مقالات

ألعرب بين نارين.. وجحيم صهيوني..

أحمد ذبيان/ لبنان
خاص “المدارنت”..
قبل الاسلام، كان العراق يرزح تحت الاحتلال الفارسيّ وبلاد الشام تحت الاحتلال البيزنطيّ لمئات السنين. كانت هذه الأرض، وشعوبها، عربيّة، منذ فجر التاريخ، قد تمّت السيطرة عليها من الفرس وغيرهم بعد معارك دمويّة كثيرة كان اخرها معركة غزّة، حوالي 600 قبل الميلاد، حيث انهزم العرب امام الحثّيّين وانكفأوا الى داخل الصحراء.
مَن لم يتعمّق كثيرًا في التاريخ، سيَستغرب عندما يكتشف بأنّ الشعوب التي سكنت الهلال السوريّ الخصيب وبلاد ما بين النهرين، كانت شعوبا عربيّة من الكلدانيّين والكنعانيّين والفينيقيّين و غيرهم. هذه الشعوب تعرّضت للغزو من قوى احتلال كثيرة رست اخيرًا، قبل الاسلام ببِضع مئات من السنين، على أمبراطوريّتين كبيرتين هما الفارسيّة و البزنطيّة.
نهض العرب، بعد أن اكرمهم و أعزّهُم الله بالاسلام، فانطلقوا لتحرير أرضهم المحتلة من أجل تشكيل الكتلة البشرية والجغرافيّة القادرة على حمل رسالة الاسلام ونشرها في كلّ اتجاه من و صوب.
تلك الانطلاقة العظيمة أدّت الى سقوط الأمبراطوريّة الفارسيّة، في سنوات قليلة، تحت ضربات الجيش العربيّ المسلم، وإلى انحسار الامبراطوريّة البيزنطيّة وخروجها من بلاد الشام كلّها.
استمرّ العرب بعد ذلك بفتح البلاد، في كلّ جهات الأرض، ونشر الدين الجديد، ورفع الظلم و اقامة العدل ممّا جعل كلّ اشعوب المقهورة تستقبلهم، بالفعل، استقبال الفاتحين المخلِّصين الذين طال انتظارهم.
لا شكّ أنّ آلاف المعارك التي خاضها العرب، في التحرير والفتح أحدثت كرهًا لهم، وحقدًا عليهم عند القوى الامبراطوريّة، التي كانت تسيطر على بقاع العالم في ذلك الزمن.
أسّس العرب المسلمون سلطات عديدة مترامية الأطراف، ولم يتسنّ لهم تأسيس دولة، بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، بسبب انشغالهم بالفتح ونشر الاسلام وتثبيت دعائمه.
انتقلت السلطات من قوى الى قوى، بقوّة السلاح، الى أن استولى العثمانيّون عليها في عام 1516 فنقلوا عاصمة السلطة الى بلادهم، التي هي تركيا اليوم، وتصرّفوا مع العرب كمستعمرين وأسياد، ممّا وضع المنطقة برمّتها في عملية اخضاع وخضوع لأربعمئة سنة متتالية.
استغلّ العرب، بقيادة الشريف حسين، ظروف الحرب العالمية الأولى للتخلّص من نير الاتراك الذين ظلموهم وقهروهم وعاثوا فيهم فسادًا وتجهيلًا لمئات السنين.
لكنّ القوى الاستعماريّة لا تختلف عن بعضها؛ فقد استغلّ الاوروبيّون انتصاراتهم في الحرب للبقاء في ارض العرب وتقسيمها الى كيانات سياسيّة و أمنية ضعيفة زارعين في وسطها كيانًا صهيونيًّا غريباً يهدف الى تحقيق امرين استراتيجيّين:
١ – بذور اقتتال دائم بين الكيانات العربيّة المختلفة.
٢ – وجود قوّة صهيونيّة مدعومة من الغرب للقضاء على ايّ امل للعرب في الوحدة و التقدُّم.
واجه العرب تحدّيات قيام الكيان الصهيونيّ المغتصِب لفلسطين بأربعة حروب، و واجهوا تحدّيات التجزئة بمحاولات للوحدة العربيّة كان اهمّها دولة الجمهورية العربيّة المتّحدة، التي جمعت مصر و سوريا، بقيادة جمال عبد الناصر.
بدأ المدّ الوحدوي العربيّ بالتراجع، فور غياب عبد الناصر في 28 ايلول 1970، الى أن انتهى في السنوات الأخيرة الى سلسلة من الاقتتال المدمِّر لعداة شبه محتلّة من قبل ايران وتركيا وروسيا، بغطاء أميركيّ ايضا.
تحوّل الصراع العربيّ الصهيونيّ، نتيجة اتفاقيّات كامب دايفيد وأوسلو و وادي عربة، الى نزاع على مسائل و تفاصيل أفقدت القضية الفلسطينيّة والقضيّة العربيّة جوهرها ووهجها وقوّة الدافعيّة التي تمتّعت بها ايام الخمسينيّات والستّينيّات من القرن العشرين.
أدّى كلّ ذلك، والظروف الاقليميّة و الدولية التي نشأت في مرحلة ما بعد جمال عبد الناصر، الى بروز الاطماع الايرانيّة والتركيّة، القديمة المستجدّة، بشكلٍ علنيّ وصارخ تمَثَّلَ في شبه احتلال ايرانيّ للعراق واجزاء من سوريا واليمن والى شبه احتلال تركيّ في شمال العراق وسوريا وليبيا.
لم يعُد ذلك سرًّا خافيًا على احد؛ لانّ المسؤولين الايرانيّين يصرِّحون به علنًا وباستمرار – وكذلك المسؤولون الأتراك الذين ارسلوا جنودهم بشكل رسمي الى شمال سوريا وشمال العراق و غرب ليبيا – عدا عن قاعدتهم في قطر وفي ايّ مكان في ارض العرب يستطيعون الوصول اليه .
أمام هذا المشهد العربيّ المشتَّت والضعيف، الذي استغلّه الايرانيّون والاتراك الى ابعد الحدود، تقف اسرائيل زاهيةً مستقِرّة ناهضةً فرحةً وسعيدةً تأمل بمستقبل سيقتتل العرب، فيه، مع بعضهم البعض ومع الفرس و مع الاتراك، لعشرات السنين – إن لم نقُل لمئاتِها!
هنا، نحن أمام عالم عربيّ غارق في الفوضى بين نيران جيرانه من الشرق، ايران وتركيا، اللتين تحاولان تصفية حسابات تاريخيّة لا تخلو من الأحقاد الدفينة و الاطماع الاستعماريّة، وبين جحيم المشروع الصهيونيّ المتمثِّلِ بالكيان الإسرائيلي المغتصِب الذي يهدِّد الوجود العربيَّ جملةً وتفصيلا.
يبقى ان ننوِّه بانّ الحلّ الوحيد للخروج من هذا المشهد، العاصف بالأحداث القاهرة، هو تضامن العرب وتجمُّعُهُم حول مشروع يتوافقون عليه لاستعادة زمام المبادرة والنهوض للحفاظ على وجودهم واستعادة حقوقهم و وضع حدٍّ لتكالُب الجيران ومشاريع الأعداء.
========================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى