إلغاء “الأمانات السياسية” (في سوريا) خطوة هامة لكن خطوات أخرى ما تزال مطلوبة*
“المدارنت”
أحسن العهد الجديد بإلغاء الأمانات السياسية، وربما كانت ضرورية من وجهة نظر الحكم في المرحلة التي أعقبت إسقاط النظام البائد، لكن بقاءها بعد استقرار الأوضاع كان يهدد مستقبل المسار السياسي برمته، وذلك بما تمثله من سلطة في الظل تسلب السلطات الشرعية صلاحياتها، وتحولها إلى هياكل كرتونية لا تملك حق القرارات الهامة، أو من حيث الفساد الذي يمكن أن يتسرب إليها؛ كونها تعمل بطريقة غير واضحة بدون معايير أو رقابة شرعية شفافة.
إلغاؤها كان في الواقع شرطًا لا بد منه لفتح طريق الإصلاحات السياسية المطلوبة، للمسار السياسي الحالي نحو دولة مؤسسات دستورية، دولة قانون وعدالة، دولة كرامة وحريات، ضحى من أجلها الشعب السوري، تضحيات هائلة خلال ثورته منذ 2011 وقبل تلك الثورة أيضًا.
لكن تلك الخطوة الضرورية والهامة ليست كافية، فلا بد أن تعقبها خطوات لا تقل أهمية، مثل فتح الطريق أمام المجتمع المدني؛ ليعبر عن نفسه بحرية ضمن أطر قانونية، سواء بصدور قانون الأحزاب، أو بالسماح بترخيص الصحف الحرة، أو برفع الوصاية التي كانت تفرضها الأمانات السياسية على النقابات المهنية، والسماح لها باختيار مجالسها النقابية عبر الانتخابات الديموقراطية، أو بإجراء انتخابات بلدية أصبحت متاحة الآن بعد توحيد سورية، ”الاستثناء الوحيد في السويداء لا يشكل عقبة في طريق الانتخابات البلدية”.
تلك الخطوات التي يمكن إنجازها واحدة بعد الأخرى، ستشكل نقطة انعطاف مصيرية للمسار السياسي، بحيث تبعد أي احتمال في تدحرج الوضع الانتقالي نحو وضع دائم، بعيد عن مواصفات الدولة السورية المستقبلية كما يتخيلها ويريدها الشعب السوري.
وهي ستسهم في إيجاد مجتمع مدني، يتصف بالحيوية والفعالية، ويشكل القطب الآخر للسلطة السياسية الذي يصنع معها التوازن المطلوب لاستقرار الدولة والمجتمع.
تصحيح المسار السياسي وإسهام السلطة في فتح الطريق أمام إحياء الحياة السياسية القانونية في ظل احترام الحريات، وسيادة القانون، سوف يمنح السلطة السياسية السلاح الأقوى في مواجهة حملات التضليل والافتراء، وإثارة العصبيات، وزرع الفتن مما نشهد انبعاثه بين فترة وأخرى، وسيسلب أسلحة وذرائع قوى الثورة المضادة التي تحلم بعودة الحكم البائد أو انفجار الأوضاع في سورية، وزعزعة الأمن المجتمعي وعرقلة النهوض الاقتصادي وإعادة الاعمار.
فمواجهة تلك الحملات لا تكون فقط عن طريق القوى الأمنية، أو الإعلام المضاد، لكنها تقوم أساسًا على تصحيح المسار السياسي وطمأنة كل فئات الشعب السوري أننا نسير على الطريق الذي سيوصلنا لدولة المواطنة العادلة، دولة الحرية والكرامة، الدولة الديموقراطية التي تمثل كافة فئات الشعب.
العهد الجديد قادر على تصحيح المسار السياسي بما يملكه من شعبية واسعة، ومن قدرة على المراجعة وتصحيح الأخطاء ومثال إلغاء الأمانات السياسية دليل ملموس على ذلك.
لكن المطلوب الآن، ليس الوقوف في منتصف الطريق؛ بل متابعة نهج المراجعة والتصحيح إلى أن تنضبط بوصلة المسار السياسي في اتجاه التحول الديموقراطي، ونحو الدولة التي نرغب جميعًا في الوصول إليها؛ ولو بعد بعض الوقت.
”لا بد من صنعا وإن طال السفر“.



