أوراق من ملف البرنامج النووي الإيراني.. الجزء “1”..!

خاص “المدارنت”..
الورقة الأولى.. عملية الاغتيال
الجمعة 27 /11/2020، تم اغتيال العالم النووي الايراني محسن فخري زادة، وكشفت ظروف الاغتيال عن اختراق أمني كبير في النظام الايراني سمح بتنفيذ هذه العملية وبأن تنفذ على النحو الذي تم فيه، حيث استخدمت تقنية التحكم عن بعد بالاسلحة والتفجيرات إذ لم يتوفر في ساحة التنفيذ اي عنصر بشري. وذكرت المعلومات المسربة أن عشرات الأشخاص ساهموا في هذه العملية، إضافة الى إعتراف المخابرات الإيرانية بأن معلومات توفرت لديها عن مخطط استهداف هذا العالم، وبأنها اتخذت إجراءاتها، لكن مع ذلك نجحت عملية الاغتيال.
ومحسن مختار زادة هو خامس عالم نووي يتم اغتياله منذ العام 2012 فقد اغتيل من قبل مسعود محمدي، ومجيد شهرياري، وداريوش رضائي نجاد، ومصطفى أحمدي روش، لكنه يعتبر الأهم من بين هؤلاء جميعا، ويسمى “أبو المشروع النووي الإيراني”.
وفي ما عدا “اسرائيل”، فقد أعربت جميع الأطراف عن استهجانها لعملية الاغتيال، حتى الدول والأطراف التي سُعدت بهذه العملية فإنها أعربت عن رفضها واستهجانها.
وتخوفت دول عديدة من رد الفعل الإيراني، كما تخوفت من أثر هذا الاغتيال وما يمكن أن يصاحبه من ردة فعل على عملية إعادة تفعيل الاتفاق النووي الأممي في عهد الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، حتى إن محللين ذهبوا إلى أن توقيت عملية الاغتيال يستهدف وضع العراقيل أمام توجه بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات الامريكية بقرار من الرئيس دونالد ترامب.
وحين اتهمت إيران رسميا “اسرائيل” بأنها وراء عملية الاغتيال فإنها لم تبتعد عن الحقيقة وذهبت في الاتجاه الصحيح.
لكن قبل أن نمضي في استطلاع جوانب الملف النووي الإيراني لا بد من الإشارة إلى أن أسلوب “الاغتيال” أسلوب مأخوذ به من قبل العديد من الدول والجهات باعتباره أداة “سوداء” لتحقيق بعض الأغراض، وللتخلص من شخصيات يعتبر التخلص منها هدف مهم بذاته، أو ممر مهم يوصل إلى الهدف المقصود، واستخدمت هذه الأداة من قبل دول عديدة على رأسها الولايات المتحدة وروسيا، ويتقدم الكيان الاسرائيلي جميع الدول في استخدام هذه الأداة في أغراض شتى، وقد سقط العديد من قادة العمل الفلسطيني صرعى برصاص الغدر الإسرائيلي. وتعتبر إيران من الدول التي تستخدم هذه الوسيلة بكثرة ضد خصومها من الإيرانيين ومن غير الإيرانيين، وتشير التقارير إلى أن عددا وافرا من العلماء العراقيين قتلوا برصاص المخابرات الإيرانية وعملائها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عمليات ممنهجة لتصفية البنية العلمية للدولة العراقية.
وجاءت عمليات التصفية للعلماء العراقيين هذه بالتشارك مع الموساد الإسرائيلي، وقد أشارت وثيقة من وثائق ويكيليكس إلى التعاون بين رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي “وهو ربيب إيران الأهم في العراق” والموساد الإسرائيلي في تصفية نحو 350 عالما نوويا عراقيا ممن رفضوا التعاون مع إيران أو مع الأمريكيين وفضلوا البقاء في العراق.
الورقة الثانية.. أسئلة الاغتيال.. محاولة للفهم
عملية إغتيال العالم الإيراني محسن فخري زادة تفتح الباب على تساؤلات عدة لا بد أنها موضوعة الآن أمام المراقبين والمهتمين في تفسير وفهم عملية الاغتيال:
* هل نفذت العملية من أجل وقف البرنامج النووي الإيراني من خلال تصفية العلماء والمسؤولين عن هذا البرنامج.
* هل نفذت العملية من أجل إعاقة تقدم هذا البرنامج؟، إذ أن وقتا لا بد أن يمر قبل أن يتقدم عالم جديد ليحل محل هذا العالم. والإعاقة كسب للوقت بانتظار حدوث متغير جديد.
* هل قصد من الاغتيال، ـ وإظهار القدرة على الوصول إلى أي هدف ـ إيقاعُ اليأس في صفوف الإيرانيين من القدرة على حماية علمائهم؟، وهم عنصر رئيس في بناء هذا البرنامج، وبالتالي إيقاع الفوضى والشك في صفوف أجهزتهم الأمنية.
* هل قصد من الاغتيال تحييد شخصية مركزية في بنية البرنامج النووي الإيراني لإفساح المجال لشخصية جديدة لهم صلة بها، وبالتالي فإن الاغتيال يوفر لقناة لهم موقعا متقدما في هذا البرنامج؟.
* هل عملية الاغتيال تستهدف جر إيران إلى عمل يدفع المنطقة إلى حرب واسعة النطاق تعيد خلط الأوراق، وتفتح المنطقة على احتمالات عديدة من شأنها كلها أن تزيد حالة الفوضى والخراب فيها، وتضعها أكثر تحت الهيمنة الاسرائيلية الأمريكية، وكثير من قرارات تصرفات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ايامه الأخيرة ، والحشود العسكرية الجارية في منطقة الخليج العربي يمكن أن تصنف في هذا الباب.
الاجابة على هذه الأسئلة، وأخرى تتصل بها، قد توفر رؤية أفضل وأوسع مدى ليس لعملية الاغتيال فحسب، وإنما أيضا لزاوية نظر كل من طهران والمجتمع الدولي لطبيعة هذا الملف، وتمكننا الإجابةُ على تلك التساؤلات من التنبؤ بحدود رد فعل إيران على عملية الاغتيال.
(يُتبع)..



