مقالات

“إسرائيل” تستهدف قادة “حماس” في قطر.. فضيحة ديبلوماسية تفجّرتها “واشنطن بوست”!

علي بكر الحسيني/ ألمانيا

خاص “المدارنت”
في حدث غير مسبوق في تاريخه الديبلوماسي، وجد الخليج العربي نفسه على صفيح ملتهب بعد أن امتدت يد إسرائيل إلى العاصمة القطرية الدوحة، لتستهدف قياديين من حركة حماس كانوا مجتمعين لبحث مقترحات أمريكية بشأن وقف إطلاق النار في غزة. لم يكن وقع الضربة مجرد انفجار في سماء هادئة، بل كان أشبه بهزة سياسية أطاحت بتفاهمات سرية وتوازنات دقيقة بُنيت على مدار شهور من الوساطة. هنا لم يعد السؤال عمّا إذا كانت إسرائيل تتحدى المجتمع الدولي، فهذا أمر مألوف، بل عن الكيفية التي سمحت بها واشنطن، وعن موقف الموساد الذي سبق أن طمأن الدوحة بأن حماس لن تُمسّ على أراضيها. صحيفة “واشنطن بوست”، عبر مقال للكاتب المعروف دايفيد إغناشيوس، كشفت أبعاد ما جرى بعبارات صريحة لا تحتمل التأويل، مؤكدة أن ما حدث كان “انتهاكًا صريحًا لتعهدات مسبقة” قدّمتها كل من الولايات المتحدة والموساد إلى قطر.
الصحيفة لم تُخفِ أن الضربة فشلت في هدفها المباشر. فالقادة المستهدفون نجوا، وأوردت الجملة الحاسمة: “فشل في قتل القادة الكبار”. غير أن الفشل العسكري غُطي على أثره بفشل أكبر: انهيار مسار ديبلوماسي حساس كان يجري بعيدًا عن الأضواء. إذ إن الاجتماع المستهدف لم يكن اجتماعًا عاديًا، بل كان مناسبة لبحث خطة أمريكية يجري تسويقها لوقف إطلاق النار في غزة، ما جعل التفجير وكأنه قصف مباشر لجسر هشّ كان يمكن أن يفتح منفذًا للحل.
الدوحة، التي استثمرت رأس مالها السياسي ومكانتها الإقليمية طوال سنوات لتؤدي دور الوسيط بين حماس وواشنطن، وجدت نفسها في لحظة مهانة. فبحسب ما نقلته الصحيفة، أبلغها مسؤولو الموساد والأمريكيون معاً الشهر الماضي بأن “حماس لن تُستهدف على أراضيها”. هذا التعهد، الذي قُدّم على أنه أساس لاستمرار استضافة قطر لمفاوضات غير مباشرة، لم يلبث أن تهاوى مع أول ضربة. لذلك جاء وصف الصحيفة لهذا الموقف بأنه “وعد فارغ” (empty promise)، وهو وصف ينقل الشعور العميق بالخذلان لدى القيادة القطرية.
أهمية المقال الصادر عن إغناشيوس أنه لم يكتفِ بسرد الواقعة، بل حلّل انعكاساتها على معادلة القوة. فقد أكد أن الضربة لم تعزز موقع إسرائيل ولا الولايات المتحدة، بل “قوّضت فرص السلام وأضرّت بمصداقية الوسطاء”. فالرسالة التي خرجت بها الأطراف ليست أن إسرائيل قادرة على الوصول إلى خصومها في أي مكان، فهذا معلوم، بل أن واشنطن غير قادرة على إلزام حليفتها بتعهداتها، وأن قطر لم تعد ساحة آمنة للحوار. بهذا المعنى، فإن الخاسر الأكبر لم يكن حماس التي نجت قيادتها، بل القناة الدبلوماسية ذاتها التي كانت تشكل نافذة أمل وسط عتمة الحرب.
ومع أن المقال أشار إلى أن إسرائيل لم تجنِ مكاسب عملية من الضربة، فإن أبعادها الرمزية مدمّرة. فمن ناحية، هي تقويض مباشر لدور قطر التي بُنيت صورتها الدولية على قدرتها على الوساطة وحفظ خطوط التواصل مع حركات إسلامية ومع الولايات المتحدة في آن واحد. ومن ناحية أخرى، هي طعنة لمصداقية واشنطن، الدولة التي لا تني تتحدث عن التزاماتها تجاه حلفائها، لكنها في أول اختبار تترك حليفًا بحجم قطر مكشوفًا أمام عربدة إسرائيلية. لذلك لم يكن غريبًا أن يصف إغناشيوس الهجوم بأنه “انتهاك لثقة دبلوماسية خطيرًا”، بما يعني أن أثره سيبقى يتردد طويلًا في كواليس السياسة أكثر مما ينعكس على ساحات المعارك.
ولعل المدهش في القصة أن إسرائيل اختارت قطر بالذات، الدولة التي تحتضن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، والتي تُقدَّم عادة على أنها نموذج التحالف الاستراتيجي مع واشنطن. إن رسالة الضربة واضحة: لا حصانة لأحد، حتى لو كان يستضيف الجنود الأمريكيين، وحتى لو كان يُنظر إليه على أنه قناة واشنطن الأساسية للاتصال بحماس. هذا البعد يثير قلقاً أبعد من قطر، لأنه يوجّه تحذيراً ضمنياً لبقية دول الخليج والدول العربية التي تتوهم أن المظلة الأمريكية تقيها من مفاجآت إسرائيلية. فما حدث في الدوحة يثبت العكس تماماً: إسرائيل تتحرك وفق حساباتها الخاصة، وتضرب متى أرادت وأينما أرادت، غير عابئة لا بحسابات حليفها ولا بكرامة شريكها.
من زاوية أخرى، فإن هذا التطور يكشف مأزق السياسة الأمريكية. فهي من جهة تتبنّى خطاباً يقوم على تشجيع التفاوض والبحث عن تسويات، ومن جهة ثانية تعجز عن حماية هذه المسارات حين يصطدم بها المزاج الإسرائيلي. وهذا التناقض يضعف أي قدرة لواشنطن على لعب دور الضامن. فإذا كانت قطر، بكل ما تمثله من شراكة أمنية واستراتيجية، لم تنجُ من انتهاك كهذا، فكيف يمكن أن يثق أي طرف آخر بوعود الولايات المتحدة في ملفات أكثر تعقيداً؟
هنا يبرز السؤال الأوسع: هل لا تزال واشنطن قادرة على إدارة أزمات المنطقة، أم أنها باتت مجرد طرف يُستَخدم لتغطية السياسات الإسرائيلية؟

المقال أضاء أيضاً على الخسارة المعنوية للوساطة القطرية. فالدولة التي بنت لنفسها سمعة كوسيط نزيه وفعّال، بدءاً من لبنان مروراً بأفغانستان وصولاً إلى فلسطين، تجد نفسها فجأة في موقع الضعيف الذي لم تُحترم سيادته، والذي خُرق تعهده مع واشنطن والموساد في أول اختبار جدي. إن هذا التحوّل يضعف رصيدها ويجعل حركات مثل حماس أقل ثقة بجدوى المفاوضات التي تجري عبرها، كما يجعل القوى الدولية أكثر حذراً في الركون إلى ضماناتها.
على الصعيد الفلسطيني، لم تحقق الضربة مكسباً حقيقياً لإسرائيل، إذ لم يُقتل أي من القادة البارزين. لكن الرسالة السياسية وصلت: إسرائيل قادرة على جعل أي عملية تفاوضية مهددة في مهدها. وهنا المفارقة التي ركّز عليها إغناشيوس: أن الضربة لم تحقق أي إنجاز عسكري يُذكر، لكنها نجحت في “تفجير قناة دبلوماسية نادرة”، وهو ما يعادل في الحسابات السياسية خسارة مضاعفة لإسرائيل نفسها التي تدّعي حرصها على الأمن لكنها في الواقع تقوّض فرص التسويات التي يمكن أن تمنحها هذا الأمن.
في النهاية، يمكن القول إن ما جرى في الدوحة لم يكن مجرد غارة فاشلة على قادة حماس، بل كان فضيحة دبلوماسية مدوية، إذ ظهر للعالم أن إسرائيل لا تتورع عن خرق التفاهمات مع أقرب حلفاء واشنطن، وأن الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن حماية هذه التفاهمات أو غير راغبة في ذلك. لقد لخص ديفيد إغناشيوس الموقف بعبارة لا تُنسى حين كتب: “الضربة لم تعزز موقع إسرائيل ولا أمريكا، بل قوّضت فرص السلام، وأضرّت بثقة الوسطاء”. وهذه العبارة تختزل مأساة لحظة سياسية كان يمكن أن تكون بداية لانفراج، فإذا بها تتحول إلى عنوان لانكشاف وفقدان الثقة .

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى