذي ينتجها عمل الدماغ. وهذا يعني بأن أصدقائي الفايسبوكيين الذي أفاضوا بتعليقاتهم السلبية حول موضوع رحيل ثالث الرحابنة، قد أصدروا أحكامًا نابعًا من مجرّد إحساس لا أعلم سببه، لكنّه غير عقلاني، ولا يمكن الأخذ به على محمل الجدّ، إن أحكام الناس السلبية مُجرّد فقاعات تخرج عند فتح زجاجة مرطّبات غازيّة.
ومن ناحية أخرة، نشر أصدقاء (الإيجابيون) صورًا من ذاكرتهم (الافتراضيّة)، إمّا للقائهم بالفنان الراحل، أو للفنان الراحل في حال لم يصدف أن التقوا به. و”الحنين” في هذه الحالة، هو كالزيت الذي تصبّه كل فئة لتتناقض مع الأخرى، وتبتعد بالتالي عن الموضوعيّة والعقلانيّة في تقييم التجارب الفنيّة. إلياس الرحباني رحل وترك في ذاكرة الناس أثرًا أنتجته العائلة الرحبانيّة.
أطال الله عمر فيروز، التي تُمثّل بفرادة “هويّة” لبنانية وطنيّة يتناسل أفرادها “الانقسامات”.. وكما قال “جاليلو جاليلي”، عن لسان الرحابنة، ستغنّي فيروز دائمًا ورغمًا عن آذانهم: ..أنا عندي حنين وما بعرف لمين..!



