مقالات
“أكاكي أكاكيفيتش” والربيع العربي
د. محمد الحسامي/اليمنخاص “المدارنت”… “المعطف”.. قصة قصيرة للروائي الروسي الكبير “نقولاي غوغول”، نشرت في العام 1842م. لا يتجاوز عدد صفحاتها المترجمة السبعين صفحة,، لكنها تصوّر وبعمق شديد مأساة الإنسان البسيط والبائس، ممثلا ببطلها “أكاكي أكاكيفيتش”.
كان أكاكيفتش يحلم بالحصول على معطف، يقيه بردوة الصقيع، بعد أن ظلّ لسنوات عديدة يتدفأ بمعطفه القديم البالي والمهتري، والذي عجز كل الخياطين عن إضافة رقعة جديدة إلى رقعه العديدة، التي أضيفت إليه مرات ومرات، مما جعل صاحبه في وضع لا يحسد عليه، إما الاستمرار في لبسه، بما لذلك من آثار عليه، وإما شراء معطف جديد يقيه بردوة الصقيع، وهو موظف بسيط في إحدى الدوائر الحكومية، مرتبه لا يكاد يكفيه في سدّ رمقه من الأكل والشراب، وهو يعيش منفردا ووحيدا من الزوجة والأبناء، فما كان منه إلا أن يتخلى عن بعض من ضروريات الحياة اليومية، النوم من دون عشاء، والذهاب إلى العمل من دون فطور، ووجبة الغداء تكاد تسدّ رمق جوعه وتخفف منه,، عدم شرب الشاي وغيرها وغيرها.
تحمّل ذلك كله، حتى يستطيع توفير قيمة المعطف الجديد، , وبعد شهور عديدة استطاع ذلك الموظف، توفير قيمة المعطف وشراءه ولبسه، والذهاب به إلى مقر عمله، تغمره الفرحة والسرور والابتهاج بذلك المعطف، شاعرا بأنه حين إرتداءه وكأنه في ريعان شبابه، على الرغم من تجاوزه الخمسين سنة من العمر، متباهيا به أمام زملاءه في العمل ومفاخرا به، والذين دائما ما ينظرون إليه باستخفاف واشمئزاز، ويتعاملون معه بفوقية واحتقار.
وكان غوغول يقول عنه: “كان أكاكي أكاكيفيتش يسير في اشد مشاعره ابتهاجاً واحتفالاً، وكان يحسّ في كل ثانية من الدقيقة ان على كتفيه معطفه الجديد. وضحك بسخرية عدة مرات خِلسة؛ من فرط سروره الداخلي. ففي الواقع فائدتان: الاولى كونه دافئاً، والاخرى كونه جيداً”.
لكن الكارثة الحقيقية التي حلّت به، والمصيبة الكبرى التي كانت بانتظاره، لم تكن لتخطر على باله، فاثناء عودته من حفلة أقامها مرؤساً له، وهو يخطّ السعي للعودة إلى منزلة لكي ينام قليلا، حتى يصحى مبكرا للذهاب إلى مقر عمله، فجأة، يعترضه إثنان من اللصوص، فسلباه ذلك المعطف/الحلم، بعد أن سددوا إليه لكمات أفقدته وعيه، وبعد لحظات من فقدان الوعي، اسيتقظ ليجد نفسه في وسط الصقيع من دون معطف يقيه ذلك، وبأن حلمه قد تبخر في لحظة من لحظات صقيع روسيا القاسي، وهنا كانت الكارثة الحقيقية عليه.
قال غوغول واصفاً حالته: “احس كيف نزع المعطف منه، وجهت اليه ركلة وقع على اثرها في الثلج على ظهره، ولم يحس بشئ اكثر من هذا، وبعد بضع دقائق صحا على نفسه واستوى على قدميه. ولكن لم يعد احد موجوداً، لقد احس ان الجو بارد، وأن المعطف غير موجود، فبدا في الصراخ. ولكن بدا ان الصوت لا يبلغ اطراف الساحة، فنهض راكضاً مستميتا من دون ان يكف عن الصراخ”.
وبعد فترة وجيزة، مات ذلك الإنسان الفقير والمسكين وحيدا في غرفته، ويدفن من دون أن ينتبه لحياته ومماته أحد، ليظل كابوسا ليليا يؤرق ويفزع سكان تلك المدينة، التي عاش فيها ودفن وحيدا، ولكن إلى حين!
كلما تذكرت ذلك الإنسان ومعطفه (حلمه)، واعدت قراءة تلك القصة القصيرة، أحسست بأن كل منا هو أكاكي اكاكيفيتش، بمأساته ومعاناته وآلامه وأوجاعه ومقاساته اليومية، وكذلك بحلمه وطموحه وأمله بالخلاص من كل ذلك، والرحلة الطويلة التي قضاها في سبيل الوصول إلى تحقيق ذلك، وبالمصير الذي آل إليه، ويجعلني أقول لنفسي: إذا كان أولئك اللصوص قد سلبوا منه معطفه في ليل مظلم حالك السواد، من دون أن ينتبه إليه أحد بما نتج عن ذلك، ذلك المصير المأساوي الذي آل إليه، فإن ما تعرضنا إليه ليس سلبا بل اغتصابا وفي وضح النهار، وأمام مرأى ومسمع من الجميع ومنّا جميعا، حيث وقفنا وحيديون نعاني من ذلك الاغتصاب، غير قادرين على منعه أو التصدي له من دون أدنى مساعدة، من أولئك الذين وقفوا يشاهدون عملية الاغتصاب تلك، بل إن الأدهى والأمر الافدح والأشد فظاعة والاعمق إيلاما والأشد حسرة وتندرا والخيبة أملاً، أن بعض من أولئك الذين وقفوا يشاهدون عملية الاغتصاب تلك التي تجري علينا، هم أولئك الذين كنا نظن بأنهم أول المُنجدين لنا وأول المدافعين عنا وأول السباقين الى نصرتنا والدفاع عنا، وإذا بنا نجدهم من ضمن أولئك المشاركين في اغتصابنا، ومن لم يشارك منهم في ذلك، وقف ينظر إلينا متشفّيا بنا، ولسان حاله يقول لنا جهرا أو سرا مع نفسه: تستحقون ذلك وأكثر.
في تلك اللحظة، ينتابني فزع غريب، وهلع وخوف شديدين، مما نحن فيه وعليه، وممن اغتصبوا وما يزالوا يغتصبون معطفنا (ربيعنا)، ومن أولئك الذين وقفوا يشاهدون عملية الاغتصاب تلك، من دون أن يملكوا ويحسوا بأي وازع يردعهم، دينيا كان أم غير دينياً، ويجعلني أتسأل: ترى ما مصير كل أولئك الذين قاموا باغتصاب معطفنا، عفوا “ربيعنا” وشاهدوا ذلك؟! وهل بإمكاننا استعادته منهم؟ وكيف؟ أم أنه وجب علينا بأن نبدأ مجددا بتفصيل معطف جديد؟ أم أن مصيرنا سوف يكون مثل مصير صاحب المعطف؟!
يقول الروائي الروسي الكبير تيودور ديستويفسكي: “كلنا خرجنا من معطف غوغول”، ترى متى سوف نخرج نحن؟آه ثم آه ثم آه، لقد اغتصبوا معطفنا، عفوا، ربيعنا، لكنهم لن يستطيعوا النيل من أحلامنا وإرادتنا وعزيمتنا.
ونقول لهم أيضا: إذا كنتم قد استطعتم فعل ذلك، فلن يكون باستطاعتكم فعله مجددا، قد يكون بإمكانهم وباستطاعتهم قطف زهور وورود وثمار هذا الربيع.، والعبث بها وتشويهها، أو منعها من أن تينع وتثمر، لكن ليس بإمكانهم وباستطاعتهم منع الربيع من الحلول مجدداَ.



