مقالات

أديب.. والاعتذار المشرّف..

ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

 

لقد توقّعتُ مُسبقًا أن يعتذر الرئيس المُكلّف مصطفى أديب عن تشكيل الحكومة. ولا يدخل توقّعي هذا في علم التنجيم، فأنا لا أؤمن بعلم الفلك، الذي تحوّل إلى علم الحظوظ. وفي الواقع  أنا لا أدّعي خبرة في التحليل السياسي، حيث لا يكفي للمرء متابعة الأخبار اليومية ليكتسب مهارة التحليل السياسي. لكنّ خبرتي كما يعلم البعض، تكمن في علم التواصل اللاعنفي والتربية اللاعنفية، فهذا اختصاصي الذي أتابعه.

فمن منظور تربوي إجتماعي، ما تزال مُكوّنات الحرب الأهلية اللبنانية (التي بدّلت ملابسها)، تتفاعل بطريقة معروفة مسبقًا بين بعضها البعض، وبطريقة سلبية مُدمّرة للوطن،. والقصة تبدأ من الإستعمار الفرنسي، الذي عاد حاملاً مبادرة حلّ يناسب استعماره الذي إرتدى أزياءًا تناسب العصر.

والحل (مبادرة ماكرون) لم يلحظ بأن فئة من مُكوّنات الحرب الأهلية، رفضت الزي الفرنسي، فهي مزهوّة بزيّ فارسي، تغلغل في يوميّات الشعب المغلوب على أمره. فبعد الإنتصار في حربٍ ضدّ عدوّ لا جدال على خبثه وإجرامه، حمّلت نفسها هذه الفئة نيشان نصرٍ، ليكون شمّاعة ترفعها بوجه كلّ من يقول لها داخليًا: “لا أو يجب أن..”، فتُشهر النيشان بوجههم فورًا كخصوم مُفترضين. والنيشان أصلاً، الذي يحمله شهداءٌ من مقاتلين ضدّ العدوّ فقط، لم يعترف أحد بأنّه يستحقّ أن يكون أيضًا على صدور الشهداء الأبرياء من المواطنين، والذين طواهم النسيان، فهم لا يُذكَرون، ولا يُحكَى عنهم في المساحات الإعلاميّة العامّة، فقد أصبحوا صورًا تُزيّن جدران بيوت وقلوب أهاليهم فقط.

وحديثي ليس انتقاصًا من مهمّة نبيلة (مقاومة العدو)ّ، يقوم بها أي مواطن حقيقي ينتمي الى وطنه. بل أحاول البحث عن السبب الذي يدفع فئة اختارها موقعها الجغرافي والقِيمي، ليضعها في موقع حرب دائمة مع  العدوّ، كيف لهذه الفئة التاريخيّة جغرافيًّا أن تُعطّل تشكيل حكومة، من أجل تمسّكها بحقيبة وزاريّة؟ حقيبة تكثُر الشكوك حول من مرّوا عليها بفسادٍ، ظهر من خلال عجز دائم وقصور واضح في تنفيذ مشاريع، أُرسلت إليها أموالأً من أكثر من صوبٍ وحدب.. وتبخّرت.

وقد أتطاول في الحديث كما يظنّ القارئ، على السياسة. لكنّي أسأل عن “المواطنة”، المُصطلح الذي فقدناه منذ بداية الحرب الأهليّة (13 نيسان 1975)، فالحجة كانت حادثة “البوسطة” الشهيرة في منطقة تجمع طائفتين، لتكون تلك الحادثة المشؤومة، القشّة التي قصمت ظهر البعير. وبالتالي لتقضي على المواطنة، لا بل لترفع حيطان الشكوك بالآخر. وتبني “متاريس” سياسيّة وإجتماعية في زمنٍ ولّى فيه رفع السلاح بوجه الآخر. فاستبدل العالم الواقعي العنيف بعالم إفتراضي أعنف، لأنه يطال مساحة أكبر من الجماهير، تفوق بمئات المرّات ما يطاله الرصاص العشوائي.

وفي بداية حديثنا عن الإعتذار، ولماذا توقّعت ذلك، فمن باب المواطنة الذي فتحته، وكما يُقال: فاقد الشيء يعطيه. فكيف لفئة فقدت مواطنتها، أن تُعطي من هذه المواطنة المفقودة لرئيس مكلّف، كي يُمارس مواطنته بتشكيل حكومة، أقلّ ما يُمكن القول عنها أن تكون تكون حكومة مُتخصّصين، وغير محسوبين على أي فئة تنتمي إلى الطبقة السياسية الفاسدة.

إن منطق المُحاصصة، غلب محاولة “تَمنطُق” المواطنة، بصيغة السياسة البدائية التي يعرفها الشعب بأكمله: الرجل المناسب في المكان المناسب، مع التحفّظ حقوقيًا على احتكار المنصب للرجل فقط.

مصطفى أديب اعتذر، فأثبت بأنه احترم مواطنته، وحيّدها عن المحاصصة الطائفية، واتمنّى أن يأتي رئيس حكومة ثانٍ ،لا يخاف مكوّنات الوطن، مستندًا على مواطنة حقيقية، تجعلنا نُغنّي: بحبّك يا لبنان.. ولا نغنّي أبدًا: ع هدير البوسطة..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى