مقالات
إله واحد.. دين واحد.. (دعوة للتقارب)

خاص “المدارنت”..
في ذات كل فرد، أسئلة كبرى تنشأ لديه مع الولادة، كاستعداد كامن، لا يلبث أن يبرز ويتبلور في مراحل النضج العقليّ لاحقًا.
يتساءل هذا الكائن عن أسرار وجوده: مَن أوجده؟ ماذا كان قبل أن يأتي الى هذا العالم؟ هل من غاية خلف وجوده؟ ما هي هذه الغاية؟ ما هو مصيره؟ وماذا ينتظره بعد الموت؟…
تتّخذ الإجابة عن هذه الأسئلة ومثيلاتها منطلقات ثلاثة:
– المنطلق العلميّ الذي يعتبر أنّ البحث في هذه المسائل، هو خارج نطاق اختصاصاته التي تنحصر في الموضوعات المادّية الخاضعة للتجربة وحدها.
– والمنطلق الفلسفيّ الذي شكّلت الميتافيزيقا،(الماورائيات) التي تنتمي إليها، موضوعات هذه التساؤلات ميدانًا واسعًا، لمباحثه، وقد ذهب في أحكامه بشأنها مذاهب شتّى.
– أمّا المنطلق الذي استقطب اهتمام غالبيّة كبرى من الناس، فهو المنطلق الدينيّ، حيث تشكّل الأديان التوحيدية نسبة عالية من أتباعه.
وإذا كان المنطلق العلميّ، يقوم على حوار التجربة والمنطق، والمنطلق الفلسفيّ يقيم قواعده على منطق العقل، فالحقائق الدينيّة تقوم أساسًا على الإيمان، وتتّخذ من العقل وسيلة لترسيخ إيمانيّاتها.
وهكذا، يلتقي من يعتنقون الأديان التوحيدية على الإيمان بإلهٍ خالق حافظ واحد، يحوز كلّ صفات الكمال المطلق، وعلى الإيمان بتلك الرسالات التي أرسلها لخلاص الإنسان وهدايته.
وإذا كان هذا الإله واحدًا، وكان حائزًا على صفات كماله المطلق، وإذا كان العدل والصدق من تلك الصفات، فمن الاستحالة أن تكون رسالاته مختلفة متباينة؛ بل هي رسالة واحدة أرسلت
في مراحل مختلفة على صورة كتب سماويّة، تخاطب المجتمعات وفقًا لمراحل تطوّرها. وبالتالي، فالإيمان بإله واحد، يقتضي القول بدين واحد، وإن تعدّدت رسله.
وليس أدلّ على وحدة هذا الدين، من تلك القيم المشتركة التي حملتها تلك الرسالات، ودعت الى تجسيدها في الواقع. ولعلّ من أبرزها، المحبّة والتسامح والعدل والبرّ والإحسان والتعاون على الخير والصلاح، فضلًا عن قيم اجتماعية وسلوكية كثيرة، يمكن مراجعة تفاصيلها في الكتب الدينية المقدّسة.
نعم، ثمّة اختلافات في التفاصيل، وبخاصة تلك المتعلّقة بالذات الإلهية، يتّخذها بعضهم أساسًا للتفرقة والتباعد، وهو ما يتناقض مع جوهر الذين والمرامي التي يتّجه إليها.
ولعلّ ما يؤكّد رسالة الدين التي تدعو الى التقارب، ونبذ عوامل الفرقة والتباعد بين أتباعه، هو ما حملته بعض الآيات الكريمة من قرآن المسلمين من مثل هذه الآية:
“وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ.. (العنكبوت، 29: 46).
وهكذا فإنّ التقارب بين رسالات الإله الواحد، مبدأ ينطلق من جوهر رسالة الدين، ومطلب أساسيّ، تدعو إليه مقتضيات واقع اجتماعيّ، يتطلّع الى التعاون البنّاء في مناخ الأخوّة الدينيّة والإنسانية.



