مقالات

أنور السادات و”نكبة” الناصريين..

أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”..

عشيّة 28 أيلول 1970، كانت المنطقةُ العربيّةُ تزخرُ بالأحداثِ المتسارِعَة منذ حرب الاستنزاف، التي كان يخوضها الجيش المصريّ ضد العدوّ الصهيونيّ، وبعد سلسلة من عمليّات خطف الطائرات، التي كان يقوم بها فدائيّون فلسطينيّون بقصد شدِّ انتباه العالم الى قضيّتِهِم، وبعد حرب الملك حسين، ملك الأردن، التي شنّها لاقتلاع الثورة الفلسطينيّة من جذورها، التي كانت قد تعمّقَت في مختلف أنحاء الأردنّ – من خلال المذابح والتدمير المُمَنهَج لكلّ بُناها العسكريّة والامنيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة.

كلُّ ذلك، وغيره، استدعى عقد قِمّة عربيّة طارئة، في القاهرة، بطلب من جمال عبد الناصر، في أواخر شهر أيلول 1970، من أجل وقف النزيف الفلسطينيّ في الأردن،  ومحاولة إنقاذ الثورة الفلسطينيّة من الانهيار والزوال، على أيدي الملك حسين ومَن وراءَهُ من القوى الاوروبِيّة وأميركا وإسرائيل.

كانت كلّ تلك الأحداث، تلتفُّ حول عنُقُ التضامن العربيّ، والاستعدادات الحثيثة لإزالة آثار العدوان – من تدريب الجيوش ومواصلة التنمية الشاملة، وإعداد الجبهات الداخليّة والخارجيّة، وتعبئة الرأي العام الذي بدأ يترهّل على أثر الهزيمة المرَوِّعة التي سدّدَت ضربةً موجعةً للنضال العربيِّ كلِّه.

إنتهت القمّةُ العربيّة إلى قرارات بوقت مذابح أيلول الأسود، ضد الفلسطينيّين في الأردن، لتستيقظَ على مفاجأة العصر، التي لم يكن لأحد أن يحسب لها حساب؛ فقد غاب جمال عبد الناصر، بعد انتهاء القمّة مباشرةً، فساد الصمتُ والظلام، وتوقّفت عقاربُ ساعةِ المشروع القوميّ العربيّ إلى ما شاء الله.

إستلم أنور السادات قيادة مصر بعد رحيل جمال عبد الناصر، باعتباره كان نائبًا للرئيس في دولة مؤسّسات، فأوهَمَ الجميع – بمن فيهم أركان السلطة – بأنّه سيَسيرُ في طريق سَلَفِهِ، ويحمِلُ المشروع الذي نذرَ الجميع حياتَهُم لخدمتِهِ والسعيِ إلى تحقيقِه.

كان أنور السادات أخبَثَ من أن يكتشِفَ أمرَ نواياهُ أحدٌ من الذين حوله – ناهيك عن قطاعات الشعب التي ترى الأمورَ بعواطفِها وغرائزِها، بدلًا من الوقوفِ على حقيقة التحوُّلاتِ وانطواءاتِ مسارات الأحداث، وتقلُّباتِ المواقف المحلِّيَّةِ والاقليميّةِ والدوليّة.

قام السادات بالانقلاب الفعليّ على كلّ ما يمثِّلُهُ مشروعُ جمال عبد الناصر في 15 أيّار (مايو) عام 1971، أي بعد سبعة اشهرٍ ونصف الشهر على غياب قائدِهِ ورفيقِ دربِهِ وولِيِّ نعمَتِهِ، وباني مصر الحديثةِ ورائدِ نهضتِها ومؤسّسِ دورِها العروبيِّ والاقليميِّ والعالميّ.

راح السادات ينسفُ، بعلمٍ وتخطيطٍ وتصميمٍ وإصرار، كلَّ الاسُسِ التي أرساها جمال عبد الناصر ورفاقُهُ، في بناءِ الدولةِ الصناعيّةِ العصريّة القادرةِ على تأمينِ الحدِّ الأدنى من العدالةِ الاجتماعيّةِ لشعبِها؛ في نفس الوقت، الذي تخوضُ فيه حروبًا ضدّ الأعداءِ ومشاريعِ الهيمنةِ والتجزئة والاستعمار، وتستطيعُ الصُمودَ والتصدّي لكُلِّ من يستهدِفُ امنَها القوميَّ، ويحاولُ إعاقَةَ طريقِها في التنمِيَةِ والتقدُّمِ والتطوُّر.

نجَحَ السادات، ببراعةٍ وخُبثٍ في آن، في تحطيم التوَجُّهِ المصريِّ نحو التحوُّل إلى اقتصادٍ صناعيّ، يجعلُ من مصرَ نقطةَ ارتكازٍ في الصناعةِ والتجارةِ والبحثِ العلميِّ، في مدارِ أفريقيا وآسيا والوطنِ العربيِّ والعالمِ الاسلاميِّ والعالمِ الثالث – كما كانت الخطّة المرسومةُ في المشروع الناصريّ.

هذا النجاح، الذي تبيَّن فيما بعد، انّهُ كان بطلب من الإدارةِ الاميركيّة، وبدَعمٍ منها، حيث اعتمدَ عليها السادات في القضاءِ على رفاقِ دربِهِ، وتثبيت حكمِهِ وتغييرِ اتِجاهِ مصر – وبالتالي، المنطقة العربيّةِ بِرُمَّتِها – ووضعِ العرب وقضاياهُم في التحرُّرِ والتنميَةِ والوحدة، على كفِّ عفريتٍ، لم يشهد التاريخُ مثيلًا لحَبائلِهِ ومخطَّطاتِهِ وعُمقِ مآسيه.

لم ينجح السادات في الانقلابِ على المشروعِ وأركانِهِ ومؤسَّساتِهِ فحسب، و إنّما استطاع خداعَ الجماهير المصريّة و العربيّة كلَّها – بما فيها الناصريّين، وكلِّ التشكيلات القوميّة العربيّة وقياداتها، التي كانت تحتلّ ساحات العمل العربيّ المنظَّم في ذلك الوقت؛ فقد طرَدَ الخبراءَ السوفييت من مصر، تحت ذرائعَ مختلِفة، وأخرَجَ “الإخوان المسلمون” من السجون – بطلب اميركيّ وسعوديّ – لكي يساعدوهُ في تشويهِ وشيطَنَةِ صورةِ جمال عبد الناصر وضربِ فكرةِ المشروعِ القوميِّ العربيّ من اساسِها، وتصويرِها كعدُوٍّ للإسلام وللهِ ورسولِهِ والتابعين.

هَيَّأ أنور السادات البنيّةَ التحتيّةَ المناسبَةَ، لوضعِ مصر في طريقِ الضعف والترهُّل والتقهقر والانحطاط، وأسَّسَ لمرحلةٍ من التراجع المصريِّ والعربيِّ – في كلِّ الميادين – ممّا وضَعَ المنطقةَ كلَّها، فيما بعد، عل فوهةِ بركان لم تخمد جذوتُهُ في عشرات السنين..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى