مقالات

أيــتـــام أمــيـــركــــــا..

عبد الحليم قنديل/ مصر
“المدارنت”..
قد لا يكون الاهتمام بالانتخابات الأمريكية، وبأسماء واتجاهات رؤساء البيت الأبيض عيبا فى ذاته، لكن المسألة فى أقطار العالم العربى تجاوزت حدود الاهتمام والدرس والفهم، وتحولت إلى حالة مرضية من زمن طويل، وهو ما عاد للظهور بقوة مع انتخابات واشنطن الأخيرة، فنظم بكاملها لا تخفى جزعها من رحيل دونالد ترامب المنتظر فى 20 يناير 2021، وجماعات من البؤساء تستبشر خيرا بقدوم جوبايدن رئيسا جديدا، وكأنه المنقذ لها من الضياع والفوات التاريخى.
ولن تتعب فى البحث عن الأسباب، فهذه منطقة وقعت فريسة لتبعية ذيلية مزمنة، تقادمت عليها العهود والعقود ، ربما منذ حرب أكتوبر 1973 بالذات ، والمفارقة المؤسية التى جرت بعدها ، فقد بدا النصر العظيم على جبهة السلاح موحيا بأمل ، وباستطراد لاختيارات الاستقلال والتصنيع والإرادة التى أنجبت النصر، لكن خذلان السياسة ضيع معنى النصر، وحوله إلى نصر مخطوف ، فى مفارقة عكسية تماما مع ما أعقب كارثة 1967 ، التى حولتها إرادة التحدى إلى هزيمة خاطفة، لم تقعد الأمة، وفى قلبها مصر ، حبيسة لجدران اليأس، بل كانت حافزا لإعادة بناء عسكرى جبارة، استوعبت الدرس، وقفزت فوق الحواجز ، وأعادت صياغة المشهد ببصيرة ملهمة، كانت زادا لعبور إلى حدود النصر، بينما كان وضع القمة الصانعة للقرار يتبدل بعد رحيل عبد الناصر المفاجئ أواخر 1970، وإن استمر إرثه مؤثرا متصلا بحركة القصور الذاتى إلى نهاية الحرب، ثم جرى الانقلاب على اختيارات عبد الناصر كلها بعد النصر، وداس الذين “هبروا” فوق دماء الذين عبروا، وألحقت مصر القائدة بقطار التبعية الأمريكية ، وبخطوات الصلح المهين مع كيان الاحتلال الإسرائيلى ، وتفكيك ركائز التصنيع المدنى والعسكرى ، وفك تعبئة المجتمع من أجل النهوض ، وبما أخرجنا من سباق العصر ، وقادنا إلى هزيمة حضارية شاملة، وتركنا نهبا لجماعات الفساد المتوحش، وتفشى سيطرة اليمين الدينى، الذى ضخمت وجوده فوائض المال البترولى ، التى كانت مصاحبة لزحف الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على مصائر المنطقة، وبدواعى الانتقام وتصفية الحساب مع زمن الثورة الأم وأحلام الاستقلال والتقدم، ودفعنا إلى عصور التيه المتصل إلى اليوم ، وعلى نحو ما أوحت به مسرحية الفنان محمد صبحى الشهيرة “ماما أمريكا” أواسط تسعينيات القرن العشرين ، وما نبه إليه مبكرا شاعر المقاومة محمود درويش ، وإشارة إصبعه إلى أمريكا التى هى “الطاعون” ، وقد فتك بنا الطاعون الأمريكى طويلا ، برغم مقاومات باسلة مؤثرة على جبهة الصدام مع كيان الاغتصاب الإسرائيلى والاحتلال الأمريكى للعراق ، وبرغم ثورات شعبية عظمى قامت وتعثرت ، وبرغم محاولات جرت وتجرى للخروج من ليلنا الأمريكى الطويل ، وعلى نحو ما يجرى فى مصر مثلا من سنوات ، فقد قام الجيش المصرى بإنهاء وضع مناطق نزع السلاح فى سيناء ، وتحول النص عليها فيما يسمى “معاهدة السلام” إلى حبر جف فوق الورق ، وتراجع تأثير المعونة الأمريكية العسكرية ، على تواضع قيمتها المالية السنوية (1300 مليون دولار) ، خصوصا مع لجوء السياسة المصرية إلى التنويع الهائل فى مصادر السلاح والإحياء الواسع للصناعات الحربية ، وتطوير الشراكات الاستراتيجية مع الصين وروسيا والدول المؤثرة فى الاتحاد الأوروبى ، وبما أضعف نسبيا من وزن الشراكة المتقادمة مع واشنطن ، وإن بقى الضمان الأهم فى كسب كامل الاستقلال الوطنى ، فى تصحيح وتطوير جوهرى لسياسات الداخل ، بالتقدم إلى التصنيع الشامل واقتصاد المعرفة ورد اعتبار العدالة الاجتماعية وكنس الفساد وإطلاق الحريات العامة .
وبالعموم ، فقد بدت الأمة لعقود ساكنة فى قبو التاريخ ، وتصورت فى الغيبة والغيبوبة ، أن الدنيا ظلت كما كانت وقت خروجنا من سباق الحوادث الكبرى ، وأن أمريكا قادرة على كل شئ ، وأنها قوة العالم الأولى بلا منافس ، وقد كان ذلك صحيحا فيما مضى ، حين كانت لواشنطن غلبة فارقة فى موارد الاقتصاد والسلاح ، لكن انفصالنا عن تطورات العالم فى العقود الأخيرة ، حجب عن أغلبنا حقائق ما جرى ويجرى ، فلم تعد أمريكا ذلك المثال الملهم الخاطف للأبصار ، ولم تعد “القوة الأعظم” بألف ولام التعريف ، بل نزلت عن مكانة القطب الوحيد التى بدت عليها بعد تفكك الاتحاد السوفيتى ، وقبل اكتمال أمارات الصعود الصاروخى لقوة الصين ، وبما جعل أمريكا “قوة عظمى” ، ولكن بين متعددين متنافسين على القمة الدولية ، وبنظم سياسة واقتصاد مختلفة عن المثال الأمريكى ، الذى تتشقق حوائطه ، وعلى نحو ما بدا ظاهرا فى وقائع الانتخابات الرئاسية الأخيرة وبعدها ، وإشارات التفكك والانقسام المجتمعى غير المسبوق منذ الحرب الأهلية الأمريكية ، التى تبدو فى بعض مظاهرها كرجع صدى لتراجع قوة أمريكا المنفردة كونيا ، فقد بدأت “العولمة” كإطار لكفالة هيمنة أمريكا العالمية ، وبدت مرادفة للأمركة ، لكن مكر التاريخ ، جعل النهايات والمآلات لافتة ، وبدت أمريكا “العظمى” كضحية مفضلة لعولمة ابتدعتها ، وعلى طريقة ماجرى فى جائحة كورونا المعولمة ، التى افترست أمريكا بأكثر من غيرها ، وكشفت عوارها وتواضع نظمها الصحية وقيمها الاجتماعية ، فيما فازت القيم الآسيوية الصاعدة ، وفى قلبها المثال الصينى المتفوق قيميا وتكنولوجيا ، إلى جوار نظم أخرى مختلفة سياسيا فى الشرق المتقدم ، وعلى نحو ما رأينا فى كوريا الجنوبية واليابان وتايوان وسنغافورة ونيوزيلندا ، وقد تنجح اللقاحات المكتملة تجاربها حديثا فى وضع حد للجائحة ، لكن هزيمة أمريكا تظل متصلة فى جوائح الاقتصاد والتجارة ، فقد تحول “المحيط الهادى” إلى مركز السباق الدولى المحتدم ، ولم تفلح حروب أمريكا التجارية فى وقف الزحف الصينى ، ووجهت “بكين” ضربتها الكبرى مؤخرا ، وقادت عملية تشكيل أكبر منطقة تجارة حرة فى الدنيا ، تضم 15 دولة على شواطئ المحيط بزعامة الصين ، فيما جرى استبعاد أمريكا ، وهو ما يراه الرئيس الأمريكى المنتخب أخطر التحديات ، ودعا إلى حلف اقتصادى عاجل بين أمريكا وأوروبا لمواجهة الصين ، وهو ما لا يبدو ممكنا بسلاسة ، وحذر من تداعياته هنرى كيسنجر، فالصين وحدها صارت تملك 35% من إجمالى حجم التجارة العالمية ، واقتصاها الديناميكى بلا ديون ، بل بفوائض فلكية تريليونية ، تقدمت بها إلى مكانة القطب الأعظم فى عالم الإقراض والمعونات والمنح ، فيما أمريكا منشغلة بذاتها المتصدعة ، وتكاد لا تجد زادا خالصا سائغا إلا فى منطقتنا المنكوبة بامتياز ، بتجارة السلاح التى تحتل فيها أمريكا المركز الأول عالميا ، وتستورد نظمنا الأكثر بؤسا نحو ثلث مبيعات السلاح الأمريكى ، لا لخوض حروب عادلة ، بل لحماية نظم الهوان ، وتأجيج الحروب الداخلية فى عدد متزايد من الأقطار العربية ، ومد جسور التحالف مع إسرائيل ، التى تظل “درة التاج” فى سياسة واشنطن بالمنطقة ، وكما قال بايدن المعتز بصهيونيته “لو لم توجد إسرائيل لاخترعناها”.
والأغرب ، أن الرهان البائس على بايدن ، كما الرهان من قبله على سلفه ترامب ، ليس مقصورا على نظم تسلط ديناصورى ، جعلت قبلة صلواتها فى البيت الأبيض ، وعند أقدام سادة المكتب البيضاوى ، بل صارت العادة الذميمة ديدنا ودينا لتيارات ، تدعى أنها شعبية ومعارضة ، برغم تراكم العظات والدروس لمن يصيخ السمع وهو بصير ، وعلى طريقة ما جرى ويجرى فى العشرين سنة الأخيرة بالذات ، بدءا من لجوء تيارات معارضة إسلامية وليبرالية إلى القوة الأمريكية ، والاستنجاد بها لإزالة حكم صدام حسين فى العراق، وبدعاوى جلب الديمقراطية ، وكانت النتيجة على ما رأينا ونرى ، فلا ديمقراطية أتت على ظهور الدبابات الأمريكية ، ولا العراق نفسه تبقى وطنا لأهله ، فقد داووا العراق بالداء الأشنع ، بأن فقأوا عينيه وحطموا عموده الفقرى ، وهو ما تداعى بالضلال نفسه إلى ظاهرة الثورات الشعبية عبر العقد الأخير ، وقد بدأت وطنية خالصة ، إلى أن لوثتها التدخلات الأمريكية الفظة ، التى وجدت لها سندا فى جماعات اليمين الدينى والليبرالى ، وحطمت أوطانا بكاملها ، وشردت شعوبا ، وحولت الثورات إلى لعنات ، مدت فى عمر نظم الفساد والاستبداد ، وأصابت القواعد الشعبية بالنفور ، فى دراما لم تكتب نهاياتها بعد ، فالثورات تعثرت ، لكنها لم تلفظ أنفاسها ، وتوالت موجاتها ، ولكن مع وعى شعبى مستعاد ، يلفظ جماعات الولاء لأمريكا ، ويزدرى المراهنين على عطف “ماما أمريكا” ، فالوعى المستيقظ فى الوجدان الشعبى العربى بعامة ، يعرف أن أمريكا هى “الطاعون” ، ولن يتمكن أحد من خداعه مجددا ، فأمريكا ليست جمعية خيرية ، وأمريكا هى العدو الأول لا تزال ليقظة الشعوب وحرياتها ، تماما بتمام مع نظمها التابعة الفاسدة المفسدة ، ومع معارضاتها المرتهنة لدوائر الأعمال القذرة ، التى لن تنقذ توابع أمريكا ولا أيتامها العرب.
المصدر: “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى