مقالات
أوكرانيا.. الحرب أولها كلام و آخرها دمار

خاص “المدارنت”..
سبقت الحرب الروسية الأوكرانية دعاية إعلامية من كلا الطرفين – الروسي والغربي – لتضيع حقيقة أسبابها ومراميها داخل دخان كثيف من التزييف والأكاذيب، إلى حد إستدعاء مخل للماضي وتجييره بالحاضر وغابت لغة الدبلوماسية المهذبة والرقيقة المتعارف عليها بين الدول لتحل مكانها عبارات ونعوت متبادلة بين الزعماء لم يعرفها عالم السياسة من قبل، كوصف بايدن لبوتين بالديكتاتور ووصف بوتين للقيادة الأوكرانية بالنازيين الجدد، عاد أصل هتلر اليهودي إلى الواجهة ليلقي بظلاله على أصل الرئيس الأوكراني زيلينسكي اليهودي دينا وعرقا.
وفى غمرة هذا الزخم الضبابي إنقسم العالم وكأنه يشاهد مباراة لكرة القدم لا تحسمها مهارة اللاعبين الرئيسيين ولكن حنكة المدرب المستتر خلف الكواليس.
لايخفى على المراقب الحصيف إدراك أن الأمور فى عالم السياسة لا تحدث صدفة و لاتدار بعبثية أو عشوائية و لكن بعد تقدير ومراجعات دقيقة تسبقها دراسات وأبحاث من مراكز ودوائر مختصة فى الشأن السياسي أعدت عبر سنوات وترفق معها خطط بديلة فى حال الفشل أو تغير المعطيات أو بروز ظروف مستجدة على المشهد.
روسيا حددت أهدافها منذ عدوانها على سوريا وجعلت من أرضها مسرحا وحقلا لتجارب أسلحتها الفتاكة المستحدثة لمعركة قادمة مع عدو لها، منظور واقعا لا خيالا.
وفى الجانب الآخر ظلت الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها فى القارة العجوز يراقبون ويرصدون تعاظم قدرات روسيا العسكرية والإقتصادية منذ إعتلاء بوتين للسلطة بعد رحيل الرئيس يلسن ، فسعت لمحاصرته وتضييق الخناق عليه بتوسيع دائرة حلف شمال الأطلسي بضم دول البلطيق الخارجة من تفكك الإتحاد السوفيتي ومن ثم قامت بمحاولة جر السويد وفنلندا إليه.
ولكن هاجسها الأكبر كان دائما أوكرانيا لما لها من تأثير وقوة من النواحي الجغرافية والسياسية والإقتصادية ولما لها أيضا من حدود طويلة مع روسيا و يضاف إلى ذلك إمكانياتها البشرية الهائلة والمؤهلة علميا وعمليا وبخاصة فى المجال العسكري بحسبان أنها كانت إحدى دول الإتحاد السوفيتي ذات الخبرة والدراية فى المسائل الإستراتيجية ولاسيما النووية مع وجود أعداد معتبرة من مواطنين ينحدرون من جذور روسية فى المناطق الشرقية والشرقية الجنوبية على الحدود مع دولة مولدافيا.
وفى خطوة إستباقية أعلنت روسيا الإعتراف بدولتين فى هذه المناطق بالإضافة إلى شبة جزيرة القرم التى كانت قد إحتلتها فى وقت سابق.
إندلعت الحرب – برغم إرهاصاتها – بطريقة مفاجئة وأعطت الإنطباع بأنها ستكون خاطفة، أشبه بحرب الأيام الست! ولكن خلافا لكل التوقعات وبعد مضى أكثر من ثلاثة أشهر – فهي لازالت مستمرة وتزداد ضراوة يوما بعد يوم و تأخذ أشكالا مختلفة ، فقد سقطت مدن ودمرت معظم البنية التحتية وتكاد شرق أوكرانيا تقع فى أيدي القوات الغازية والجيش فى تراجع واضح رغم المقاومة الشعبية الشجاعة.
فى بادئ الأمر وقفت أوروبا جمعاء ضد الغزو وعندما طفت آثار الحرب على السطح و ترجمت إلى أزمات فى الطاقة والوقود والقمح، وعندما إنداحت إلى كل مناحي الحياة المعيشية سرعان ما تصدع جدار التضامن وظهر التمايز فى المواقف بين الدول وبخاصة ألمانيا والمجر وسلوفاكيا و التشيك واللاتي يعتمدن على الغاز والبترول الروسي إلى حد كبير وتراجعت إيطاليا وفرنسا فى مواقفهما – المعلنة سلفا – وبدأتا تبحثان عن سبيل لوقف الحرب.
ولم تنفك زيارات المسؤولين الغربيين تتواتر إلى كييف بصورة منتظمة وتعلن تقديم الدعم المادي و العسكري والمعنوي ولكنها لم تتجاوز هذا الحد!
فالأكرانيون يواجهون مصيرهم وحدهم وسط إختلال في موازين القوى العسكرية والقوى البشرية.
وحتى هذه اللحظة لم يحصلوا على أسلحة ثقيلة هجومية متطورة تهدد الغازي الروسي أو تشعره بمدى الخطر الذى يخيم على العالم.
ومن الجلي أنه لا أمريكا ولا أوروبا ستحاربان إلى جانب أوكرانيا لما يترتب على ذلك من مواجهة حتمية مع حلف الأطلسي تعلو فيها فرضية الإنجرار إلى صراع نووي محتمل يسعى الجميع لتفاديه.
الرئيس الروسي بوتين هو ربيب جهاز المخابرات السوفيتي وله حس مخباراتي وأمني متقدمان، يعرف من أين تؤكل الكتف ويدرك إنقسام الموقف الأوروبي وضعف المقدرة على إتخاذ القرار لدى الإدارة الأمريكية الحالية ويضع فى الحسبان تضامن القوى العالمية المؤثرة معه كالصين والهند وإيران ودول أمريكا الجنوبية ويمسك بخيوط الغذاء وبخيوط الطاقة وهو فوق هذا وذاك شعوبي، مصاب بداء العظمة والجبروت ويتصرف وكأنه قيصر فى نسخة عصرية ويعيش بثقة العصي على الهزيمة.
هل اخطأ الغرب قراءة الواقع وإتخاذ الموقف الصائب فى الوقت المناسب؟ وهل وقع الرئيس الأوكراني – حديث العهد بالسياسة – ضحية وعود كاذبة أو أوهام خيالية لا وجود لها فى أرض الواقع؟
معظم تصريحاته والتى أضحت شبه يومية تشير إلى خيبة أمله وخذلان الغرب له و هو يجيد دوره الذى يتقنه كممثل بارع يملك الظهور المستمر على شاشات التلفاز يستجدي الغرب المساعدة وفي نفس الوقت يطالب بلقاء مباشر مع غريمه بوتين دون أن يعيره الأخير إهتماما.
لا تلوح بارقة أمل لوقف الحرب ولم تفلح العقوبات الإقتصادية فى هز الموقف الروسي بل زادته تعنتا وإصرارا أكثر من أى وقت مضى.
والمؤشرات والدلائل الماثلة توحي بأن الحرب لن تضع أوزارها حتى تحقق روسيا أهدافها فى ضم الأجزاء الشرقية لها وتحييد بقية أوكرانيا وعندها تكون قد تركت خلفها دمارا شاملا و أرضا محروقة.
وحينها سيفيق العالم وأمامه عالم مختلف لا علاقة له بالنظام العالمي الجديد الذى بشر به الرئيس جورج بوش الأب فى أعقاب إنتهاء حقبة الحرب الباردة وستسقط رايات وترفع أخرى وستظهر تحالفات وستتحرك مراكز القوى السياسية والإقتصادية والدينية الحالية إلى مواقع أخرى ليست فى الحسبان.
ولقد ظهر مبكرا أثر إرتدادات هذه الحرب فى إنقسام الكنيسة الأورثوذوكسية الشرقية وتباعدها عن موقف الزعامة الدينية فى موسكو.
وأغلب الظن سيتحرك مركز العالم شرقا تحت سيطرة وهيمنة قوى متجبرة وسينحسر ثأثير الشعوب والقوى الديمقراطية على إتخاذ القرار وريادة العالم.



