مقالات

أوراق من ملف البرنامج النووي الإيراني.. الجزء “2”..

د. مخلص الصيادي/ الشارقة

خاص “المدارنت”..

الورقة الثالثة.. إيران النووية

أرجح أن المتبصرين في مسار الملف النووي الإيراني يدركون أن القدم النووية الايرانية تخطت بنجاح الألغام الأرضية التي يمكن أن تقطعها، وبالتالي اجتازت مرحلة قدرة خصومها على  وقف تقدمها النووي، فقد باتت إيران تملك برنامجا نوويا مهما، وهي قادرة على تطويره بسرعة في اتجاه تملك السلاح النووي.

وهذا الأمر هذا ليس جديدا، بل إن الاتفاق الأممي الخاص بالبرنامج النووي الإيراني في جوهره لا يستبعد ذلك، وإنما يعمل على تأخير الوصول إليه.

في 8 مايو 2018 أعلن الرئيس ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، وبهذه المناسبة أوردت BBC  في 9 مايو تقريرا حول أهم بنود الاتفاق النووي الإيراني وكان مما جاء فيه:

“وقدر الخبراء الأمريكيون آنذاك أنه إذا قررت إيران الإسراع في انتاج قنبلة  فسيستغرق الأمر من شهرين إلى ثلاثة أشهر حتى يكون لدى إيران ما يكفي من اليورانيوم المخصب بنسبة 90% لبناء سلاح نووي، وكانت إدارة أوباما قالت إن الاتفاق النووي سيزيل العناصر الرئيسية التي ستحتاجها إيران لصنع قنبلة، وسيؤدي إلى زيادة الوقت الذي تحتاجه لإنتاج سلاح نووي إلى عام أو أكثر، …. كما وافقت إيران على استمرار حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة عليها لمدة خمس سنوات، مع إمكانية اختصار المدة إذا اقتنعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن برنامجها سلمي بالكامل، كما سيبقى حظر الأمم المتحدة على استيراد تكنولوجيا الصورايخ الباليستية ساريا لمدة تصل إلى ثماني سنوات”.

وقدم الاتفاق لإيران حزمة من المحفزات والمزايا المادية والفنية والعلمية على صعد عديدة، ويعتقد أصحاب ذلك الاتفاق الأممي أن مجمل هذه المزايا  تضع أمام  القيادة الإيرانية حزمة إغراء تسمح ب”اندماج إيران بالمجتمع الدولي”، كما ويذهب اعتقادهم إلى أن من شأن هذه الحزمة أن تقنع القيادة الإيرانية  بأن هذا السبيل أكثر أمنا لها، وأكثر منفعة لسلطتها، وأكثر تقدما لإيران الدولة والمجتمع.

ويقينا فإن القيادة الإيرانية تدرك تماما أنه ما من  دولة من الدول ذات الشأن في النظام الدولي تريد إسقاط النظام الإيراني:

**  إما لأن هذه الدول ترى في هذا النظام فائدة لإبقاء المنطقة في حالة من الفوضى التي تحيط بها راهنا.

** وإما لأنها تدرك بأن تكلفة إسقاط هذا النظام إيرانيا وإقليميا ودوليا  مما لا يمكن تحملها.

لذلك من الصعب أن يحصل المتابع والمهتم على تصريح أو موقف لقادة هذه الدول يحمل معنى إسقاط النظام الإيراني، وإنما الجهد منصب على ضبط إيران على الإيقاع الذي يريدون، وجعلها تمارس دورها في إطار رؤيتهم لهذه المنطقة في هذه المرحلة، أي أن “إيران القوية في الحدود المضبوطة” حاجة للنظام الدولي الراهن، وبالتالي فإن الصراع الإيراني الغربي الذي نتابعه  يستهدف تحديد مدى هذه القوة وحدود تأثيرها.

ويعتقد أطراف النظام الدولي أنه بالإمكان إيجاد “أرض مشتركة” بين التطلعين الإيراني والدولي، طبعا هناك تباين بين أطراف هذا النظام الدولي غير الموحد لحدود وتخوم هذه الأرض المشتركة، لكن الذي يتفهم عقلية “ولاية الفقيه” يدرك تماما أن “الأرضية المشتركة” مجرد فرضية لا تملك حظوظا حقيقية على أرض الواقع.

كانت الأرضية المشتركة بين الطرفين ممكنة زمن شاه إيران الذي تطلع للعب دور شرطي المنطقة تحت المظلة الأمريكية، لكن نظام “ولاية الفقيه” مختلف جدا، وهو نظام يحمل مشروعه الخاص.

إن إيران “ولاية الفقيه” يمتد بصرها، إلى مختلف “مناطق الشيعة” في العالم، ليكونوا مجالا حيويا لها، كما يمتد بصرها إلى مختلف مناطق المسلمين “السنة” في العالم، وهي تراهم قطيعا شذ ـ منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ عن الطريق ، ومن واجبها إعادتهم إليه.

هذا يعني ان استهدافات نظام “ولاية الفقيه” الإيراني تبدأ من نحو ربع مليار شيعي على أقصى تقدير إلى أكثر من مليار ونصف المليار مسلم، ويغطي هذا المجال الحيوي جغرافية العالم الإسلامي كله.

 هذا “الحلم” بطبيعته التاريخية والإيديولوجية  أكبر من أن تتفهمه أو تستوعب أبعاده مختلف أطراف النظام الدولي، ومع ذلك فلا حرج من اعتبارهم يدركون أبعاد هذا “الحلم”، لكنهم يعلمون يقينا أنه مجرد “حلم” لاحظً له واقعيا، وهو في الوقت نفسه يملك قدرات هائلة على تفتيت ” العالم العربي والإسلامي”، وهذا هدف معتبر جدا عند مختلف أطراف النظام الدولي، لذلك هم يغضون الطرف عن مخاطره.

وإيران الراهنة تضع نظرية “ولاية الفقيه” في الحكم تحت “الوصاية الفارسية”، أي أن العصبية القومية الفارسية التي تتحكم بكل مكونات المجتمع الإيراني ـ وهي مكونات عديدة متنوعة عرقيا ومذهبيا ـ هي التي تتحكم بتجسيد مفهوم “ولاية الفقيه”، وهي التي يَرجع إليها توفير الأمن والقوة والسلاح والثروة لهذا المشروع.

في إيران التي يقترب عدد سكانها في أحدث تقدير من 80  مليون نسمة، يوجد أكثر من ثلاثين قومية يشكل الفرس والأقليات من أصل آري  63% من عدد سكانها، أي أقل من خمسين مليون نسمة،  فيما الترك والأذريون يمثلون 20% من السكان، والعرب 8%، والأكراد 6%، البلوش 2%.

ونظام “ولاية الفقيه” يفترض في نفسه تمثيل كل الشيعة في إيران ( وكثير منهم لا يؤمنون بهذه النظرية)، ويفترض هذا النظام في نفسه تمثيل كل الشيعة في العالم وعدد هؤلاء يتجاوز 200 مليون نسمة، ثم إنه يفترض في نفسه مسؤولية استعادة مليار وربع المليار مسلم سني إلى ما يعتبره حظيرة الإسلام الصحيح التي تمثلها “ولاية الفقيه”.

وهو يرى أن اتجاه الاختراق الحقيقي لهذه النظرية خارج إيران هي “المنطقة العربية والمجتمع العربي”، وليس المقصود هنا النظم العربية القائمة، وإنما قبل ذلك وبعده وأهم منه المجتمعات العربية، البنية الاجتماعية في هذا الوطن، الوحدة الوطنية في بلدانه، فكرة الانتماء الوطني والقومي في هذه المجتمعات، وفكرة العروبة والانتماء القومي العربي، أي أن ولاية الفقيه كما تستهدف الإسلام السني، تستهدف العروبة وحواملها الاجتماعية والسياسية والدينية.

إن تفتيت هذه المجتمعات هو الطريق الإيراني لوضع اليد عليها، ولاختراقها مذهبيا وفكريا قبل إتباعها سياسيا وأمنيا، وهذه سياسة خطرة جدا، ونحن نرى أثرها واضحا في سوريا والعراق واليمن ولبنان، وفي أقطار عربية أخرى يمكن بتدقيق النظر تحديد الكثير منها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى