مقالات

أوراق من ملف البرنامج النووي الإيراني.. الجزء “3”..

د. مخلص الصيادي/ الشارقة
خاص “المدارنت”..
الورقة الرابعة.. شيء من فقه السلاح النووي
… وأرجح أيضا أن المتبصرين من قادة الدول المعنية، يدركون بشكل جيد أن “الأمن” الذي يوفره السلاح النووي لمالكه لا يستطيع أن يوفره أي سلاح أو بديل آخر، وأكثر من يدرك ذلك وبشكل جازم هم قادة الدولة الإيرانية، خصوصا وأن هؤلاء لا يفكرون من زاوية حماية “الدولة والمجتمع الإيراني” فحسب، وإنما كذلك من زاوية حماية “المشروع الإيراني” الممتد إلى آفاق أوسع مما يظنه كثيرون.
السلاح النووي، هو العمود الفقري في القوة التي يحتاجها مشروع “دولة ولاية الفقيه”، فامتلاك هذا السلاح أهم من امتلاك أي شيء آخر بالنسبة لهذا المشروع، والبرنامج النووي الايراني الراهن هو السبيل إلى ذلك. إنه الأمان بأن أحدا من “الخارج” لن يقرب هذه الدولة/ المشروع.
ولعل المثل الكوري الشمالي مقنع بما فيه الكفاية، بأن هذا السلاح هو الرادع الحقيقي لأي هجوم خارجي، فرغم عوامل جيو – سياسية مؤثرة فإنه لولا هذه السلاح لكان نظام بيونغ يانغ قد تم كنسه منذ زمن بعيد.
ومن الناحية العملية، فإن على أي دولة تتطلع إلى امتلاك برنامج نووي مستقل وفعال، أن توفر لهذا البرنامج أربع قواعد أو أسس يستطيع تفاعلها المتوازن أن يعبد الطريق لبناء هذا البرنامج:
أ ـ لا بد أن تكون لديها القدرة المادية الكافية لتغطية تكاليف واحتياجات هذا البرنامج، والبرنامج النووي العسكري بطبيعته يتضمن توفير مادة اليورانيوم، وعمليات التخصيب وانتاج “القنبلة”، وتأمين تخزينها، وكذلك انتاج وسائط نقل هذا القنبلة إلى هدفها “وهي هنا الصواريخ أساسا”، ولأن هذا السلاح شديد الخطورة فإن امتلاكه يستلزم توفر أجهزة توجيه وسيطرة دقيقة وفعالة، وهذا كله مكلف ماديا، ويحتاج إلى تطوير تقني متصاعد، وبالتالي تمويل مستمر ومتزايد.
ب ـ ولا بد للدولة التي تتطلع إلى ذلك أن يكون لديها قاعدة تقدم علمي وتقني توفر احتياجات المشروع من العلماء في مختلف الاختصاصات ذات الصلة، وهي اختصاصات مفتوحة في الكثير من الجامعات ومراكز الأبحاث في العديد من الدول لكنها موضوعة دائما تحت مجهر المراقبة، وذلك لوجود صلة علمية وتقنية ثابتة بين الاستخدام السلمي للطاقة النووية ( وهو مباح دوليا)، وبين الاستخدام العسكري للطاقة النووية، وهو خاضع لرقابة دولية صارمة، وتحرسه معاهدة حظر الانتشار النووي.
ج ـ لا بد أن تكون هناك إرادة سياسية حازمة في الدولة المعنية حتى تتجه إلى المشروع النووي بجناحيه السلمي والعسكري، وأن تكون هذه الإرادة محاطة بإجماع أو شبه إجماع وطني بحيث لا تكون مجرد نزوة حاكم، أو جزءا من برنامح في سباق انتخابي.
وهذا لا يتوفر، إلا إذا كانت الدولة المعنية تملك مشروعا سياسيا خاصا بها، سواء كان صلب هذا المشروع مواجهة أخطار مؤكدة، أو تطلع للتمدد في نطاق مجال حيوي تعتقد أنه يلبي طموحها.
د ـ ثم وبسبب التعقيدات الدولية الخاصة بالمسألة النووية لا بد من توفر ” الظرف الدولي المناسب” لانطلاق هذا المشروع، وتوفر مثل هذا الظرف يعتبر شرطا لازما لنجاح أي دولة في الولوج إلى الميدان النووي، وتشير مصادر عدة أن بدايات البرنامج النووي الإيراني الحالي كان في مطلع الألفية الراهنة، حينما كان النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة منشغل بغزو أفغانستان (أكتوبر 2001)، ومن ثم بغزو العراق (مارس 2003)، وكانت روسيا التي ورثت الاتحاد السوفياتي ما زالت في حالة انعدام وزن، وكانت روسيا التي ورثت الاتحاد السوفياتي قد بدأت بالكاد مشوارها لاستعادة توازنها بعد مرحلة الرئيس بوريس يلتسين 1991 ـ 1999 التي كادت أن تؤدي إلى إسقاط روسيا من عرش الدولة العظمى، وقد تسلم الرئيس فلاديمير بوتين مسؤولياته (عام 2000).
وقدمت الظروف التي رافقت الغزوين فرصة مناسبة لإطلاق إيران مشروعها النووي، بعد أن كان الخميني قد جمد البرنامج النووي الذي كانت إيران تمتلكه زمن الشاه، مستندا إلى موقف فقهي يحرم إنتاج أو استخدام السلاح النووي، وبقي مجمدا حتى جاء الظرف الجديد وكان الخميني قد رحل في يونيو 1989 واستلم خامنئي مقعد “ولاية الفقيه” خلفا له.
ومن الواضح أنه قد توفرت لنظام “ولاية الفقيه”، الأسس الأربعة اللازمة لولادة المشروع النووي الخاص به، إضافة إلى تلك الأسس، فقد توفر لإيران خام اليورانيوم في عدة مناجم، وبأماكن متعددة ومتفرقة فيها، وبأكثر من حاجة مشروعها، وبالتالي فإنها باتت متحررة من ضغوط وظروف استيراد هذا الخام الاستراتيجي من الخارج.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى