مقالات
أميركا بين الأوهام والحقيقة..!
خاص “المدارنت”..
تأسست الولايات المتحدة الأميركيّة، على أنقاض “ممالك” الهنود الحمر، بعد حوالي ثلاثمئة سنة من حروب الالغاء الدامية والمجرمة، التي شنّها المستوطِنون الأوروبيّون، والتي قضت على سكّان البلاد الأصليّين، ووضعتهم في مخيمات اللجوء و”معسكرات الحجز”، الى ان تشكّلت أكبر واعتى قوّة عسكريّة واقتصاديّة وأمنيّة في التاريخ البشريّ كلَّه..
قامت الولايات المتّحدة الأميركيّة، بالحديد والنار وشلّالات الدماء الهادرة في جوف التاريخ، وفي مسامع البشريّة الى يوم الدين. لكنّ تلك الدولة المترامية الأطراف، جغرافيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا وثقافيّا، لم تبنِ ذاتَها على عجل؛ بل عصَرَ “رُوّادُها” نظامَها السياسيّ – الفريد من نوعه – من خلاصة التجربة البشريّة، التي بلغت ذروة انتاجها الفكريّ في أوروبّا عشيّة تشكيل الولايات المتّحدة الأميركيّة.
هذا النظام، وُجِدَ ووُجِدَت معه آليّات استمرار الدولة، وبقائها بكلّ مقوِّماتها الجغرافية والبشريّة؛ وعلى الرغم من كلّ التحليلات والدراسات والآراء التي تنظِّر لتقسيم تلك البلاد، كما تفتَت الاتحاد السوفيتي السابق، او تتمنى حدوث ذلك، فإن الولايات المتّحدة الأميركية غير قابلة للزوال – كما يرى الكثير من الناس. ليس لأننا نؤيِّدها ونتمنّى الخير لها ولأمبرياليّتها الأمبراطوريّة الغاشمة، انّما للدخول في التحليل المنطقيّ لوضع هذه البلاد الغريبة العجيبة، نشوءًا وتكوينًا وتعاظُم قوّة وازدهار وتراكُمَ ثروات وأمجاد..
إنّ سرَّ بقاء واستمرار دولة الولايات المتّحدة الأميركيّة، يكمن في دستورِها وآليّات التصحيح المُتَضَمَّنَة فيه، والتي تجعل “الحُلُمَ الأميركيَّ” قابلًا للتحقيق والتطوُّر والنهوض، عبر الزمن والأحداث وتقلُّب الظروف وصراع الدول والشعوب.
هذا الدستور، جعل من “مئات الشعوب المستوطِنَة”، والمختلفة الأعراق والقوميّات واللغات والألوان والثقافات، شعبًا واحدًا، يعتزُّ بالانتماء الى هذه الدولة، الذي يعتبرها أقوى وأفضل دولة عرفها التاريخ الانسانيّ.
هذا “الأميركيّ”، الذي رأى انجازات بلاده – كما هي – أمام عينيه، ويرى اخفاقات بلاد غيره، بسبب الصراعات والتظالم والتقاتل، لن يُقدِمَ على حفر قبره بيديه، وهو يشهد قبور الشعوب الأخرى – حول العالم – تحتلُّ الشاشات، وتضيق بها مزابل التاريخ – على اتِّساعِها.
جاء “ترامب”، وحاول، بعنصريّته الواضحة، ان يحرِف “المُعادَلة الأميركيّة” الداخليّة، القائمة على الحرِّيّة والديموقراطيّة والابواب المفتوحة لجميع سكان البلاد، من دون تمييز بينهم، لتحقيق أحلامهم – حسب قدراتهم – فلم يقدر على رفع “قشّة عن قشّة” في هذا التراكم الاجتماعيّ الثقافيّ المتين، فذهب الى جُحرِهِ، حيث سيكون أمثلولةً لكلّ من تسَوِّل له اوهامُهُ العبَثَ بهذا “المارد” التاريخيّ الكبير!
ألولايات المتّحدة الأمريكيّة، كدولة، تبقى وتستمِر، تقوى وتضعف – حسب الظروف – وتغنى وتزيد غنًى – كذلك حسب الظروف. لذلك على مَن يراهِن على زوالها أن يستثمر الوقت والجهد في بناء بلده – كلّ من موقعه – ويطرحَ الاوهام جانبًا، ويحاول أن يحجزَ مكانةً لبلاده في قائمة البلاد التي لم يقضِ عليها أبناؤها، ويتّهمون – زورًا و بهتانًا – كلَّ أشكال المؤامرات من عاتيات الزمن وأخواتِها وجيرانها.
========================






جميل جدا