“آيا صوفيا” بين حسابات الدين والسياسة..

خاص “المدارنت”..
فجأة، تحوّل (آيا صوفيا) ساحة حرب دينية (مسيحية – اسلامية) عالمية باردة، انخرط فيها عدد غير قليل من رجال الدين والسياسيين، وأهل الاعلام والرأي، مما يرشحها لإرسال شرارات حروب ساخنة في المستقبل. وأكثر ما يبعث على الأسى والأسف، أن جميع هؤلاء لم يراعوا مرضاة الله الذي يتنافسون على زعم الاخلاص له، لأن الثابت في شرع الله أن هدم كل مساجد الارض بما فيها الكعبة، أهون على الله من إزهاق روح واحدة.
أي أن الانسان أولا، والحياة أقدس من الموت، والعنف والحرب. فما لهؤلاء وهؤلاء يشعلون نار الفتن، وينفخون في نار الحروب الدينية في وقت يزداد التطرف والهوس الديني من هؤلاء وهؤلاء، من دون أن يفكروا في المستقبل، وما يمكن أن تجره العصبيات الدينية على السلام والاستقرار والتعايش؟
والسؤال الذي نطرحه على حكماء تركيا وقادتها، بما فيهم الرئيس (رجب طيب) أردوغان: هل الشعب التركي تنقصه المساجد ليصلي؟ أم تنقصه الفتن والأزمات في علاقاته مع الدول الأخرى، عربية ومسلمة، أو مسيحية وغربية؟
لنأخذ عينة عشوائية من ردود الفعل الصادرة عن الجانبين، ونحللها، ونميز بين المصالح الدينية والدنيوية:
أولا – الرئيس التركي: هل كان قراره تحويل الصرح التاريخي مسجدا للصلاة خالصا لوجه الله، أم كان قرارا سياسيا بامتياز، و”ضربة معلم”، لسياسي انحدرت شعبيته حتى بات مستقبله السياسي مهددا، وبات حزبه على شفير هزيمة ساحقة في الانتخابات العامة القادمة، لا سيما في اسطنبول، حيث مُني بهزيمة مضاعفة في انتخاباتها البلدية العام المنصرم أمام أكرم إمام أوغلو، مرشح المعارضة المتحدة في وجه مرشح “حزب العدالة والتنمية” بن علي يلدريم رئيس الحكومة السابق! ولا يمكن فهم خطوة “آيا صوفيا” الآن، إلا في ضوء خطة الحزب الحاكم، لاستعادة رصيده في اسطنبول، تمهيدا للانتخابات العامة القادمة.
وهل من يشك بأن القرار استثمار مضمون وبدون كلفة كبيرة، في بورصة السياسة الخارجية يخدم طموح أردوغان، لأن يصبح زعيما لتيارات الاسلام السياسي في العالم، وفي الشرق الأوسط؟
لو كان القرار خالصا لوجه الله، لاختار أردوغان التقرب الى الله بإجراءات أهم من إعادة الصلاة الى “آيا صوفيا”، تتقدم عليها، ففي تركيا مفاسد أخطر تستوجب حظرها أو مكافحتها، لأن (درء المفاسد مقدم على جلب المنافع) كما تقول القاعدة الاصولية.
ثانيا – مفتي عمان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، لم نسمع له في الماضي صوتا في أي حدث خارجي، والمسلم الفطن الكيس يعلم أن تدخله ليس حباً بعمرو التركي، ولكن إغاظة لزيد السعودي وابن زايد الاماراتي، لأسباب تاريخية معروفة! ويتأكد هذا المغزى السياسي بالمبالغة في تمجيد أردوغان من رجل دين، كان يجب أن يتجنب في كل الأحوال نعوتا لا تليق بمفت، مثل قوله (القائد المغوار المحنك).
ثالثا – موقف بابا الفاتيكان فرانسيس، الذي انطوى عليه قوله إن (الألم يعتصره بسبب القرار التركي، هو موقف غير قابل للتصديق، في ضوء ما يزخر به التاريخ من مذابح بين الكاثوليك والارثوذوكس، وعلى الأخص في هذه المدينة العظيمة القسطنطينية، في مرحلتها البيزنطية، إذ خدع قادة الجيوش الكاثوليك حماتها، طالبين منهم السماح لهم بالمرور البريء عبرها الى الشرق العربي، للاستيلاء على فلسطين، فوافق حكام القسطنطينية، وفتحوا أبوابها لمرور القوات الصليبية، ولما دخلت بموجب عهد الأمان الذي قدمته، غدرت وفتكت بالمسيحيين الارثوذوكس، وجرت دماء الأرثوذوكس أصحاب البلاد، حتى غاصت خيولهم في دماء السكان، أكثر مما فعلوا لاحقا بالمسلمين في القدس ومدن الشام!.
وإذا شئنا عدم الابتعاد عن الحاضر، فلنعد الى حروب الكروات الكاثوليك والصرب الارثوذوكس في الامس القريب، في حرب البوسنة والهرسك، سواء في الحرب العالمية الثانية، أو في تسعينيات القرن الماضي.. إلخ، فكلها تثبت كراهية وعداوة الطرفين لبعضهما بعضا، أم أنهما يتبادلان الكراهية، ويحبّان الكنائس؟، أم أن حبّ “آيا صوفيا” هنا، تبرره وتحركه كراهية الطرفين المسيحيّين للترك المسلمين؟!
رابعا – يلاحظ أن الأزهر لم يتدخل سلبا أو ايجابا في المسألة، وكذلك مؤسسة الافتاء السعودية، وهو موقف يتسم بالحكمة والعقل بلا شك، لأن أي موقف، قد يسكب مزيدا من الزيت على نار فتنة لا ضرورة لها، ولا تخدم أحدا مسلما أو مسيحيا. وهي في جوهرها مسألة سياسية شعبوية بامتياز، لا علاقة لله جلّ وعلا شأنه بها.
خامسا – أما الكنيسة الروسية الارثوذوكسية، فأعربت بلسان المتحدث باسمها عن الأسف، لأن الرئيس التركي لم يصغ الى نداءات ملايين المسيحيين، الذين رجوه المحافظة على طابع “آيا صوفيا” الثقافي. ونعتقد أنه لولا العلاقات المميزة حاليا بين موسكو وانقرة، لكان رد فعل الكنيسة التي تحاول تسلم زعامة الأرثوذوكسية العالمية من اليونان، أقوى وأعنف، بالنظر الى ما بينها وبين العثمانيين من عداوة وحروب. السياسة هنا لعبت دورا مهدئا!
سادسا – الأونيسكو التي تعتبر منذ وقت طويل الصّرْح إرثا انسانيا مشمولا بحمايتها، أبدت اسفها، وطالبت باحترام طابعه الحضاري الانساني لجميع الأديان.
وعلى هذا المنوال انقسم آلاف الكتاب والمثقفين بين مندد ومؤيد. والعامل الرئيس معيار سياسي وقومي لا الروحي ولا الأخلاقي، فمن هم في بلاد حليفة لتركيا، أيّدوا، ومن هم في بلاد مناهضة للنظام التركي، عارضوا ورفضوا القرار. أما في تركيا، فاصطفت الأكثرية الساحقة وراء القرار لأسباب قومية، لا تخفى على ذهن المحلل، فالأتراك يعانون من عقدة احتقار الأوروبيين لهم، واقصائهم عن النادي الاوروبي المسيحي بسبب الاسلام، الأمر الذي يجعل قرار تحويل المتحف مسجداً شكلاً من اشكال الثأر، وصفعة لأوروبا، تندرج في مسلسل طويل من الفعل ورد الفعل بين الطرفين.
وقد شهد العقدان الأخيران، زيادة عددية ونوعية في الخطوات التركية للعودة الى الهوية الاسلامية، كانت لها ردود الافعال الحادة في أوروبا، ولا سيما في الدول القريبة كاليونان وقبرص وبلغاريا وصربيا والمجر، وصولا الى النمسا والمانيا. فهذه الدول تحصي وتسجل كل شاردة وواردة تتعلق بعودة تركيا الى الاسلام، وترى فيها خطرا على مستقبلها وأمنها، خصوصا، إذا تضافر هذا الاتجاه مع نمو عناصر القوة في تركيا، عسكرية أم اقتصادية أم دينية.
وعليه، فظاهرة اردوغان والأردوغانية، التي باتت توصف بالعثمانية الجديدة، ترفع درجات القلق والتوتر والاحساس بالخطر، من نزعة العودة الى الاسلام العثماني المحارب في تركيا وبرامج القوة، وسياسة التوسع الخارجي، والبعد عن العلمانية. وبالنسبة الى كل الأوروبيين، إن إعادة “آيا صوفيا” الى وظيفته الدينية ليست مجرد مسألة شكلية، تتعلق بالثقافة والتاريخ والعمارة، ولكنها أولا مسألة أمنية واستراتيجية، تحمل في ثناياها مؤشرات استفزازية ونوايا عدوانية، ورسائل من التاريخ، الذي لا يزال حيا وحارا في وعي الطرفين وذاكرتهم، فالامبراطورية العثمانية لم تكن حدثا عابراً يسهل تناسيه وإغفال مخلفاته.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل كان أردوغان يعي هذه العوامل والمؤشرات والرموز ويتعمدها، أم كان يجهلها أو يتجاهلها؟
لا نعتقد أنه يجهلها، ولكننا في نفس الوقت نعتقد أنه لم يحسب آثارها الضارة على المدى البعيد، وانعكاساتها على مصالح بلاده وشعبه وجالياته في الخارج. وهناك سابقة قريبة تدل على قصر نظره على هذا الصعيد، إذ أخطأ عام 2017، بالزج بالجاليات التركية في أوروبا في حمأة صراعه مع هولندا والمانيا والنمسا وفرنسا، واستخدامهم حَطباً ووقودا لحملته الحزبية والانتخابية، وصراعه مع الدول المذكورة، من دون حساب لمصالح أكثر من عشرة ملايين تركي يعيشون في اوروبا، أصبحت حكومات واحزاب هذه الدول تنظر اليهم كعملاء لبلادهم الأصلية، وطابورا خامسا في سياستها الشعبوية التصعيدية ضد اوروبا، ما يذكر بالماضي العثماني غير البعيد. وهناك سوابق اضافية في نفس الاتجاه، تهدد اوروبا بالعودة الى السياسة العثمانية.
كان على أردوغان وحزبه، تحييد الجاليات التركية عن معاركهما الداخلية والخارجية، وألا يهدد أوروبا بالعودة الى السياسات العثمانية، وأن يحافظ على سياسة السلام والشراكة وحسن الجوار معها، وعدم التضحية بما أثمرته خلال مائة عام السابقة من مكاسب وفوائد، إذ أن تركيا تدين لألمانيا وفرنسا وغيرهما، في بناء صناعتها ونهضتها الحالية، وازدهار اقتصادها.
“آيا صوفيا” مجرد رمز تاريخي بسيط، استخدمه أردوغان لتوجيه رسائل ضارة، وغير ايجابية أبدا، لا ضد العلمانيين والأتاتوركيين القوميين في الداخل، ولا ضد الأوروبيين في الجوار، لأنها تسترجع حقبة انتهت عمليا، ولم يعد لها وجود في الواقع الدولي. ولو اجرى الرئيس التركي حساباته بميزان الجدوى والمصلحة لتجنب هذه الخطوة ذات المردود الحزبي والشعبوي، بل والحضاري والاسلامي المحدود جدا.
فالحفاظ على حسن العلاقات مع اوروبا أكثر مردودية على تركيا والأتراك، وعلى الإسلام أيضا. وكان يمكن أردوغان تقديم رسالة أقل تحديا واثارة للاوروبيين والمسيحيين في العالم، وهو يدرك بلا شك وجود خمسين مليون مسلم في دول الاتحاد، يبنون مئات المساجد كل سنة، ويؤسسون آلاف المنظمات والشركات، ويعمقون جذورهم في هذه القارة، وعليه وعلى كل الدول الاسلامية في العالم أخذ مصالحهم بعين الاعتبار، في مرحلة تشهد تصاعدا خطيرا لموجات اليمين العنصري والتطرف والكراهية.
وما أصغر مصلحة الاسلام من عودة الصلاة الى مسجد “آيا صوفيا”، مقارنة بمصالح 50 مليون مسلم في دول الاتحاد الاوروبي؟ وكم هي مصلحة الأمة الأسلامية في هذه الحسابات من ربح “آيا صوفيا”، وما يحمله من رموز، مقارنة بمصالح الامة الاسلامية في السعي مع أنصار السلام والتعايش والتسامح، لإقامة عالم خال من الحروب الدينية والتطرف والعنصرية؟ هل يعلم أم لا يعلم أردوغان، بأن القوى الاوروبية التي انتصرت للمسلمين في دفاعهم عن الرسول الكريم، أثناء الحملة المعادية له قبل خمسة عشر عاماً، هي القوى المسيحية والكنسية؟ فلماذا نستفز هذه القوى..؟ ولماذا نبدد الجو الودي السائد الآن بيننا وبينهم، والذي يتسق مع خطاب الاسلام وتعاليمه في التعامل مع أهل الكتاب؟.
لماذا نخسر ما أنجزه الحوار المسيحي – الاسلامي خلال العقود الأخيرة، ونحن الطرف الخاسر أكثر من الطرف الآخر، إن عدنا الى أجواء العداء والصراع والكراهية..؟ لقد حقق الطرفان تقاربا كبيرا في العقود والسنوات الأخيرة، يعود الفضل فيه للطرف العربي/ الاسلامي، وكان آخر تجلياته، توقيع وثيقة الاخوة الانسانية (اعلان أبو ظبي)، بين الأزهر والفاتيكان عام 2019. ردا على اتهام الاسلام بالارهاب والتطرف، أليس هذا أفضل من العودة الى سياسة الشحن والتعبئة والتطرف بين الديانتين السماويتين، اللتين قال الله عنهما:
“لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ”.
ولا بد أن نلاحظ النتائج السريعة لقرار إعادة “آيا صوفيا” مسجدا، إذ أعطى ذخيرة حية للمهتاجين، ليطلقوا قذائفهم على أنفسهم قبل اعدائهم، بحجة أن ما اقترفه الاوروبيون في الاندلس وفلسطين والبوسنة وغيرها، من جرائم دمار وتخريب للمساجد ودور العبادة، يبرر لنا تهديم الكنائس، وهي حجة صحيحة طبعا تاريخياً، ولكنها قصيرة النظر، ولا تحقق سوى المزيد من سياسة الفعل ورد الفعل، وتعمق الصراع والكراهية، بينما نحن بحاجة لتعزيز التعايش والوئام، لأن أوروبا لم تعد مسيحية، بل أصبحت دارا للاسلام.
إن المصلحة والحكمة وروح الشريعة، كلها تدعم وتعزز سياسة التعايش والتسامح والحوار مع المسيحيين، قديما وحاضرا ومستقبلا، ولا تدعم سياسة تعميق الاستفزاز والاثارة والعداء والكراهية والعنف، عملا بقوله تعالى:
“وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. صدق الله العظيم”.



