أفغانستان في خضمّ اللعبة الكبرى مجددًا!
“المدارنت”
استشهد الكاتب الفلسطيني، ادوارد سعيد، بالكاتب والشاعر البريطاني، رديارد كبلنغ، باعتباره مثالا عن كيفية بناء الأدب الغربي على أساس استعماري وكيف ساهم في ترسيخ السيطرة الامبريالية على الشرق من خلال أعماله.
عمّمت رواية كبلنغ، «كيم»، التي صدرت عام 1901، جملة «اللعبة الكبرى» لوصف التنافس الاستراتيجي والدبلوماسي بين الامبراطوريتين البريطانية والروسية في القرن التاسع عشر للسيطرة على أفغانستان، في ظل مطامع روسيا حينها للوصول إلى الهند، ومساعي بريطانيا لمدّ هيمنتها إليها.
تشهد أفغانستان، التي كانت «منطقة عازلة» بين الامبراطوريتين السابقتين، صراعا استراتيجيا ودبلوماسيا كبيرا، وكان مثيرا أن تبدأ أحداث عنف خطيرة بين أفغانستان وباكستان في اليوم نفسه لإعلان الرئيس الأمريكي ترامب وقف إطلاق النار في غزة في 9 تشرين أول/ أكتوبر الحالي.
بدأ التوتّر الأخير بعد مقتل 11 من جنود الجيش الباكستاني في اشتباك مع عناصر من حركة «تحريك طالبان باكستان»، وتقول إسلام آباد أن مسلحي الحركة يستخدمون أفغانستان كقاعدة للتدريب والتخطيط للهجمات عليها، وأن عدوّتها التاريخية، الهند، تقوم بتمويلهم ودعمهم.
كانت باكستان قد دخلت أزمة دبلوماسية وعسكرية مشابهة في نيسان/ ابريل الماضي بعد هجوم قامت به حركة تسمّي نفسها «جبهة المقاومة» في كشمير، المنطقة التي تسيطر عليها الهند، وتعارض باكستان هذه السيطرة، فاتهمت الهند باكستان بدعم الإرهاب عبر الحدود، وتطوّر الأمر إلى ضربات صاروخية وغارات وبعد إعلان من وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو، عدم التدخّل في النزاع، قام ترامب بالتدخّل فعلا وأعلن وقف إطلاق نار شامل.
جدير بالملاحظة أن المعارك العنيفة الأخيرة بين أفغانستان وباكستان تناظرت مع رفع الهند مستوى علاقاتها مع الحكومة الأفغانية وإعادة فتح سفارتها في كابول، لتنضمّ بذلك إلى 12 دولة لديها سفارات في أفغانستان، بينها الصين وروسيا وإيران وتركيا وباكستان نفسها.
إضافة إلى مثلّت التوتّرات والعلاقات الشائكة بين الهند وباكستان وأفغانستان، والذي يمثّل الحلقة الأولى الظاهرة في تأثير «اللعبة الكبرى» الجارية فصولا، فإن ارتباطه المعقّد بالمنطقة العربية لا يخفى، ويمكن تلمّسه في كيفية انعكاس تداعيات حرب غزة على ما يجري في جنوب وسط آسيا.
تحوّلت قطر، الدولة التي كان لها دور أساسي في الجغرافيتين الفلسطينية والأفغانية، إلى مركز الحدث، حين قامت إسرائيل في 9 أيلول/سبتمبر الماضي بغارة على عاصمتها الدوحة، في محاولة لاغتيال قادة «حماس». أدى هذا الهجوم المتهوّر إلى ردود فعل إقليمية وعالمية كبيرة ساهمت، ضمن سياق متعدّد المفاعيل، في عزلة إسرائيلية رسمية وشعبية متصاعدة عالميا، وفي تغيّر مهم في موقف الولايات المتحدة، مما أنتج وقف إطلاق النار في غزة. ساهم الهجوم الإسرائيلي على قطر، ايضا، في إعلان اتفاق، يوم 17 أيلول/ سبتمبر، يمنح السعودية حق الاستفادة من القدرات النووية الباكستانية.

كان ترامب نفسه قد أعاد قضية أفغانستان للجدل، في 21 أيلول/ سبتمبر، بمطالبته قادة طالبان الحاكمين بتسليم قاعدة باغرام للولايات المتحدة مهددا إياهم بـ»عواقب سيئة» إذا رفضوا، رغم أن إدارته، خلال ولايته السابقة، وقّعت في عام 2020، «اتفاق الدوحة» الذي تم بموجبه سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، وإعلان احترام الولايات المتحدة لسيادتها.
بإعلانه صراحة أن مقر القاعدة الجوية الشهيرة يبعد ساعة واحدة فقط من المواقع التي تصنع فيها بكين صواريخها وأسلحتها النووية، أعاد ترامب أفغانستان إلى وضعية «المنطقة العازلة» المتنازع عليها، ورماها مجددا في خضمّ «اللعبة الكبرى»، القائمة حاليا، في سعي الولايات المتحدة المحموم للسيطرة على العالم، والذي يمثّل الصراع مع الصين، والحرب في أوكرانيا، وإعادة صياغة الشرق الأوسط، عناصر رئيسية فيه.



