مقالات

أوراق من ملف البرنامج النووي الإيراني.. الجزء “6”..

د. مخلص الصيادي/ الشارقة

خاص “المدارنت”..

 

الورقة السادسة.. نحن والبرنامج النووي الإيراني

إيران تريد أن تكون الدولة العاشرة في امتلاك  السلاح النووي، وبرنامجها الراهن، ونسب تخصيب اليورانيوم، وعدد أجهزة التخصيب، وتطوير سلاحها الصاروخي، كل هذا يشير إلى تصميم القيادة الايرانية على بلوغ هذا الهدف، أو بشكل أكثر دقة على بلوغ هدف القدرة على إنتاج هذا السلاح، أما إنتاجه فعليا فهذا يتوقف على التطورات التي تحيط بها الملف وعلى التطورات التي تحيط بالدولة الإيرانية ككل.

في مطلع ديسمبر 2020 وعقب اغتيال العالم النووي الإيراني أقر مجلس صيانة الدستور في طهران تشريعا يلزم الحكومة باستنئناف التخصيب إلى نسبة 20%، وكان الاتفاق النووي الموقع عام 2015 حدد نسبة التخصيب ب 3,67%. وسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن أكدت في 12 نوفمبر 2020 أن إيران تملك الآن أكثر من 12 ضعفا من كمية اليورانيوم المخصب المسموح به بموجب ذلك الاتفاق .

وفي 22 نوفمبر أعلن ممثل إيران في الوكالة الدولية  كاظم غريب أبادي أن بلاده دخلت مرحلة جديدة من تخصيب اليورانيوم في محطة نطنز النووية ( وهي أكبر محطات التخصيب النووية في إيران)،  وأضاف أن بلاده بدأت في ضخ غاز UF6  في أجهزة الطرد المركزي مؤخرا، في آخر مرحلة للتخصيب وفصل اليورانيوم 238 عن اليورانيوم 235.

كل هذا يثبت الاستنتاج الأول بأن إيران تخطت المرحلة التي يمكن فيها إيقاف برنامجها النووي، وأن تحديد أبعاد هذا البرنامج بات في يدها، ورهن قرارها، وأنها تملك في كل وقت أن تمضي فيه ومعه إلى النهايات التي تريد.

وعند هذا المستوى من الرؤية والتقدير لا بد من طرح سؤال دقيق وحاسم إزاء هذا الملف، والسؤال يمكن صياغته على النحو التالي:

هذا البرنامج النووي الإيراني الممتد من التخصيب العالي حتى بلوع السلاح النووي ـ الذي يؤمن ويحفظ إيران من أي هجوم خارجي ـ ، يهدد من؟ ……موجه ضد من؟.

فيما عدا تأمين النفس من هجوم خارجي، فإن هذا السلاح لا يهدد الدول العربية إلا من خلال الأخطار التي يمثلها على البيئة، وإلا من خلال الإرهاب الذي يمثله امتلاك جار إقليمي ذو مشروع، ومطامع، لسلاح نووي. إذ لا حاجة فعلية لاستخدام هذا السلاح في أي صراع يمكن أن يحدث بين إيران والدول العربية ذات الشان.

وعدوانية النظام الإيراني المشهودة على الجوار العربي قائمة ومتحققة، قبل وجود هذا البرنامج النووي، بل وحتى قبل وجود نظام الملالي، فجزر الإمارات الثلاث محتلة منذ نظام الشاه، وكذلك إقليم الأحواز/ عربستان المطل على الخليج العربي والمحتل منذ العام 1936. والتدخل الإيراني الطائفي والدامي في سوريا واليمن والبحرين والعراق ماثل للعيان، والدور الذي يقوم به حزب الله في لبنان ونماذجه المستنسخة  في اليمن والعراق لم يكن بحاجة إلى سلاح نووي. وأي تصور لوقوع حرب نووية بين إيران والكيان الصهيوني الذي يملك سلاحا نوويا تصور فيه الكثير من الخيال والغباء بآن.

إذن هذا البرنامج /السلاح النووي الإيراني يهدد من؟.

الحق أن هذا البرنامج النووي بآفاقه التسليحية إنما يستهدف ـ بعد حماية النفس من أي هجوم خارجي ـ تحقيق التوازن في التنافس مع “الكيان الصهيوني” للسيطرة على المنطقة العربية، ومن ثم في تحقيق حلم “ولاية الفقيه ” في التمدد والسيطرة على العالم الاسلامي.

أي أن هذه المنطقة العربية هي ملعب إيران “ولاية الفقيه”، كما هي ملعب “اسرائيل والمشروع الصهيوني” الذي نعرف جميعنا أبعاده، وهي ساحة التنافس بينهما. والفارق بين إيران والكيان الصهيوني واضح ولا يصح ولا يجوزعدم إدراك هذا الفارق، أو عدم أخذه في الحسبان، ذلك أن إيران ـ كما تركيا ـ جزء طبيعي ومكون من مكونات المنطقة، ويجمعها مع المحيط العربي والإسلامي الجغرافيا السياسية، والتاريخ، والأرضية العقدية، وأن الصراع الراهن هو صراع مع نظام الملالي القائم في إيران، أي مع نظام طائفي مستبد، وليس مع إيران الشعب والمجتمع والحضور التاريخي والحضاري، بينما الكيان الصهيوني “كيان غاصب عنصري عدواني”، وبالتالي فالموقف منه هوموقف من كيان وليس من نظام وسلطة.

هذا فارق موضوعي بين طرفين يتنافسان على أرضنا وثرواتنا ووجودنا، وايضا على تاريخنا وكياننا الحضاري، وبسبب هذا التنافس يمكن أن يحدث احتكاك بين “إيران والكيان الصهيوني” وسيحدث، ويمكن أن يحدث صراعا، لكن كل تطور بينهما مضبوط بضوابط المصلحة، وبقوانين التنافس وليس الصراع، وبضوابط توازن القوة التي سيوفرها هذا النوع من الأسلحة، وليس بعيدا ولا غريبا أن يجد المتنافسَين سبيلا لاتفاق يوفر مصلحة مقبولة لكليهما.

في ظل هذا الوضع كيف يمكن للنظام العربي أن يتصرف؟.

 كيف يمكن إبطال المفعول السلبي للبرنامج ومن ثم السلاح  النووي الايراني على النظام العربي؟.

 كيف يمكن أن يحقق العرب أمنهم القومي تجاه البرنامج النووي الإيراني، بعد أن فشلوا أن يحققوا ذلك تجاه السلاح النووي الاسرائيلي؟.

السؤال معقد والبحث عن إجابة له صعب لأن الحديث عن وجود ” أمن قومي عربي” بات حديثا غير مطروح أمام أصحاب القرار في الدول العربية.

ومع ذلك فإن أسهل وأيسر طريق للتصدي عربيا للبرنامج النووي الإيراني، هو أن يصبح لدى العرب برنامجا نوويا حقيقيا مستقلا ومتكاملا.

ليس شرطا أن يوفر هذا البرنامج “السلاح النووي”، لكن من الضروري أن ُيمَكن هذا البرنامج العرب من امتلاك هذا السلاح في الوقت الذي يصبحون في حاجة إليه.

في المحيط العربي والإسلامي وفي هذه المرحلة بالذات ـ دون البحث في تجارب ومراحل سابقة ـ  هناك أربع دول تملك كل الشروط الموضوعية لامتلاك برنامج نووي حقيقي مستقل ومتكامل، وهذه الدول هي تركيا، ومصر، والسعودية، والجزائر.

 وإذا قصرنا النظر على الدول العربية فإن الدول الثلاث تملك القدرة المادية والتقنية والفنية والمواد الأولية للمضي في مثل هذا المشروع، وإذا ما نظر إلى الأمر من منظور “الأمن القومي العربي” فإن بعض النقص في عنصر من عناصر هذا المشروع عند واحدة من الدول الثلاث يعوضه توفر هذا العنصر في دولة أخرى: القدرة المالية، والقدرة والإمكانات التقنية، المواد الخام، الخبرة المتراكمة.

بل إن الظرف الدولي العام الراهن يقدم فرصة مهمة للمجموع العربي لاقتحام هذا الميدان، وهنا لا يبقى إلا توفر الإرادة السياسية، ومجددا يجب التأكيد أن الإرادة السياسية المقصودة هنا ليست إرادة حاكم أو نظام، وإنما إرادة شعبية جماعية قادرة على توفير الدعم الذي يحتاجه مثل هذا المشروع في مواجهة الضغوط الخارجية المتعددة.

إن وجود مثل هذا البرنامج عربيا هو وحده الذي يبطل ليس فقط أخطار البرنامج النووي الإيراني على المحيط العربي، ويضع حدا للتهديدات الإيرانية، وإنما ايضا يبطل أخطار البرنامج والسلاح النووي الإسرائيلي على المحيط العربي، وبالتالي يجعل تصرفات وقرارات مختلف القوى الفاعلة في هذا المحيط،  ـ العدوة والصديقة على حد سواء ـ أكثر عقلانية وأرشد أفعالا وأرجح توازنا مما عليه الوضع الآن، حيث يبدو تلاعب هذه القوى الخارجية بمقدرات منطقتنا العربية ماض دون أن توضع مصالح هذه الأمة وشعوبها في أي حساب.

إن تصور امتلاك برنامج نووي عربي قائم على قاعدة رئيسية ما زالت مفقودة تتمثل في  إعادة الاعتبار إلى مفهوم” الأمن القومي العربي”، وهو مفهوم غادره النظام العربي منذ كامب ديفيد، وكلما تقدم الزمن يزداد النظام العربي ابتعادا عن موجبات هذا الأمن، وبالتالي يزداد ضياعا وإهدارا لطاقات الأمة وثرواتها، وخضوعا للقوى الخارجية، وانكشافا أمام كل عوامل الاختراق والتخريب في بنية المجتمع العربي ومكوناته.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى